العنوان عرفات ومسيرة التنازلات
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 1024
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
كان قد مضى عام
على مؤتمر مدريد عشية انتهاء الشق الأول من الجولة السابعة من المفاوضات
بين الوفود العربية والوفود الإسرائيلية في واشنطن في الأسبوع الماضي،
عام من الإذلال والسخرية والاستهزاء بالوفود العربية المشاركة في
المفاوضات، لاسيما الوفد الفلسطيني على كل شكل وبكل طريقة، بداية
باختيار الصهيونيين أسماء أعضاء الوفد الفلسطيني، ورفض من أرادوا، وتحديد
جدول الجلسات وطبيعة الحوار للخروج بلا شيء في النهاية سوى مزيد من التنازلات
من قبل الفلسطينيين، وانتهاء بإجبار الوفد الفلسطيني في جلسة 27 أكتوبر
الماضي بأن يتوقف عن الحديث مع الوفد الإسرائيلي لمدة خمس دقائق؛ حدادًا على
مقتل خمسة من الجنود الإسرائيليين على أيدي رجال المقاومة الإسلامية
اللبنانية، وحينما حاول رئيس الوفد الفلسطيني حيدر عبدالشافي أن
يبدي امتعاضه رد عليه رئيس الوفد الصهيوني المفاوض «اليكيم روبنشتاین»
قائلًا: «كان من الأجدى أن تشجبوا أنتم وتستنكروا ما قام به أعداء السلام»، فابتلعها
عبدالشافي كما ابتلع ويبتلع هو ورفاقه كؤوس المذلة والهوان كل يوم من اليهود.
|
*
إن عرفات ورفاقه يقدمون كل يوم من التنازلات ما سيصل بتحويل فلسطين المحتلة في
النهاية إلى وطن خاضع للسلطة الإسرائيلية بصفة رسمية |
لقد أشار كثير من
المراقبين إلى أن امتناع الفلسطينيين عن دخول المفاوضات من بدايتها كان من الممكن
أن يؤدي إلى عرقلتها وعدم استمرارها، بل وربما عدم قيامها بالمرة في هذا
الوقت، وكان عرفات قد حفظ لنفسه ولرفاقه والشعب الفلسطيني بقية من ماء
الوجه، لكن سعي عرفات ورفاقه لإرضاء أمریکا بكل الطرق والوسائل رغم إعلان بوش
مرارًا ومن بعده كلنتون وكافة الساسة الأمريكيين البارزين أنهم ضد قيام
دولة فلسطينية مستقلة؛ مما يعني أن هذا توجه سياسي أمريكي عام، إلا أن عرفات
لم يسع إلى الدخول في المفاوضات فحسب، بل وقدم ويقدم كل يوم من
التنازلات ما سيصل بتحويل فلسطين في النهاية إلى وطن خاضع
للسلطة الإسرائيلية بصفة رسمية.
فبعدما كانت
شعارات عرفات ورفاقه في السابق: لن نتخلى عن شبر واحد من فلسطين المحتلة،
أصبحت الآن نريد ولو شبرًا واحدًا من الأرض المحتلة لنقيم عليه الدولة
الفلسطينية، وبعدما كان يعتبر اللقاء باليهود أو الحديث معهم جريمة لا تغتفر،
أعلن مؤخرًا عن رغبته في لقاء إسحق رابين رئيس وزراء العدو الصهيوني في
أي زمان وأي مكان يحدده رابين ودون أية شروط، وبعدما ركب موجة الانتفاضة
ورفاقه حينًا من الزمن جمعوا من خلالها بلايين الدولارات من الدول
العربية والمتعاطفين مع الشعب الفلسطيني، أعلن أحد القادة
الفلسطينيين أن موازنة منظمة التحرير لعام 92-91 بلغت
(210) ملايين
دولار، ذهب منها للانتفاضة عشرة ملايين دولار فقط، والباقي صرف بمعرفة عرفات
ورفاقه مما يحدد بالضبط مكانة وموقع الانتفاضة وأهل فلسطين الداخل من
عرفات واهتماماته، وأكثر من ذلك الهجوم الذي شنه عرفات مؤخرًا على حركة
المقاومة الإسلامية «حماس» رائدة الانتفاضة ومحركتها في الأرض المحتلة،
فوصفها بقبائل الزولو، وإن الحوار لا يصلح معها، وأصبح لا يفيد معها إلا لغة
الرصاص.
إن كل مخاوف
عرفات ورفاقه الآن بعدما دخلوا درب التنازلات الذي لا يمكنهم الرجوع عنه هو
أن يصبحوا وحدهم في الميدان مع اليهود في النهاية، بعدما أعلنت الأردن
في أعقاب الجولة السابعة من المباحثات أنها قد توصلت إلى اتفاق هلل له
اليهود، واتضح من بنوده أنه مبهم، ولم يرد فيه ذكر لفلسطين وأهلها،
ويقوم على الحفاظ على أمن إسرائيل وحدودها مع الأردن أفضل من ذي قبل، ومن
ناحية أخرى، فمن غير المستبعد رغم التشدد السوري المعلن أن توقع سوريا -كما
يشير المراقبون- اتفاقًا مبدئيًا آخر قريبًا، تتبعها لبنان التي
تعتبرها إسرائيل محمية سورية ليجد عرفات ورفاقه أنفسهم في نهاية المطاف
مجبرين على التوقيع مع اليهود حتى على التخلي عن هويتهم إن بقيت لهم هوية.
وإن ما يجري على
مائدة المفاوضات في واشنطن لن يقود في النهاية إلا إلى تقنين الاحتلال
الإسرائيلي لفلسطين ليخرج عرفات ورفاقه صفر اليدين، يدل على هذا ما صرح
به أحد المفاوضين الفلسطينيين في أعقاب الجولة السادسة من المفاوضات حينما
قال: «لو وقعنا على الاتفاقية الموجودة حاليًا على الطاولة فسيكون الأمر
أسوأ بكثير من الاحتلال».
وقد أعلن عامة الفلسطينيين موقفهم مما يدور في واشنطن حينما خرجوا في مسيرات داخل الأرض المحتلة منذ أيام تطالب الوفد الفلسطيني بالانسحاب من المفاوضات والخروج من طريق التنازلات، ذلك الطريق الذي سيؤدي حتمًا في النهاية بكل من سار فيه إلى مزبلة التاريخ، ففلسطين لن تحرر من على موائد المفاوضات، ولا على أيدي المتخاذلين، وإنما سیحررها هؤلاء الذين يشعلون جذوة الجهاد، ويرفعون رايته داخل الأرض المحتلة وخارجها؛ لأنه لا عزة لهذه الأمة إلا بالجهاد: ﴿وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الروم:4-5).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل