العنوان شيكاغو.. والقنبلة الموقوتة في الولايات المتحدة
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
مشاهدات 59
نشر في العدد 1076
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
قبل الذهاب إلى شيكاغو توجهنا لصلاة الجمعة في دار الهجرة - أحد
المراكز الإسلامية الكبيرة في العاصمة واشنطن - فوجدنا جنازة لأحد المسلمين، فلما
سألنا عن صاحبها قال لنا أحد المرافقين للجنازة: إنه شاب من فلسطين قتلته إحدى
عصابات السود حينما كان يجتاز مناطقهم بسيارته، واستولوا على ما معه، وقد ترك خلفه
طفلين وزوجته حامل في الطفل الثالث.
لفني صمت عميق ظل يسيطر عليّ بعد الجنازة، وأنا أفكر في دوافع وأسباب
الجريمة عند السود، حتى أخذني الزميل أحمد يوسف من يدي بعد الصلاة، وعلى باب
الطائرة المتجهة إلى شيكاغو وقف يوصيني بالحفاظ على نفسي وألا أقاوم أي محاولة
ابتزاز أو سرقة بالإكراه يمكن أن أتعرض لها في شيكاغو، وأن أشتري نفسي بما في
جيبي، وألا أترك حقيبتي الصغيرة من يدي ولو لحظة واحدة، وألا أخرج من مطار أوهير
في شيكاغو إلا مع مرافقي الذي سينتظرني هناك.
التقيت بعد ساعة من البحث والعناء بمرافقي في مطار أوهير الذي يعتبر
أكبر مطار في العالم؛ إذ يستخدمه سنويًا 50 مليون راكب، وشيكاغو مشهورة بالأرقام
القياسية في أشياء كثيرة، فمع وجود أكبر مطار في العالم بها من حيث عدد المسافرين
يوجد بها أكبر بحيرة في العالم، وأعلى مبنى في العالم «سيزر تاور»، الذي يبلغ
ارتفاعه 104 طوابق وطوله 550 قدمًا، وحين صعدت إليه كنت أنظر إلى شيكاغو كأني في
طائرة تطير على ارتفاع منخفض، كذلك يوجد في شيكاغو أعلى نسبة للجريمة في العالم،
وهي ثالث أكبر مدينة في الولايات المتحدة؛ إذ يبلغ سكانها 8 ملايين نسمة نصفهم من
السود والأقليات، وحيث يوجد السود يوجد الفقر والاضطهاد والتفرقة العنصرية
والمخدرات والبطالة، ومن ثم توجد العصابات المسلحة وتكثر الجريمة، وتعطي شيكاغو
صورة واضحة لطبيعة المجتمع الأمريكي القائمة على العنصرية، والتركيبة العرقية غير
المتجانسة؛ حيث يحرم على السود الإقامة في مناطق البيض، بل حتى دخول بيوتهم
لزيارتهم، ويعيش السود في مناطق موحشة وكئيبة، ذهبت إليها في الليل فوجدتها أكثر
كآبة من المناطق التي زرتها في واشنطن، فحينما قطعت شارع وسترن الذي لا يزيد عرضه
على ثلاثين مترًا، ويفصل الحي العربي في شيكاغو عن حي السود.. شعرت أني دخلت إلى
عالم آخر فلم أصادف شخصًا أبيض يمشي حتى بسيارته في مناطق السود، وكان مرافقي يهدئ
أمام بعض المحلات التي كانت تبيع الخمور؛ حيث يتكاثر السكارى حولها في مناظر قبيحة
وأشكال رثة، حتى أطالعهم حيث تكون الخمر بداية فقدان الوعي ومن ثم بداية الجريمة،
ولم تنقطع عن أذني في ليل أو نهار أصوات سيارات الإسعاف والشرطة وهي تجوب المدينة
إلى حيث مواقع الجريمة، وحينما طلبت من مرافقي أن يأخذني في الليل إلى أكثر مناطق
شيكاغو شهرة في الجريمة أخذني إلى منطقة بروجكت؛ حيث توجد عمارات سكنية ضخمة بنتها
الحكومة الأمريكية للسود كنوع من المساعدة لهم بعد عدة عقود من المطالبة بحقوقهم،
وأصبحت هذه العمارات أكبر مستنقع للجريمة في شيكاغو؛ حيث يتم تبادل إطلاق النار،
بل وقيام معارك بالأسلحة الأوتوماتيكية بين العصابات المختلفة عبر البنايات ورغم
وجود نقطة للشرطة في وسطها إلا أن رجال الشرطة لا يتدخلون فيما يحدث ويكتفون عادة
بما بعد الجريمة.
ويعود احتراف السود للجريمة إلى القهر العنصري الذي لا يزالون يعيشون
فيه من قبل الأمريكيين البيض الذين عادة ما يقيمون مناطق تماس بينهم وبين السود
تسكنها الأقليات الأخرى من العرب والمكسيكان، ويصل اضطهاد البيض للسود إلى كافة
أشكال الحياة في الولايات المتحدة، بما فيها عدم توظيفهم في شركات ومؤسسات البيض
وعدم دخولهم إلى أحيائهم ومطاعمهم حتى إن هناك عبارات مشهورة لا تزال تعلق على بعض
أبواب المطاعم تقول: «ممنوع دخول السود والكلاب»، ويقال إنها كانت قبل عدة عقود
تضم اليهود أيضًا إلا أن النفوذ اليهودي في الإدارة الأمريكية خلال العقود الثلاثة
الأخيرة قد رفع مكانة اليهود ونفوذهم في المجتمع.
هذا الامتهان والظلم والتفرقة العنصرية جعلت السود يشعرون بأنهم
منبوذون من قبل البيض، وجعلت الإرث التاريخي للعبودية والاسترقاق يدفعهم إلى
محاولة التميز والظهور في المجتمع في المجالات التي لا يتقنها البيض، مثل: الألعاب
الرياضية المختلفة والفنون والغناء والرقص؛ ولذلك فإن أشهر نجوم أمريكا في هذه
المجالات هم من السود، والذي لا يستطيع أن يكون ملاكمًا أو لاعبًا أو ممثلًا أو
مغنيًا أو راقصًا أو فنانًا؛ فإنه يظل ضمن الطبقة المنبوذة التي تزيد على عشرين
مليون أمريكي؛ لذلك كانت أحداث لوس أنجلوس قبل حوالي عامين خير شاهد على النار
المتأججة بين السود والبيض، وكيف أن فتيلها يمكن أن يدمر الولايات المتحدة كلها
وليس مدينة أو مدينتين، فخلال ساعات كانت الخسائر في لوس أنجلوس بالبلايين، ورغم
أن الحكومة الأمريكية تشترط على المؤسسات والشركات التي تتقاضى مساعدات فيدرالية
أن يكون اثنان بالمائة من العاملين فيها من السود والأقليات الأخرى إلا أن هذه
النسبة أيضًا تحوي كثيرًا من الغبن والعنصرية، لا سيما إذا عرفنا أن الأقلية
المكسيكية الإسبانية تضم أربعين مليونًا، والسود يزيدون على عشرين مليونًا، ومدينة
مثل شيكاغو على وجه الاستشهاد تضم ثمانية ملايين نسمة نصفهم من الأقليات، ونسبة
عالية منهم من السود الذين يعيشون بطالة مقنعة تجعلهم محترفين في فنون الجريمة
والمخدرات، وتجعل الحكومة الأمريكية تتحمل قسطًا وافرًا - كما يشير كثير من
المراقبين الأمريكيين - في هذه الدوافع، وقد مررت مع مرافقي على إحدى محطات
البنزين في بروجكت ليريني حياة أصحاب المحلات التجارية في أحياء السود في الليل،
فرأيت البائع يضع مسدسه أمامه وهو متأهب لأي هجوم في أي لحظة، ومع ذلك تحدث بصورة
شبه يومية حوادث قتل لأصحاب المحلات بغرض السرقة، ويقتل بمعدل نصف شهري أو كل
ثلاثة أسابيع أحد العرب في شيكاغو على أيدي السود؛ حيث تضم الجالية العربية في
شيكاغو حوالي 75 ألف عربي يعمل معظمهم بالتجارة، ويوجد شارع شهير في شيكاغو يضم
العرب يدعى شارع 63، كما تضم الجالية الإسلامية في شيكاغو حوالي 300 ألف مسلم
ممزقين مثل أقطارهم، بل ربما أضعافها تنخر الخلافات والمشكلات صفوفهم إلا من رحم
الله، وتمارس الفئات الضالة من البهائيين والأحمديين والبهاريين وغيرهم أنشطتها
بحرية هناك.
شيكاغو التي تتحدث الأقليات المقيمة بها 54 لغة غير الإنجليزية، هي
صورة من المجتمع الأمريكي المليء بالتناقضات والتركيبة العرقية المعقدة، والنظرة
العنصرية المدمرة، وعصابات الجريمة المنظمة، وجماعات السود المضطهدة التي يولد
أبناؤهم فيرضعون من أمهاتهم ذل الاضطهاد والعنصرية والظلم من الرجل الأبيض، وكل ما
تفعله الحكومة الأمريكية هو امتصاص غضب السود ومدهم بالمساعدات والمساكن والإعانات
الاجتماعية؛ حتى تخفف من دوافع الجريمة والعنف لديهم، لكنها لا تعالج جذور المشكلة
أو تزيل أسبابها، وتبقى شعارات المساواة وحقوق الإنسان والعدل الاجتماعي شعارات
جوفاء يرفعها الغرب دون أن يستطيع تحقيقها على أرض الواقع.