العنوان أضواء على الحركة الإسلاميّة في تونس
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 21-سبتمبر-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1519
نشر في الصفحة 34
السبت 21-سبتمبر-2002
● انطلقت من المسجد إلى المجتمع على يد الغنوشي ومورو.. وتعددت أسماؤها من الجماعة الإسلامية إلى حركة الاتجاه الإسلامي ثم النهضة.
● يرتبط ظهورها بجامع الزيتونة الذي شهد محاضرات في أواخر الستينيات تنتقد الحالة السياسية والثقافية والاقتصادية.
● ركزت على الجانب التربوي والفكري.. وأكدت أن الإسلام دين حضاري ردًّا على علمانية بورقيبة المتعصبة التي طمست القيم الإسلامية.
يذهب بعض الباحثين والكتاب إلى القول بأن الحركة الإسلامية التونسية عريقة عراقة جامع الزيتونة، هذا الجامع الذي لعب دورًا كبيرًا في تاريخ تونس، كما ساهم في الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية لها، ووقف سدًا منيعًا في وجه الاستعمار الفرنسي، الذي كان يعمل على «فرنسة» تونس، وجرها إلى دائرة التغريب.
خرَّج جامع الزيتونة أعدادًا كبيرة من الشخصيات المغاربية، التي قادت العمل الوطني، والنضالي، في أقطار المغرب العربي، وكان مناهضو الاستعمار يلجئون إليه لإكمال دراستهم، والتزود من معين الاسلام والوطنية، ومنهم على سبيل المثال: رئيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس، وشيخ الحركة الإصلاحية في تونس الشيخ الثعالبي وغيرهما.
ويرتبط ظهور الحركات الإسلامية في تونس بتحركات بدأت في جامع الزيتونة في أواخر الستينيات، حين شرعت شخصيًات إسلامية منها الشيخ عبد القادر سلامة، ومحمد صالح النيفر، والشيخ بن ميلاد، في إلقاء محاضرات، ومواعظ ودروس دينية، انتقد بعضها الحالة السياسية والثقافية والاقتصادية في تونس، وكان من بين الذين درسوا في الزيتونة في هذه الفترة عبد الفتاح مورو، أحد أهم المشاركين في تأسيس الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس، وبدأ مهمته تلك بعقد صلات وثيقة بشخصيات وأوساط تونسية.
يقول د حيدر إبراهيم علي صاحب كتاب «التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية»: إن تاريخ الحركة الإسلامية التونسية هو التاريخ الموازي والمضاد للبورقيبية، وفي إطار أوسع للغرب، فقد كان الرئيس التونسي السابق بورقيبة من أكثر الزعماء صراحة في إعجابه بالثقافة الغربية، ويقول هشام جعيط عنه: بقي بورقيبة بالفعل مبهورًا بأوروبا ولا سيمًا بفرنسا، وهو يشمئز في قرارة نفسه من الفكرة العربية، والمشرق ويعتبره عالمًا مغايرًا تمامًا لعالمه، وتملكه شعور بأن العربية صيغة رجعية مغرقة في التقاليد واللاعقلانية، وأن القومية العربية فكرة ديماجوجية.لقد شكلت علمانية بورقيبة خطرًا على الأمن الثقافي التونسي، حيث أصبحت الهوية العربية والإسلامية مهددة في تونس، كما أصبحت القيم الإسلامية مطموسة، بسبب المناهج التعليمية، والخطط الإعلامية المستوحاة من توجيهات بورقيبة العلمانية، وهذا ما جعل الحركة الإسلامية التونسية تركز على الجانب الفكري، والتربوي، والثقافي، والتأكيد على أن الإسلام حضاري في بعده، وأن الحضارة الغربية بإفرازاتها المادية، خطرة على المجتمع التونسي. وفي بداية السبعينيات، التقى عبد الفتاح مورو براشد الغنوشي، الذي كان في وقت سابق معجبًا بالفكر القومي الناصري، ثم تبنى الفكر الإسلامي، ونشأت صداقة بينهما، انعكست على نشاطهما السياسي فيما بعد.
ولد راشد الغنوشي -زعيم حركة النهضة- في حامة قابس، ودرس فيها المرحلة الابتدائية، ثم المرحلة الثانوية في المدرسة الثانوية التابعة لجامعة الزيتونة، ثم انتقل إلى بلدة مثيلية، حيث نال الشهادة الأهلية -المتوسطة- ومن ثم درس في المدرسة الخلدونية في العاصمة، عمل في بداية حياته العملية معلمًا في مدينة قفصة حتى سنة ١٩٦٤م، بعدها سافر إلى دمشق، ليدرس الفلسفة، حيث حصل على إجازة فيها سنة ١٩٦٨م. وفي دمشق تسنى له أن يقرأ الإنتاج الفكري للإخوان المسلمين، وتحديدًا ما كتبه سيد قطب، وكذلك أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان. وبعد إتمام دراسته في دمشق، عاد الغنوشي إلى تونس سنة ١٩٦٩م، وباشر التدريس في ثانويات العاصمة، وحمام الأنف، والقيروان. وفي سنة ١٩٧٩ م ترك التدريس، وتفرغ لاستكمال دراساته العليا في الشريعة الإسلامية([1]) وفي سنة ١٩٧٠م قرر مع عبد الفتاح مورو، الشروع في إعطاء دروس، وإقامة حلقات دينية تعليمية في المساجد، وكان جل هذه الدروس تمحور حول حضارة الإسلام، وخطورة الثقافة الغربية المادية([2]) وانضم كلاهما إلى جمعية المحافظة على القرآن الكريم سنة ۱۹۷۱م. ومن جامع سيدي يوسف في العاصمة، بدأت الفكرة الإسلامية تسطع، منطلقة من دائرة المسجد إلى دائرة الجامعة. وقد عمل الغنوشي ومورو على إقناع أكبر عدد ممكن من النخب المثقفة في المساجد والمعاهد التعليمية بأن الإسلام هو البديل الحضاري الحي، وشرع الغنوشي في كتابة مقالات في جريدة «الصباح» اليومية، التي أتاحت له نقل أفكاره إلى شريحة من المثقفين، كما كان يكتب في مجلة «جوهر الإسلام»، لصاحبها الشيخ المستاوي. ومع بروز مجلة «المعرفة» التي كانت المنبر الفعلي للحركة الإسلامية، كثف الغنوشي كتابة المقالات التي تتناول الحضارة الغربية، وإفرازاتها المادية، وانعكاساتها الخطيرة على مجمل الأوضاع في البلاد الاسلامية، وكان في هذه المرحلة معجبًا بفكر سيد قطب، ومالك بن نبي، وأبي الأعلى المودودي، ومحمد الغزالي، وكانت مجلة المعرفة تركز على مواجهة الفكر اليساري، والعلماني، وموضوع المرأة في الإسلام، وفي أثنائها تأسست مجلة المجتمع، التي بدأ معها الخطاب الإسلامي يتبلور شيئًا فشيئًا.
ولم تكن هذه التحركات بمنأى عن رصد السلطة التي كانت تراقب عن كثب، وخصوصًا بعد أن برزت الظاهرة الإسلامية في الجامعات، والثانويات، والمعاهد التعليمية، والمساجد، وبعد سنوات من النشاط المتواصل، انعقد اجتماع عام ۱۹۷۹م بضاحية منوبة في تونس، تقرر على إثره، تأسيس تنظيم إسلامي، أطلق عليه اسم الجماعة الإسلامية.
وإثر إعلان الحزب الدستوري الحاكم في تونس عن مشروع التعددية السياسية سنة ۱۹۸۱م، بادر أعضاء الجماعة الإسلامية إلى عقد مؤتمر عام، أعلنوا في ختامه عن حل الجماعة، وتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي، وانتخب الغنوشي رئيسًا لها، وعبد الفتاح مورو أمينًا عامًا، وتم الإعلان رسميًّا عن الحركة في 6/6/1981م، وتقدمت بطلب إلى وزارة الداخلية للحصول على اعتماد رسمي، لكنها لم تتلق أي جواب.
وفي يوليو ۱۹۸۱م ألقي القبض على راشد، وأحيل الى المحاكمة في أكتوبر من العام نفسه مع مجموعة من قيادة الحركة بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مشروعة، وحكم عليه بالسجن لمدة ١٠ سنوات، وبعد ثلاث سنوات من الاعتقال جرى إطلاق سراحه في 2/8/1984م بعفو رئاسي، بعد وساطة من رئيس الحكومة آنذاك محمد المزالي. وعندما كان الغنوشي معتقلًا، تولى قيادة الحركة كل من الفاضل البلدي، وحمادي الجبالي، وفي ديسمبر ١٩٨٤م، عقدت الحركة مؤتمرًا سريًّا، انتهى إلى تثبيت الغنوشي ومورو على رأسها، وفي 6/6/1985م عقدت حركة الاتجاه الإسلامي مؤتمرًا صحفيًّا، كشفت فيه علانية، في الذكرى الرابعة لتأسسيها، عن وثائق مؤتمرها السري، وأسماء أعضاء المكتب السياسي، وفيهم الغنوشي، ومورو، وصالح كركر، وصادق شورو، وحمادي الجبالي، وعلِي العريض، وفاضل البلدي. وأعيد اعتقال الغنوشي في أغسطس ۱۹۸۷م، وحوكم مع مجموعة من رفاقه بتهمة قيام عناصر من الحركة بتفجير أربعة فنادق سياحية في العاصمة، وقد أنكر الغنوشي التهمة، وندد بأعمال العنف التي شهدتها تونس، غير أن محكمة أمن الدولة حكمت عليه بالسجن المؤبد بتهمة تهديد أمن الدولة، والاتصال بدولة أجنبية هي إيران، كما حكم بالإعدام على سبعة من رفاقه، و نقذ الحكم في اثنين منهم. وبعد ذلك أصدر الرئيس زين العابدين بن علي عفوًا عن الغنوشي بمناسبة عيد الفطر في 15/5/1988م، فغادر إلى الخارج، ولم يعد إلى تونس منذ ذاك التاريخ([3])
من الفكر إلى السياسة
كانت هناك مبررات عديدة جعلت الجماعة الإسلامية تخرج من الدائرة الفكرية إلى الدائرة السياسية، منها:
-نضج الخطاب الإسلامي، وبداية اقتناع كوادر الفكرة الإسلامية بضرورة لعب دور في الواقع السياسي التونسي
-غرق السلطة التونسية في حالة التبعية وضرورة التصدي لها من خلال المساهمة في التغيير السياسي.
-تحديات التيارات والقوى العلمانية والتغريبية.
-التحديات التي عاشها العالمان العربي والإسلامي، مثل أحداث افغانستان، ولبنان وفلسطين وغيرها.
-انتصار الثورة في إيران.
هذه العوامل الداخلية والخارجية، أملت على الغنوشي ورفاقه، ضرورة تكوين حزب سياسي. لكن وزارة الداخلية رفضت جملة وتفصيلًا، الترخيص للحركة، وللحؤول دون أن تكبر في الواقع السياسي، بادرت إلى اعتقال كل قياداتها.
في بيانها التأسيسي، ركزت حركة الاتجاه الإسلامي على ضرورة تحصين الشخصية التونسية من الذوبان في إفرازات التغريب، ووضع حد لحالة التبعية المطلقة للغرب، وإعادة بعث الإسلام الحضاري، ليلعب دوره الكامل في الواقع، والمساهمة في تأسيس كيان تونسي منسجم كل الانسجام مع حضارة الإسلام، وإعادة توزيع الثروات توزيعًا عادلًا.
وكانت السلطات تنظر إلى هذا التنظيم بكثير من القلق والحذر؛ خوفًا من تكرار التجربة الإيرانية، وخوفًا أيضًا من تكرار التجربة الجزائرية، إذ خرجت التنظيمات الإسلامية إلى العمل العلني، كما برزت الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر بقيادة مصطفى بويعلي([4])
وما زاد في قلق السلطات التونسية، وقوع انفجارات في بعض الفنادق، ومعروف أن تونس تعتمد بالدرجة الأولى على السياحة.
ويورد فرانسوا بورجا -صاحب كتاب «الإسلام السياسي.. صوت الجنوب» -مشاهد لبدايات الصدام بين السلطة والإسلاميين في تونس، منها ما حدث في الحرم الجامعي في فبراير ۱۹۸۱م، حيث تم سجن عميد إحدى الكليات، وتهديده بالقتل عندما تدخلت الشرطة في الحرم الجامعي واشتبكت مع الإسلاميين، وكذلك حاول أخرى الإسلاميون منع المفطرين في شهر رمضان، وتصادموا مع الشرطة في يونيو ۱۹۸۱م بعد حريق الباخرة الروسية.لم يكن في تخطيط مؤسس حركة الاتجاه الإسلامي أن تكون حركة ثورية تغير الواقع العلماني عن طريق الحتمية الثورية، أما الإعجاب بمشروع الثورة الإيرانية، فهو إعجاب بمشروع الثورة بشكل عام، وإذا كانت الظروف سنحت لهذه الثورة أن تنتصر في أرض فارس، فقد لا تسنح لأن تنتصر ثورة مماثلة في حقول جغرافية أخري. وعندما أسس الغنوشي ورفاقه حركتهم، كانوا حريصين على أن تطرح الحركة مشروعها بروية وحنكة خصوصا في خضم واقع سياسي وثقافي معقد.
أما أعمال العنف التي واكبت تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي، فقد قام بها أفراد متعاطفون مع التيار الإسلامي ولم تثبت أي علاقة لقيادة الاتجاه بها.
وفي نظر بعض الباحثين فإن السلطة التونسية حاولت استدراج الاتجاه الإسلامي إلى حلبة العنف. لتتمكن من إعداد الذرائع والتبريرات للشروع في استئصاله.
فالسلطة بعدم منحها الترخيص القانوني للحركة كانت تعمل على استفزازها، علمًا بأن السلطة هي التي أقرت مشروع التعددية الحزبية.
وكانت كتابات الغنوشي في مجلات حركته هادئة تناقش الواقع السياسي بكثير من الحكمة دون تصعيد. وحتى الإشادة بالثورة الإيرانية كانت موضوعية بلا انفعال.
وتكشف المنطلقات العقائدية لحركة الاتجاه الإسلامي أنها لا تؤمن بالعنف، فالتغيير عندها يجب أن يتم وفق أسس كونية واجتماعية تضمنتها سنن التاريخ وحركته، وهذا لا يعني أن فريضة الجهاد ساقطة، لا ولكن لها مناخاتها وضروراتها.
وكان الانفتاح على الآخر من سمات الحركة إلى درجة أن أدبياتها كانت غنية بموضوعات الديموقراطية والمرأة والعلاقة مع الغرب، والتركيز على هذه المضامين كان الأبرز بالمقارنة مع مضامين من قبيل تطبيق الشريعة والقوانين الإسلامية، وإسلامية المجتمع، أو جاهليته.
وفي هذه السياق يقول الغنوشي: لقد كانت قضية الحريات العامة في الدولة الإسلامية الهم الأعظم، الذي استبد بي منذ بدايات الحركة الإسلامية في تونس من مرحلة الدعوة لمبادئ الإسلام في مواجهة الثقافة الوافدة المهيمنة إلى مرحلة التفاعل الواسع مع هموم المجتمع التونسي والعربي عامة، وكان أهمها قضية الحرية ولا تزال فقد كان تقديم إجابات واضحة عن التحديات المطروحة على الفكر الإسلامي، في بلد مثل تونس قد ضرب بسهم وافر في التغريب والثقافة، -ضرورة معرفية لا بديل عنها للحركة الإسلامية فيها([5]).
وقد أعلن الغنوشي أنه يقبل بقواعد اللعبة الديموقراطية، معتبرًا أن الديموقراطية لها سند في النصوص الشرعية وهي الشورى بآلية أخرى، إلا أنه لا يعطي مفهومًا واضحًا عن الشورى، وهل هي عينها الديموقراطية الغربية.
الإقرار بقواعد الديموقراطية، لا يعني أن الغنوشي كان قد تخلى عن مبدأ إقامة الدولة الإسلامية، بل يعتبر ذلك فرضًا على كل مسلم، فالشرعية في النظام الإسلامي كما يقول: هي في الالتزام الكامل بالحكم بما أنزل الله أو القبول الكامل بالاحتكام إلى شرع الله([6]).
وعلى الرغم من اهتمام الغنوشي بالمفاهيم والتعريفات على خلفية تكوينه الأكاديمي، إلا أنه لم يقدم مفهومًا واضحًا عن الديموقراطية التي يقول إنها مفهوم إجمالي يتسع لأشد الأنظمة تناقضًا. وبناء عليه، اتهمته بعض القوى العلمانية والتغريبية في تونس -كما حدث مع غيره في بلدان أخرى- بأنه مجرد مناور يريد استخدام الوسائل الديموقراطية لإقامة نظام أصولي على الطراز الإيراني، وأنه برز بهذا الطرح الديموقراطي ليتسنى له ممارسة العمل السياسي، وإعداد العدة للانقضاض على الحكم وهذا ما عملت محكمة أمن الدولة على تأكيده رغم أنها لم تكن تملك أي أدلة عليه .
ولم تكن هذه مسلكية نظام بورقيبة وحده مع حركة الاتجاه الإسلام فبعد الإطاحة الهادئة بحكم بورقيبة وعلى الرغم من أن الغنوشي اعتبر نظام حكم الرئيس الجديد زين العابدين بن على تجديديًّا وضروريا لنهضة تونس وبناء الديموقراطية، إلا أنه جرى اعتقاله مجددًا، ورغم أن الغنوشي لدى حلِّه لحركة الاتجاه الإسلامي وتأسيسه لحركة النهضة، فضل ألا يكون الإسلام عنوانًا لاسم حركته الجديدة، إلا أن نظرة الدوائر التونسية إليه باعتباره ذلك الرجعي الظلامي التوليتاري الخطر على الحداثة والتنوير والتغريب([7]) ظلت قائمة.
ورغم أن حركة النهضة التي تأسست سنة ١٩٨٨م. قامت بتكييف نفسها مع الواقع السياسي الجديد، إلا أنها لم تحصل على الترخيص أبدا، واستمر الصدام بينها وبين السلطة. وقد أصدرت حركة النهضة في هذه المرحلة جريدة «الفجر»، وحاولت أن تنفي عن نفسها الشبهات والاتهامات، إلا أن السلطة كانت تصر على أنها حزب غير شرعي يعمل على قلب نظام الحكم.
وبين ۱۹۸۹- ۱۹۹۲م اندلعت في تونس أعمال عنف جرى على إثرها اعتقال العديد من القياديين في النهضة. ومنهم حمادي الجبالي، رئيس تحرير جريدة الفجر وحكم عليه بالسجن لمدة ١٥ سنة وكان الجبالي بالإضافة إلى توليه رئاسة تحرير الفجر عضوا في المكتب السياسي الحركة النهضة، أما راشد الغنوشي فقد حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالسجن المؤبد في ۱۹۹۲/۸/۲۸م، لكنه كان قد غادر إلى الجزائر، حيث واكب تطورات الساحة السياسية في الجزائر منذ تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في ۱۹۸۹م. وكانت الحكومة التونسية تطالب برأسه وأوفدت لهذا الغرض مسؤولين رفيعي المستوى لاسترداده من الجزائر بحجة أن هناك حكما قضائيا صدر بحقه ولم ينجح هؤلاء في إقناع نظرائهم الجزائريين بضرورة استرداده.
وعندما تم اعتقال قادة الإنقاذ في ٣٠ يونيو ١٩٩١م طلبت السلطات الجزائرية من الغنوشي، أن يغادر الجزائر فتوجه إلى السودان ومنها إلى بريطانيا، حيث حصل على اللجوء السياسي وبات يقيم في عاصمتها.
وفي منفاه الجديد، حاول أن يعيد ترتيب البيت النهضوي، فنجح إلى حد ما في على الإطار السياسي للحركة وأخذ يصدر البيانات تباعا تعليقا على مستجدات الأحداث والتطورات السياسية في تونس واستمرت جريدة الفجر التابعة النهضة في الصدور من العاصمة القبرصية، ثم توقفت لأسباب مادية فيما يبدو.
وفي بريطانيا، عكف الغنوشي على إيصال صدى الحركة إلى مختلف المعنيين بالشأن الإسلامي، وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات، لكن بسبب انتقال النهضة إلى النفي فقدت الكثير من فاعليتها السياسية وبات عملها يقتصر على إصدار البيانات، وحتى هذه البيانات الورقية راحت تقلق السلطات التونسية التي طلبت مرارا وبشكل رسمي من السلطات البريطانية وضع حد لنشاطات الغنوشي، وكان الرد أن الغنوشي لم يخرق القوانين المعمول بها في بريطانيا.
التنوع في خريطة الحركة الإسلامية
كانت النهضة أبرز عناصر خريطة الحركة الإسلامية التونسية، إلا أن هناك جماعات أخرى شهدتها الساحة منها: الإسلاميون التقدميون: وهو تيار اشتغل في أوساط الجماعة الإسلامية منذ بداية السبعينيات، وعندما تحولت الجماعة الإسلامية إلى حركة الاتجاه الإسلامي، عارض أصحاب هذا التيار ذلك، وواصلوا خطهم ضمن رؤيتهم الخاصة.
وكان هذا التيار في البداية يعتمد على مقولة اليسار الإسلامي، مركزًا على العقل أكثر من تركيزه على النص، وذهبت هذه الجماعة إلى حد القول بجواز تعطيل الثوابت عندما تكون هناك ضرورة إلى ذلك.وكان صلاح الدين الجورشي يطالب بثورة ثقافية، لأنها تمثل عنصرًا جوهريًا في إعادة بناء وعي المجتمع، وأن تتم بعد ذلك عملية إعادة هيكلة المجتمع.ويتسائل الجورشي عن أيهما حدث في بداية الأمر: الدولة أم المجتمع؟ وقد اتجه الإسلاميون التقدميون، نحو ثورتهم الثقافية، من خلال فهم جديد للدين(۷).وفي نظر أحميدة النيفر-أحد أقطاب هذا التيار-فإن المسألة السياسية مهمة، ولكن لم تعد لها الأولوية، لأن مشكلة إعادة قراءة الفكر الديني تحتل المركز الأول، وكان الإسلاميون التقدميون يتحركون في الوسط الجامعي، ويركزون بالدرجة الأولى على النخبة لأن بيدها تغيير مناحي الحياة.حزب التحرير الإسلامي:ظهر حزب التحرير الإسلامي في تونس نتيجة نشاط العديد من المؤمنين بفكرة الحزب المشرقي المولد، وقد عقد الاجتماع التأسيسي للحزب في يناير ١٩٨٣م، وكان الحزب يخطًط للاستيلاء على السلطة، ومن ثم إعادة تأسيس الخلافة، من خلال وسائل، وطرق تبناها الحزب في دستوره العام. وقد تم اعتقال وملاحقة معظم قياديي الحزب، وبينهم عدد من العسكريين في النصف الثاني من سنة ۱۹٨٣م بتهمة تشكيل جمعية سياسية، وتحريض عسكريين على الانتساب إليها، وأصدرت المحكمة العسكرية أحكامًا بالسجن على عدد من قادة الحزب وكوادره، وبينهم محمد جربي-زعيم حزب التحرير-في تونس.وفي مارس ۱۹۹۰م تم تقديم مجموعة جديدة من أعضاء الحزب للمحاكمة بتهمة توزيع منشورات في المساجد.وتولت قيادة الحزب مجموعة مدنيَة- عسكرية بالتوافق فيما بينها، ومن رموزها الطاهر العيادي، ومحمد فاضل شطارة، ومحمد جربي، وكان الحزب يصدر نشرة سريًة بعنوان: الخلافة.
وقد ربطت السلطات التونسية مرات عدة بين نشاطات الحزب ومحاولات انقلابية فاشلة لإسقاط السلطة، وأهمها ما حدث عامي ۱۹۸۳ و۱۹۸۹م. وكانت السلطات تتوجس خيفة من تغلغل الحزب داخل المؤسسة العسكرية، وكانت إستراتيجية حزب التحرير تنص على غرس أكبر قدر ممكن من العناصر داخل الجيش التونسي لتتمكن في نهاية المطاف مجموعة من الضباط الإسلاميين من الانقضاض على السلطة من الداخل، وقد نجح الحزب في استقطاب عشرات العسكريين، وتمت تصفية الحزب في وقت مبكر من تاريخ الحركة الإسلامية التونسية.
طلائع الفداء
مجموعة إسلامية مسلحة، يتزعمها محمد حبيب الأسود، وقد جرى الكشف عنها في عام ۱۹۸۷م، عندما اتهمتها السلطات التونسية بالتخطيط لقلب نظام الحكم، وإقامة دولة إسلامية، وبعد تولي زين العابدين رئاسة الدولة. صدرت قرارات بالعفو عن معتقلي المجموعة، وتم إطلاق سراحهم.
_______________________________
[1])) مستقبل الأصولية في العالم العربي، إصدار المركز العربي المعلومات في بيروت
[2])) الإسلام الاحتجاجي في تونس. لعبد الباقي هرماسي
[3])) الحركة الإسلامية في تونس مصطفى الثواني وتحليل العناصر المكونة للحركة الإسلامية في تونس لراشد الغنوشي
[4])) انظر كتاب الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر ليحيى أبو زكريا، دار التعارف في بيروت.
[5])) ) الحريات العامة في الدولة الإسلامية لراشد الغنوشي
[6])) المصدر نفسه.
[7])) المقدمات النظرية للإسلاميين التقدميين لماذا الإسلام كيف تفهمه صياغة صلاح الدين الجورشي، ومحمد القوماني، وعبد العزيز التميمي دار البراق النشر تونس سنة ١٩٨٩م