; الآثار التي يمكن تحقيقها من إقامة الحدود وتطبيقها - الجزء الثالث | مجلة المجتمع

العنوان الآثار التي يمكن تحقيقها من إقامة الحدود وتطبيقها - الجزء الثالث

الكاتب الدكتور محمد حسين الذهبي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1978

مشاهدات 78

نشر في العدد 424

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 19-ديسمبر-1978

بحث الدكتور محمد حسين الذهبي في الجزء الماضي من هذا البحث فلسفة الحدود في النظام الإسلامي، وأوضح أنها تقوم على مبدأين: مبدأ نفسي وآخر اجتماعي، كلاهما يكمل الآخر، وكلاهما بعيد الأثر في تحقيق الحكومة والغاية من تشريع هذه الحدود.

وفي الجزء الثالث والأخير الذي ننشره اليوم، يوضح الذهبي رحمه الله الفارق بين الحقوق الشخصية الخالصة التي يحق لصاحبها أن يتنازل، عنها أو يصالح عليها، وبين حقوق الله أو حقوق الجماعة فلا تسقط بعفو الأطراف الذين وقع عليهم مباشرة عدوان مرتكبيها في الزنى والقتل والسرقة والقذف مثلًا.

وهذه الخاصية التي أضيفت على الحدود تنطوي على معان جليلة يقوم الذهبي بتجلية شيء منها في هذا العدد..

ما معنى أن الحدود حق الله أو حق الجماعة؟!

معناه: أن تقف الجماعة متضامنة في وجه من يعتدي على إحدى حرماتها.

 فالزاني لا يواجه فقط بمن اعتدى هو على عرضه! وإنما يواجه به وبالمجتمع كله معه.

 والسارق لا يواجه بمن سرقه هو، وإنما يواجه به وبالمجتمع كله معه.. وقس على هذا.

وهنا معنيان: نفسي واجتماعي يتفقان معًا مع ما ذكرناه من الأصلين اللذين تقوم عليهما فلسفة الحدود.

فالمعنى النفسي: هو أن المرتكب لأحد هذه الجرائم سيجد نفسه في مواجهة لا مع فرد واحد أو عدة أفراد، وإنما مع المجتمع بأسره، وفي ذلك من الرهبة والردع ما يجعله يفكر مرارًا هو قبل الإقدام.

والمعنى الاجتماعي: يتمثل في أن المجتمع لا يقف من هذه الجرائم موقف السلبية وعدم المبالاة، متعللًا بأنه ليس طرفًا فيها، وإنما هو طرف أصيل مسته الجريمة بطريق مباشرة إذ كانت عدوانًا على قيمة من قيمه وحرمة من حرماته!

ولعل من أسرار اعتبار الإسلام الحد حقًّا للجماعة: إنه لو ظل حقًّا فرديًّا لتعرض لخطرين محتملين: 

أما أولهما: فهو احتمال المساومة عليه من جانب صاحبه، وهذه المساومة سوف تسقط من قدسية الحرمات التي وضعت الحدود لحمايتها.

 وأما الثاني: فهو أمر نستنبطه من واقع الحياة: ذلك أن شأن مرتكبي جرائم الحدود أن يكونوا من ذوي النزعات الشريرة، وأن تكون لهم- في الغالب- شوكة ومنعة، وأن يكونوا بحيث يرهبهم الصالحون من مستقيمي الناس الذين يريدون أن يحيوا في دعة وهدوء، فلما كان ذلك من شأنهم كان هناك توجس وخوف؛ ألا يستطيع من اعتدى عليهم مواجهتهم والمطالبة بإقامة الحد عليهم.

هنا فطنة قوية لعدم التكافؤ في الخصوصية بين معتدين لديهم الجرأة والسطوة، وبين معتدى عليهم ليسوا بمثابتهم!

وتحويل الحق في إقامة الحد من حق فردي إلى حق جماعي أو ضمينة هذا الحق الجماعي، ضمان من كلا الخطرين. فيما لو ظل فرديًّا خالصًا من خطر المساومة، وخطر العجز عن المطالبة!

التوازن النفسي للفرد عن طريق ما تحدثه الحدود من توليد موانع صادقة تكافئ الدوافع الحافزة أو تربو عليها من مواقف الصراع التي يتعرض لها الإنسان حينما تعرض له ممكنات سلوكية يختار من بينها هذا التوازن النفسي من شأنه أن يبعد عن مسرح الجريمة أو الجناية أو الذنب على المستوى الذي يدخل دائرة ما يستوجب الحد للغالبية العظمى من أفراد المجتمع. وبهذا يتم الدور الوقائي الجليل الذي تصنعه الحدود حينما تصبح تشريعًا مستقرًا، يوقن الأفراد بأنه يطولهم لا محالة متى انزلقوا إلى شيء من موجباتها! والحق الجماعي في الحدود يضفي عليها هيئة وقدسية، ويحميها من مخاطر المساومة والتعطيل فيما لو طلب حقًّا فرديًّا يجوز التقاطه، أو يمكن تحديه وبهذين العاملين ينشأ لدى الأفراد وازع داخلي، وزاجر اجتماعي خارجي، يصعب معهما التفكير في ارتكاب هذا النوع من المآثم الخطيرة! 

ويبقى خارج دائرة هذا الانضباط النفسي الاجتماعي الشذاذ الذين لم تجد معهم هذه الوسيلة الزاجرة الرادعة فهم مستخفون مستهترون، لا يبالون المجتمع، ولا يفكرون في عاقبة، تستفزهم الرغبة، ويعميهم الطمع الكاذب في التفلت من العقاب!

 مثل هؤلاء هم الذين سيكون منهم من يعتدون على هذه الحرمات، وينتهكون حمى الله! 

ومثل هؤلاء لا ينتظر منهم- إلا في النادر- أن يطلبوا إقامة الحد عليهم توبة وتطهرًا، وإنما سبيل ثبوتها عليهم هو البيئة وليس الإقرار.

 هؤلاء إنما يتعاملون مع «الحدود» تطبيقًا وتنفيذًا وليس تربية وتوجيهًا أو تشريعًا! فكيف يصنع بهم؟! 

رأينا موقف النبي- صلى الله عليه وسلم- من المقرين المقترفين وما ينطوي عليه من رحمة دافقة، ومحاولة كريمة أمينة لدرء الحد عنهم، دون تفريط في حق الله متى ثبت. أما الآن فالأمر جد مختلف

عن أنس- رضي الله عنه- قال: «قدم على النبي- صلى الله عليه وسلم- نفر من عكل- فأسلموا فاجتووا المدينة فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فأضحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسبل أعينهم ثم لم يحسسهم حتى ماتوا»- وفي رواية: «ثم ألقوا في الحرة يستقون فما سقوا حتى ماتوا».

هنا عنف بالغ في العقوبة تقطيع الأيدي والأرجل، سل الأعين، ترك حسم الدم لينزفوا، ثم منعهم من الماء حتى ماتوا.

والسبب: يذكره أبو قلابة راوي الحديث عن أنس- رضي الله عنهما: «قال أبو قلابة» سرقوا وقتلوا وحاربوا الله ورسوله، وفي رواية أخرى: «هؤلاء قوم سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله».

هذا مثل تطبيقي لحد الحرابة! طبقه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بنفسه وقد رأينا مبلغ الحزم فيه، وكيف أنه- وهو رحمة الله للعالمين- لم يترك ثغرة لمحاولة من أي نوع تسترحم لهم.

هذا نموذج للروح العام الذي يجب أن يتلقى به أمثال هؤلاء الخارجين على النظام في جرأه لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة!

 وفي حد الزنا نجد الآية تنص على أن يشهد إقامة الحد طائفة من المؤمنين والحكمة هنا مزدوجة، فشهود الحد ضروري لتحقيق أثره وغايته في الزجر والتبعيد عن هذا الإثم العظيم. 

ومن جهة أخرى قد يكون المحدود- بالجلد- من الجلادة والاحتمال بحيث لا ينال منه مائة جلدة- وإنما ينال منه- حقًّا- أن يعرف ويشهر بأنه زان، فهذا الإيلام النفسي الذي يصيبه نتيجة لرد فعل الجماعة نحوه وسقوطه في عينها، أشد عليه من جلد قد تحمله لقوة بنية أو لفرط جلادة.

إن الحد إنما يقام مرة ليمنع من إقامته مرات بل مئات المرات، ومن هذا حرص الإسلام على تمكين الأثر المترتب عليه سواء في ناحيته النفسية، أو في ناحيته الاجتماعية!

 وأنت واجد هذين البعدين: النفسي والاجتماعي في جميع الحدود دون استثناء على تفاوت فيها يبدو في التركيز على واحد منهما لأنه أدخل في باب الزجر وأعون على تحقيق الردع. 

علانية إقامة الحد في الزنى، واشتراط طائفة من المؤمنين تشهد حد الزناة، تحقق أثر الحد اجتماعيا بالدرجة الأولى. ذلك أن الجلد لا يترك في المجلود أثرًا ظاهرًا واضح الدلالة على جريمته!

وهذا الأثر ضروري لتحقيق المغزى الاجتماعي للحد! أما الأثر النفسي بالجلد فيختلف بحسب طبيعة الأفراد ولكن اجتماع الجلد وهو إیلام بدني- إلى إعلان الحد تشهيرًا صامتًا بالزني، كفيل بأن يحقق الحد غايته كاملة! فمن يؤذيه الألم الحسي ولا- يؤذيه السقوط في نظر الجماعة يردعه الجلد. ومن يؤذيه أن يسقط في عين الجماعة وقد لا ينال منه الألم الحسي يردعه الإعلان. 

وفي حد السرقة، والسرقة من شروطها أن تكون خفية، وتخفي السارق من شأنه أن يجعله بعيدًا عن العيون وعن المراقبة، ويصعب الانتباه له والتصدي له، بخلاف المنتهب، والغاصب والمختلس!.

 طبيعة عمل السارق تجعله بعيد المنال لا تكاد تطوله يد المجتمع ومن هنا تضمن حد السرقة وسمة بعلانية بينة، لا يملك معها حيلة في الإخفاء أو التمويه! إنها بمثابة نشر صورته على الدنيا ومعها تحذير بأنه سارق، مع فارق. أن الصورة والاسم قد ينساهما الناس- أما اليد المقطوعة ومن موضع محدد، وبطريقة معينة، فهي علامة دائمة تلازم صاحبها، وتدمغه بالعار، وتفضحه أمام الأعين وتنبه له الغافل، ولا يملك لدفع عارها إلا أن يتوب. 

وشأن السارق ان يتعرض لمقاومة متى أحس به الناس، وسوف يحاول الإفلات مستخدمًا كل وسيلة تمكنه، ولو انه أيقن مسبقًا أنه لن يستطيع الإفلات متى تنبه له أحد ما أقدم!.

وقطع يده يعني تعطيل أداة رئيسية من أدوات الجريمة، وفقد اليد اليمني هو في الحقيقة تجريد من سلاح العدوان والمقاومة إذا انضاف إليه ما يحدث قطعها من تنبيه وتحذير، فقد عدت معاودة السرقة من المقطوع شبه مستحيلة، لا سبيل أمام سارق قطع- إلا أن يتوب ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ (المائدة: الآية ٣٩).

وفي حد القذف وإنها موازنة جد عادلة بين الجريمة وحدها!

قذف الإنسان دون بينه عدوان على سمعته ووضعه الاجتماعي، وإهدار لقيمة يحرص عليها بين الناس! هو هدم معنوي لمن يوجه إليه، والألم الذي يصيب المرء من جراء هذا الجرم نفسي بالغ، وأنت تستطيع أن تحكم على القذفة، بأنهم من لا يبالون ولا يحتاطون ولا يتصونون مما يمس حرمات الناس، فهم غالبًا من نوع تضعف لديه الضوابط الخلقية المعنوية الحاجزة!

ومن هنا اشتمل الحد على الجلد ثمانين، فهذا العقاب البدني هو ملائم تمامًا لهؤلاء الذين يلغون في أعراض الناس ويخدشون أعراضهم بهتانًا وزورًا! لا يمسكون عليهم ألسنتهم!

ولكن العقاب البدني عقاب وقتي لا يلبث أن تزول آثاره، بينما سوأة القذف تلاحق المقذوف بآلامها النفسية آمادًا طويلة، لهذا تضمن حد القذف عنصرًا يمثل الإيلام النفسي ويصم القاذف وصمة أخلاقية باقية تطارده إلى أن يتوب. ويتجلى هذا العنصر في إهدار أهليته للشهادة- عند التحقيق- وصف غير مباشر بأنه كذاب! فهو من جهة نفي لما كان من قذى لأن مصدره كاذب، ومن جهة عقاب معنوي يدمغ القاذف بوصمة الكذب، وأنت تستطيع أن تتخيل آثار اشتهار إنسان بالكذب في مجتمع يكون فيه الصدق قيمة حقيقية، يعيشها أصحابها خلقًا وسلوكًا، ويضبطون معاملاتهم وعلاقاتهم على أساس منها! 

بقي حد الحرابة، وحد الردة: أما حد الحرابة فقد بلغ التغليظ فيه مداه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ (المائدة:33) وبين التقتيل والتصليب، وتقطيع الأيدي والأرجل، والنفي، لا يصعب على المجتمع أن يصطنع العقوبة الملائمة من هذه مقدرة على قدر حال المحاربين وما ارتكبوه من إفساد وهي في كل حال كافية للردع الكامل!

 وحد الحرابة يغلب فيه الطابع الاجتماعي حتى ليكاد يعتبر حقًّا خالصًا للجماعة، وما يتخلل خروج البغاة أو المحاربين من عدوان على أفراد ينسحب عليهم وصف الحرابة الشامل لكل ما يأتونه من آثام!

 وقد رأينا نموذجًا تطبيقيًّا لحد الحرابة مع العكليين، ومدى ما اتسم التطبيق فيه من صرامة وحزم!.

إن الموقف هنا يتصل بأمن الجماعة كلها، وبهيئة سلطاتها وسلطاتها الشرعية، وأي تهاون أو تفريط يجر إلى عواقب لا تقف عند حد، ومن هنا رأينا التطبيق في هذا الباب اتسم- كالتشريع تمامًا- بحزم حازم، وتغليظ مغلظ إلى أقصى الآماد!

 فإذا جئنا إلى الردة وجدنا قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «من يترك دينه فاقتلوه»- يجعل الحد هو القتل!

وهنا مظنة سؤال لعل العصر بما يموج فيه من أخلاط الفكر يجعله أكثر إلحاحًا!

أليست قضية «الاعتقاد» مسألة شخصية تمامًا بحيث لا يحق التدخل فيها؟! وأليس القرآن نفسه يقرر ذلك المبدأ الذي نستند إليه عندما نتحدث عن سماحة الإسلام: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة:256)؟!

ونقول: بلى. جوابًا عن كل من السؤالين: ولكن هل ردة المرتد مسألة شخصية تمامًا لا تمس الجماعة التي كان يؤمن بدينها؟ وهل عقوبتها تتناقض مع مبدأ حرية العقيدة الذي تقرره الآية؟

فرق بين موقفين! موقف يرفض فيه صاحبه من البداية- وهو غير مسلم- أن يدخل في الإسلام وموقف يرتد فيه صاحبه عن الإسلام بعد أن دخل فيه!!

الموقف الأول يقر الإسلام صاحبه، ويحمي حقه الكامل في البقاء على حاله التي هو عليها بل وفي تغييرها إلى أي دين آخر يختاره غير الإسلام!

 وهنا يتجسد المبدأ العظيم ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ تجسيدًا لا شبهة فيه!

 وإقرار الإسلام لمثل هذا يحتسب له، ويشاد به من أجله!

أما الموقف الآخر فليس كذلك! لم يعد موقفًا شخصيًّا خالصًا، ولم يعد الأمر فيه قاصرًا في أثاره على صاحبه!

لقد دخل في الإسلام طوعًا! فلماذا ارتد عنه؟ إنه أبسط سؤال يترتب على ردته؟!

وهو سؤال ينطوي على كثير من التشكيك في الإسلام! وإلا ففيم دخل فيه راضيًا غير مكره ثم خرج منه؟!

ما أخرجه إلا اقتناع بعدم صلاحيته أو بأفضلية غيره عليه، فإذا كان المرتد ممن كانت لهم مكانة وموضع مرموق في الجماعة قويت الشبه واشتد التشكيك؟!

مثل المرتد في نظر الإسلام مثل من يترك وطنه وينحاز إلى وطن معاد، هي خيانة عظمى للجماعة التي ينتمي إليها! وقد قلنا أن الإسلام هو وطن المسلم الحقيقي وانتماؤه إنما هو إليه بالدرجة الأولى، فهل تغفر والأمم والشعوب لبنيها جريمة الخيانة العظمى؟ وهل يتسامح مجتمع معاصر مع من يتخذ موقفًا معاديًا من وطنه؟ 

يكفي الإسلام تسامحًا في هذا المقام أن يقرر حق المرتد في الاستتابة وفي حوار يكشف شبهته، وأنه لا يقتل ما بقيت له شبهة لم يجب عنها جوابًا شافيًا يقطع حجته أو تعلقه! لقد كان في فسحة من أمره: أن يبقى على دينه أو معتقده قبل أن يدخل في الإسلام مختارًا دون ما إكراه، أما وقد قبل باختياره الانتماء فقد أصبح مسئولًا- بحكم هذا الانتماء والاختيار عن الإخلاص والوفاء لهذا الدين ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (الزمر:14) إن الارتداد ثم الإصرار عليه بعد كشف الشبه التي يدعي إنها كانت سببًا فيه، وبعد إزالة كل الأسباب الداعية إليه لمما يشكك في صدق إسلام هذا المرتد، ويجعل الظن بنفاقه ومحاولته الكيد للإسلام بالتشكيك فيه أمرًا مقبولًا ومعقولًا. وتصبح الردة هنا رفعًا كاملًا لقناع النفاق، يضع صاحبه في وضع أشد على الإسلام- باعتبار نتائجه- من وضع المحاربين وأهل البغي، وقد قص علينا القرآن الكريم من مواقف أهل الكتاب ما يؤكد هذه المعاني، يقول تعالى: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ- (آل عمران- ٧).

على أن حد الردة يغلق بابًا خطيرًا في وجه من يريدون إفساد الإسلام من داخله أو التجسس عليه، وقد عانى الإسلام كثيرًا ممن تبطنوا الكفر والتحقوا بالإسلام.

وإذا سلم بحق المجتمع في قتل البغاة والمحاربين- وهم لم يعلنوا كفرًا ولا ردة- فحق المجتمع في قتل من فارق دينه وترك جماعته متبرئًا منها معلنًا عدوانه لها أظهر وأحق.

 ولا يجوز قياس الردة عن الإسلام خاصة بترك العقيدة أو تغييرها من شخص ينتمي لدين أو مجتمع غير دين الإسلام ومجتمعه.

فمجتمعات العالم اليوم إما مجتمعات ملحدة رسميًّا، وواقعًا وإما مجتمعات ملحدة واقعًا وإن ظلت ترفع شعار دين من الأديان كشكل رسمي، وفي هذه الأخيرة ينظر إلى قضية الدين على إنها مسألة شخصية تماما، وهو موقف متفرع على موقف آخر يعتبر أصلًا وهو الفصل بين الدين والدولة في تلك المجتمعات! 

في الإسلام لا فرق بين رفض نظام الدولة والخروج عليه وتحديه، وبين الردة عن الإسلام لأن نظام الدولة في مجتمع الإسلام جزء من الإسلام أو هو التطبيق الزمني للإسلام في ذلك المجتمع ورفض الإسلام بالردة يعني ضمنًا رفض النظام المنبثق منه، لأن الإسلام لا يفصل بين الدين والدولة ومسألة الإيمان بالدين ليست مسألة شخصية في الإسلام، وإنما هي مسألة فردية اجتماعية في آن واحد. ومن هنا لا يجوز السماح بالخيانة الوطنية وهي أعظم جريمة في منطق قوانين الأرض قاطبة!

- يقول النبي- صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة»- فتح الباري- ۱۲ ص ١٦٢، وفي مسلم التارك لدينه المفارق للجماعة.

إن قوله عليه الصلاة والسلام في وصف المرتد: «التارك لدينه، المفارق للجماعة» يكشف لك عن علة الحد وحكمته معًا فترك الدين بالردة علة الحكم وسبيه، وقوله «المفارق للجماعة» بيان للأثر المترتب على الردة وهو الخروج على الجماعة، والخروج على الجماعة هو علة أحد المحاربين وإن لم يرتدوا، فالمرتد مرة- لما هو أعظم من جريمة الحرابة. وقد عرفنا ما يجب فيها من حد هو أغلظ الحدود قاطبة!

نقل ابن حجر عن القرطبي قوله: «ظاهر قوله: المفارق للجماعة: أنه للتارك لدينه، لأنه إذا ارتد فارق جماعة المسلمين، غير أنه يلتحق به كل من خرج عن جماعة المسلمين وإن لم يرتد، كمن يمتنع من إقامة الحد عليه إذا وجب ويقاتل على ذلك كأهل البغي وكقطاع الطريق والمحاربين من الخوارج وغيرهم! قال: فيتناولهم لفظ المفارق للجماعة بطريق العموم، ثم قال: وتحقيقه! أن كل من فارق الجماعة ترك دينه. غير أن المرتد كله، والمفارق تغير ردة «كالمحارب» ترك بعضه.

والذي يعنينا من كل ذلك أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يكتف بقوله: «التارك لدينه» وهو كاف في تعريف المرتد، وإنما عقبه بهذه الصفة الكاشفة عن فحوى الردة وأثرها الاجتماعي وهو مفارقة الجماعة!

وكأنه أشار إلى أن الحد مراعيًا فيه هذا المعنى صيانة للجماعة عن التحلل ودفعًا لعوامل الهدم عنها ومن عجب أن دولًا ملحدة معاصرة تعتبر من يعود للإيمان بدين كان عليه خائنًا للحزب الحاكم رافضًا لفلسفته وتوقع عليه أقصى العقوبات عندها، ثم تنكر على مجتمع مؤمن حقه في حماية نفسه من عبث المتلاعبين بالدين، وخطر الخارجين على الجماعة!

 وبعد: فما هي الآثار والنتائج التي يحققها تطبيق الحدود وإلى أي مدى تسهم في استقرار المجتمع الإسلامي؟ 

لقد نثرنا هذه الآثار والنتائج في مظانها الطبيعية من هذا البحث الذي آثرنا أن نعالجه بمنهج شامل محققًا أكثر من سواه لخصائص يحرص الباحث الأمين على توافرها! 

فالشمول في النظر بحيث تأخذ الحدود مكانها الطبيعي في النظام الإسلامي العام.

ووضع الحدود في أطرها وسياقاتها التشريعية بحيث تبدو في صورتها الحقيقية وتكشف عن حكمها العظيمة التي أريدت من أجلها!

 وتحليل الحدود بحثًا عن دوافعها، وتجلية لنتائجها، وكشفًا لما يعترض به من شبه من لم يتعمقها، وربط الحدود بطبيعة الفطرة الإنسانية من جهة، وبالغاية الاجتماعية من جهة أخرى.. 

كل أولئك من العوامل التي جعلتنا نؤثر هذا المنهج، ونفضله على الاتجاه المباشر لآثار الحدود ونتائجها بحيث تسرد سردًا، وتعد واحدة أثر الأخرى، مقطوعة الصلة بما يكتنفها ويحيط بها من عوامل واعتبارات وحكم وأسرار يخفيها هذا السرد ويجففها، ويذهب بالكثير من مائها ذلك التجريد المنطقي الذي يحيلها إلى عبارات لفظية تخلو من ذلك الإشعاع الروحي الذي يضفيه عليها مكانها في النظام الإسلامي! 

وما دمنا قد بلغنا هذه الغاية التي قصدنا إليها، ووفينا النظر حقه من خلال المنهج الذي ارتضيناه فلا علينا الآن إلا أن نعود فنجمع المتفرق- ونلخص المبسوط، ونجمل المفصل، ونضع أمام القارئ صورة مركزة تتيح له أن يرى عيانًا ما يعود على مجتمع مسلم من تطبيق حدود الله على أرضه تطبيقًا يستلهم الروح الإسلامي الذي اجتهدنا في توجيه الأضواء نحوه، وبالتالي يحقق الثمار الطيبة المرجوة من هذا التطبيق.

 لقد رأينا أن الحدود في النظام الإسلامي تؤدي دورها في التمكين لهذا النظام على ثلاثة مستويات، كل منها يمهد للآخر ويكمله ويسانده! 

فالحدود بفلسفتها ونظامها، ومناهجها، وضوابطها، وكل ما يتصل بها مما يدخل في إطار الفكر والنظر متى دخلت حقل التربية الإسلامية والتوجيه الإسلامي للناشئة وأصبحت خيوطها أساسية في النسيج الذي تتكون منه عقولهم وضمائرهم، وتنفعل به وجداناتهم وعواطفهم، متى دخلت «الحدود» حقل التربية من هذا الوجه وأصبحت جزءًا من المناهج التعليمية لناشئة المسلمين، يتمثلونها وهم في سن غضة من البراءة وسلامة الفطرة فقد ركزنا بذلك في هذه النفوس المستجيبة للحق والخير بفطرتها أعظم ركيزة تتولد عنها حال نفسية خاصة يسد فيها الوازع المانع عن مفارقة هذه الآثام التي تدور الحدود عليها! 

إن هذا الذي تحققه «الحدود» تربويًّا وتوجيهًا، أعمق وأبعد في المنع عن جرائم الحدود وغيرها من إقامة شرطي على رأس كل مواطن يحول بينه وبين هذه الجرائم! 

فالضمير الذي يحوي ضمن مكوناته صورة كاملة للحدود بأبعادها الدينية والنفسية، والأخلاقية والاجتماعية هو حارس أكثر أمانة وصدقًا وقدرة على المنع من آية رقابة أو حراسة خارجية! ويكفي أنه بمنأى عن المساومة والتستر، والرشوة! 

الحدود في إطارها التربوي عاصم قوي يمنع جمهرة الناشئة حينما يصبحون رجالًا ونساء من مواقعة الحمى، لإنهم يحملون داخلهم جهاز الضمير الذي يقف بالمرصاد لمن يهم بمثل هذه الواقعة.

 والحدود حينما تصبح تشريعًا نافذًا يلتزم به الأفراد ويطبقه المجتمع، ويصبح من المعلوم بداهة أن من قتل قتل، وأن من زنى جلد أو رجم، وأن من قذف حد، وأن من شرب خمرًا جلد فيها، وأن من حارب قتل أو صلب إلخ، وأن من بدل دينه وفارق الجماعة فقد حكم على نفسه بالموت.

حينما يصبح الأمر كذلك، ويوقن أفراد من سائر هؤلاء، وتسد عليهم منافذ التفلت من الحد بالشفاعة أو المحسوبية أو بوضعهم فوق متناول التطبيق فقد أقام المجتمع سورًا منيعًا لا يفكر في اقتحامه إلا صنف من البشر شاذ التكوين أو شاذ الدوافع ولن يكونوا إلا قلة قليلة جدًّا بجانب الكثرة الكاثرة التي حصنتها التنشئة الأولى، وحجزها التشريع الصارم!

 ثم يأتي دور الحدود على مستوى ثالث على مستوى التنفيذ الفعلي على من أتى شيئًا من هذه القاذورات وانتفت الشبه الدارئة عنه! 

هنا يكون لإقامة الحد من الزجر والردع ما يعزز أثر التربية والتشريع الذي شرحناه كما يكون لإقامة الحدود من كسر شوكة الخارجين على النظام وعلى الأمن العام. وتقليص عددهم ما يجعل معدل الجريمة في مجتمع إسلامي بحق يميل أبدًا إلى الانخفاض ويجعل معدل انتشار الأمن يزيد ويرتفع بالمقابل! 

ثلاث آثار متكاملة متآزره: أثر تربوي خلقي، وأثر تشريعي تنظيمي وأثر تنفيذي عقابي. ما معنى انخفاض معدل الجريمة، وارتفاع معدل انتشار الأمن؟! 

هنا مجالان كبيران تنعكس عليهما نتائج هذا الأثر المباشر لتطبيق نظام الحدود على المستويات التي ذكرناها!

هذان المجالان هما:

مجال السلطة أو الدولة ومهامها في تنظيم المجتمع واستقراره! ومجال المجتمع ومناشطة في الحياة سعيًا وعملًا!

الرابط المختصر :