; المجتمع التربوي (العدد 1570) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1570)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003

مشاهدات 62

نشر في العدد 1570

نشر في الصفحة 54

السبت 27-سبتمبر-2003

وقفة تربوية

القلوب بيد الله تعالى

غالب الناس ينسون تمامًا أن القلوب - كل القلوب - بيد الله وحده، يقلبها كيف شاء ومتى شاء سبحانه، فيسعون لإرضاء العبد، ويستميتون من أجل ذلك، بالرغم من أن العبد لا يملك قلبه ولا قلب غیره، ضاربين في ذلك عرض الحائط برضا الله تعالى.. المالك للقلوب.

أما ملوك الآخرة، الذين أدركوا الهدف من الخلق، فجعلوا الدنيا معبرًا للآخرة، وتفانوا في عبادة الله، وسابقوا الزمن لئلا تضيع منه لحظة دون قربة إلى الله.

أما هؤلاء فقد اختصروا الطريق، ولم يتعبوا أنفسهم مع الناس، بل توجهوا لمالك القلوب مباشرة، فحفظوا حقه، فتكفل سبحانه وتعالى بحفظ حقوقهم عند الناس.

هكذا أدرك هؤلاء هذه المعادلة التي تغيب عن معظم الناس، ولخصها الإمام ابن الجوزي عندما قال: «العاقل من يحفظ جانب الله عز وجل وإن غضب الخلق وكل من يحفظ جانب المخلوقين، ويضيع حق الخالق يقلب الله قلب الذي قصد أن يرضيه فيسخطه عليه وعلى ضد هذا، كل من يراعي جانب الحق والصواب، يرضي عنه من سخط عليه» «صيد الخاطر 229، 230».

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

 

مدرسة للإخلاص.. لا يلتحق بها إلا المحبون ولا يواظب عليها إلا الصادقون

قيام الليل

محراب الخاشعين وروضة المستغفرين «1 من 2»

أحمد زهران (*)

zhranma74@gawab.com

 عشرون فضيلة في قيام الليل

قيام الليل شريعة ربانية، وسنة نبوية، ومدرسة تربوية، وهو روضة ندية، وسعادة روحية، وقوة جسمانية، وخلوة برب البرية، فيه دموع وعبرات، وآهات وزفرات وبه تتطلع القلوب إلى أعلى الجنات.

الليل محراب الخاشعين، وروضة المستغفرين، وأنس المحبين، ومطلب الراجين، ومنهل أهل التقوى أجمعين.

والليل أوقات، ولكل وقت درجات: «فوسط الليل للمحبين للخلوة بمناجاة حبيبهم، والسحر للمستغفرين من ذنوبهم، ووسط الليل خاص لخلوة الخواص، والسحرُ عام للجميع.. فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم، فلا يعجز عن مشاركة المستغفرين في استغفارهم واعتذارهم.. صحائف التائبين: خدودهم، ومدادهم: دموعهم». (1)

والليل مدرسة الإخلاص لا يلتحق بها إلا المحبون، ولا يواظب عليها إلا الصادقون، يقول أبو سليمان: «لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا».

قلت لليل كم بصدرك سر

                              أنبئني ما أروع الأسرار

قال ما أضاء في ظلامي سر

                             كدموع المنيب في الأسحار

لماذا قيام الليل؟

1- من أفضل القربات، يقول صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن». (2)

2 - شرف المؤمنين: يقول صلى الله عليه وسلم: «شرف المؤمن صلاته بالليل وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس». (3).

3- إذا قرن بالتسبيح، يُورث العبد الرضا، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ (طه: 130) .

4 - وهو سبب للفهم عن الله والتوفيق: قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (المزمل: 6)، يقول ابن كثير في تفسيره: «والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة.. أي أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار لأنه وقت انتشار الناس، وغط الأصوات وأوقات المعاش». (4)

5- وهو وقت إجابة الدعاء، وغفران الذنوب والفوز بعطايا الرحمن، يقول صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا - تبارك وتعالى - كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». (5)

6 – 10 - وهو دأب الصالحين، وقربى إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد، فقد جاء في الحديث الصحيح: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد». (6)

قال ابن الحاج: «وفي القيام من الفوائد أنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق الجاف من الشجرة، وينور القلب، ويُحسن الوجه وينشط البدن» (7).

11 - قيام الليل يكسو الحريصين عليه نورا ومهابة، يقول تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ (المزمل 38 - 39). وقيل للحسن: «ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فالبسهم من نوره» (8)، ويقول سعيد بن المسيب: «إن الرجل ليصلي بالليل فيجعل الله في وجهه نورًا يحبه عليه كل مسلم فيراه من لم يره قط فيقول: إني لأحب هذا الرجل» (9).

12- وهو من موجبات الرحمة، قال تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ﴾ (الزمر: 9)، وفي الحديث الصحيح: «رحم الله رجلًا قام من الليل وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء». (10)

13 - وقيام الليل أفضل صلاة بعد الفريضة، وهي صلاة مكتوبة مشهودة، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». (11)

وفي حديث عمرو بن عبسة عند أبي داود: «قلت یا رسول الله: أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت، فإن الصلاة فيه مكتوبة مشهودة»، والمراد من جوف الآخر هو الثلث الآخر - كما وردت به الأحاديث.

 14 - قيام الليل ينجي من النيران، ففي حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه: «فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال فلقيهما ملك فقال لى: لم ترع، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»، قال القرطبي: «حصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يُتقى به من النار، والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك». (12)

15 - والعبد يصيب من الخير في قيام الليل ما لا يُصيبه في غيره، قال محمد بن قيس: «بلغني أن العبد إذا قام من الليل للصلاة، تناثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه، وهبطت عليه الملائكة لتستمع إلى قراءته، واستمع له عُمار داره وسكان الهواء، فإذا فرغ من صلاته وجلس للدعاء، أحاطت به الملائكة تؤمن على دعائه، فإذا هو اضطجع بعد ذلك نودي: نم قرير العين مسرورًا، نم خير نائم على خير عمل». (13)

ويكفيك الحديث الشريف: «إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ أهله وصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات». (14)

ويقول ابن مسعود «رضي الله عنه»: «من قال في قيام الليل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله كان له من الأجر كألف ألف حسنة». (15)

16 - قيام الليل يورث سكن الغرف في أعالي الجنان، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة: 16 - 17).

وفي الحديث: «إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام». (16)

17 - قيام الليل يهون من طول القيام في عرصات القيامة، يقول عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - : «من أحب أن يهون الله عليه طول الوقوف يوم القيامة، فليره الله في ظلمة الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة».

 18 - قيام الليل مهر الحور العين، يقول أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري: «بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم، فإذا أنا بالحوراء، قد ركضتني برجلها، فقالت: يا حبيبي، أترقد عيناك، والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسًا لعين آثرت لذة النوم على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراق، ولقي المحبون بعضهم بعضًا، فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني، أترقد عيناك وأنا أربي لك في الخدور منذ كذا وكذا؟ فوثبتُ فَزعا، وقد عرفت استحياءً من توبيخها إياي، وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي». (17)

19 - قيام الليل سبب قوي من أسباب النصر على الأعداء، فلا ينتصر على الأعداء في ساحة القتال، إلا من انتصر على نفسه في ساحة المجاهدة، ولما هزم الروم أمام المسلمين قال هرقل لجنوده: ما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من علماء الروم: من أجل أنهم يقومون الليل!

20 - قيام الليل من أسباب حسن الخاتمة، فمن صفى صُفي له، ومن زرع حصد، ومن جد وجد، وإنما يكال للعبد كما كال، وانظر إلى المتهجدين كيف ماتوا وختم لهم بخير، وانظر إلى تهجد سالم مولى أبي حذيفة، وثابت بن قيس كيف استشهد؟ وعبد الله ذي البجادين المتهجد الأواه وحسن خاتمته، حتى قال ابن مسعود أمام قبره: «يا ليتني كنت صاحب القبر».

فهل بعد ذلك من فضل؟ وهل بعد ذلك من نعيم؟ فقم يا أخي، ولا تستوحش من قلة القائمين، وكسل المتكاسلين، قم فقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وظل قائمًا أكثر من ثلاثة وعشرين عاما، تقول السيدة عائشة «رضي الله عنها» لرجل: «لا تدع قيام الليل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان لا يدعه، وكان إذا مرض - أو قالت: كسل - صلى قاعدًا». (18)

أفتراه - بعد ذلك - يردك عن بابه، وما أيقظك سواه! قم إليه يا أخي، وابذل دموع الندم على أرض التوبة، وقل: نعم يا رب، أنا السائل فأعطني، وأنا المستغفر فاغفر لي، وأنا العاري فاكسني، وأنا الجائع فأطعمني، وأنا الضال فاهدني، وأنا الحائر فأرشدني، وأنا الفقير فأغنني، وأنا الذليل فأعزني، وأنا الضعيف فقوني.

أخي الحبيب: إن دقائق الليل غالية فلا تضيعها بالغفلة، رزقنا الله وإياك الإخلاص والعمل.

الهوامش

(1) لطائف المعارف «ص٤٩» بتصرف.

(2) صحيح أخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير «173».

 (3) حسن، أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي هريرة، انظر صحيح الجامع الصغير 3710، والسلسلة

الصحيحة 1903.

(4) تفسير ابن كثير ج4، ص 435، مكتبة التراث الإسلامي – القاهرة.

(5) رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد في سننه.

 (6) أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن.

 (7) مجلة التوحيد - العدد العاشر - السنة 31 ص 69.

(8) رهبان الليل 1/310.

(9) مجلة التوحيد، العدد العاشر - السنة 31 ص 69.

(10) أخرجه مسلم، انظر سبل السلام للصنعاني، ج2، ص 341.

(11) السابق، ص 342.

(12) تفسير القرطبي 10 / 235 ط دار الريان للتراث.

(13) رهبان الليل 1/526.

(14) صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.

(15) مجلة التوحيد، مصدر سابق، ص 71.

(16) حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 2123.

(17) رهبان الليل 1/431.

(18) أخرجه أبو داود.

(*) سكرتير تحرير مجلة الرسالة - القاهرة

وصف رائع لصلاة خاشعة من كتاب «حتى الملائكة تسأل»

مشاعر مرهفة وخواطر عميقة وروحانيات غامرة في أول صلاة

د. جيفري لانج

فيما يلي نص مقتبس عن كتاب «حتى الملائكة تسأل» لمؤلفه البروفسور جيفري لانج، وهو أستاذ مساعد للرياضيات في إحدى الجامعات الأمريكية، والكتاب فريد من نوعه يتراوح بين لحظات روحانية غامرة كالتي نراها هنا، وبين أفكار فلسفية عميقة في أماكن أخرى، وبين حلول عملية تلزمنا جميعًا، ورغم أن المؤلف مقل غير غزير الإنتاج، إلا أنه بكتابه هذا ينضم إلى جيل نادر من الكتاب المسلمين الغربيين، كمحمد أسد وكتابه الشهير الطريق إلى مكة، ومراد هوفمان وكتبه: ومنها الإسلام كبديل، ويوميات مسلم ألماني، وعلي عزت بيجوفيتش وكتابه: الإسلام بين الشرق والغرب. حق لنا أن نتعلم منهم كثيرًا مما يفيدنا في تجديد حياتنا ومراجعة مواقفنا من كثير من القضايا المهمة في ديننا، أما هذا المقطع الذي أمامنا، فيسمو بالقارئ إلى معانٍ روحية ثمينة، فقدنا كثيرًا منها عندما صارت العبادة عادة وفقدت معناها الذي فرضت لأجله، فعادت حركات آلية لا طعم لها لون ولا رائحة. فلنقرأ، ولنتأمل في معنی السجود:

«في اليوم الذي اعتنقت فيه الإسلام، قدم إليَّ إمام المسجد كتيبًا يشرح كيفية أداء الصلاة، غير أني فوجئت بما رأيته من قلق الطلاب المسلمين، فقد ألحوا عليَّ بعبارات مثل: خذ راحتك، لا تضغط على نفسك كثيرًا، من الأفضل أن تأخذ وقتك، ببطء.. شيئًا فشيئًا.

وتساءلت في نفسي: هل الصلاة صعبة إلى هذا الحد؟

لكنني تجاهلت نصائح الطلاب، فقررت أن أبدأ فورًا بأداء الصلوات الخمس في أوقاتها.

وفي تلك الليلة، أمضيت وقتًا طويلًا جالسًا على الأريكة في غرفتي الصغيرة بإضاءتها الخافتة، حيث كنت أدرس حركات الصلاة وأكررها، وكذلك الآيات القرآنية التي سأتلوها، والأدعية الواجب قراءتها في الصلاة، وبما أن معظم ما كنت سأتلوه كان باللغة العربية، فقد لزمني حفظ النصوص بلفظها العربي، وبمعانيها باللغة الإنجليزية، وتفحصت الكتيب ساعات عدة، قبل أن أجد في نفسي الثقة الكافية لتجربة الصلاة الأولى، وكان الوقت قد قارب منتصف الليل، لذلك قررت أن أصلي صلاة العشاء، دخلت الحمام ووضعت الكتيب على طرف المغسلة مفتوحًا على الصفحة التي تشرح الوضوء، وتتبعت التعليمات الواردة فيه خطوة خطوة، بتأنٍ ودقة، مثل طاهٍ يجرب وصفة لأول مرة في المطبخ.

وعندما انتهيت من الوضوء، أغلقت الصنبور وعدت إلى الغرفة والماء يقطر من أطرافي، إذ تقول تعليمات الكتيب إنه من المستحب ألا يجفف المتوضئ نفسه بعد الوضوء، ووقفت في منتصف الغرفة متوجهًا إلى ما كنت أحسبه اتجاه القبلة، نظرت إلى الخلف لأتأكد من أنني أغلقت باب شقتي، ثم توجهت إلى الأمام، واعتدلت في وقفتي، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت يدي براحتين مفتوحتين، ملامسًا شحمتي الأذنين بإبهامي، ثم بعد ذلك، قلت بصوت خافت: الله أكبر.

كنت آمل ألا يسمعني أحد، فقد كنت أشعر بشيء من الانفعال، إذ لم أستطع التخلص من قلقي من كون أحد يتجسس علي، وفجأة أدركت أنني تركت الستائر مفتوحة.

وتساءلت: ماذا لو رآني أحد الجيران؟

تركت ما كنتُ فيه، وتوجهت إلى النافذة، ثم جلت بنظري في الخارج لأتأكد من عدم وجود أحد. وعندما رأيت الباحة الخلفية خالية أحسست بالارتياح فأغلقت الستائر، وعدت إلى منتصف الغرفة.

ومرة أخرى، توجهت إلى القبلة، واعتدلت في وقفتي ورفعت يدي إلى أن لامس الإبهامان شحمتي أذني ثم همست الله أكبر.

وبصوت خافت لا يكاد يُسمع، قرأت فاتحة الكتاب ببطء وتلعثم، ثم أتبعتها بسورة قصيرة باللغة العربية، وإن كنت أظن أن أي عربي لم يكن ليفهم شيئًا لو سمع تلاوتي تلك الليلة! ثم بعد ذلك تلفظتُ بالتكبير مرة أخرى بصوت خافت، وانحنيت راكعًا حتى صار ظهري متعامدًا مع ساقي، واضعًا كفي على ركبتي وشعرت بالإحراج، إذ لم أنحن لأحد في حياتي، ولذلك فقد سررت لأنني وحدي في الغرفة.

وبينما كنت لا أزال راكعًا، كررت عبارة سبحان ربي العظيم عدة مرات، ثم اعتدلت واقفًا وأنا أقرأ: سمع الله لمن حمده، ثم: ربنا ولك الحمد، أحسست بقلبي يخفق بشدة، وتزايد انفعالي عندما كبرت مرة أخرى بخضوع، فقد حان وقت السجود، وتجمدت في مكاني، بينما كنت أحدق في البقعة التي أمامي، حيث كان علي أن أهوي إليها على أطرافي الأربعة وأضع وجهي على الأرض، لم أستطع أن أفعل ذلك، لم أستطع أن أنزل بنفسي إلى الأرض، لم أستطع أن أذل نفسي بوضع أنفي على الأرض، شأن العبد الذي يتذلل أمام سيده، لقد خيل لي أن ساقي مقيدتان لا تقدران على الانثناء، لقد أحسست بكثير من العار والخزي وتخيلت ضحكات أصدقائي ومعارفي وقهقهاتهم، وهم يراقبونني وأنا أجعل من نفسي مغفلًا أمامهم، وتخيلت كم سأكون مثيرًا للشفقة والسخرية بينهم، وكدت أسمعهم يقولون: مسكين جف، فقد أصابه العرب بمس في سان فرانسيسكو، أليس كذلك؟

 وأخذت أدعو: أرجوك، أرجوك أعني على هذا.

أخذت نفسًا عميقًا، وأرغمت نفسي على النزول.. الآن صرت على أربعتي، ثم ترددت لحظات قليلة، وبعد ذلك ضغطت وجهي على السجادة، أفرغت ذهني من كل الأفكار، وتلفظت ثلاث مرات بعبارة سبحان ربي الأعلى.

الله أكبر، قلتها، ورفعت من السجود جالسًا على عقبي، وأبقيت ذهني فارغًا، رافضًا السماح لأي شيء أن يصرف انتباهي.

الله أكبر، ووضعت وجهي على الأرض مرة أخرى.

وبينما كان أنفي يلامس الأرض، رحت أكرر عبارة سبحان ربي الأعلى بصورة آلية، فقد كنت مصممًا على إنهاء هذا الأمر مهما كلفني ذلك.

 الله أكبر، وانتصبت واقفًا، فيما قلت لنفسي: لا تزال هناك ثلاث جولات أمامي.

وصارعت عواطفي وكبريائي فيما تبقى لي من الصلاة، لكن الأمر صار أهون في كل شوط، حتى إنني كنت في سكينة شبه كاملة في آخر سجدة، ثم قرأت التشهد في الجلوس الأخير، وأخيرًا سلمت عن يميني وشمالي.

 وبينما بلغ بي الإعياء مبلغه، بقيت جالسًا على الأرض، وأخذت أراجع المعركة التي مررت بها، لقد أحسست بالإحراج لأنني عاركت نفسي كل ذلك العراك في سبيل أداء الصلاة إلى آخرها، ودعوت برأس منخفض خجلًا: اغفر لي تكبري وغبائي، فقد أتيت من مكان بعيد، ولا يزال أمامي سبيل طويل لأقطعه.

وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء لم أجربه من قبل، ولذلك يصعب عليَّ وصفه بالكلمات.

فقد اجتاحتني موجة لا استطيع أن أصفها إلا بأنها كالبرودة، وبدا لي أنها تشع من نقطة ما في صدري، وكانت موجة عارمة فوجئت بها في البداية، حتى أنني أذكر أنني كنت أرتعش، غير أنها كانت أكثر من مجرد شعور جسدي، فقد أثرت في عواطفي بطريقة غريبة أيضًا. لقد بدا كأن الرحمة قد تجسدت في صورة محسوسة وأخذت تغلفني وتتغلغل فيَّ، ثم بدأت بالبكاء من غير أن أعرف السبب، فقد أخذت الدموع تنهمر على وجهي ووجدت نفسي أنتحب بشدة، وكلما ازداد بكائي، ازداد إحساسي بأن قوة خارقة من اللطف والرحمة تحتضنني، ولم أكن أبكي بدافع من الشعور بالذنب، رغم أنه يجدر بي ذلك، ولا بدافع من الخزي أو السرور، لقد بدا كأن سدًا قد انفتح مطلقًا عنان مخزون عظيم من الخوف والغضب بداخلي.

 وبينما أنا أكتب هذه السطور، لا يسعني إلا أن أتساءل عما لو كانت مغفرة الله عز وجل لا تتضمن مجرد العفو عن الذنوب، بل وكذلك الشفاء والسكينة أيضًا.

ظللت لبعض الوقت جالسًا على ركبتي، منحنيًا إلى الأرض، منتحبًا ورأسي بين كفي.

وعندما توقفت عن البكاء أخيرًا، كنت قد بلغت الغاية في الإرهاق، فقد كانت تلك التجربة جارفة وغير مألوفة إلى حد لم يسمح لي حينئذ أن أبحث عن تفسيرات عقلانية لها. وقد رأيت حينها أن هذه التجربة أغرب من أن أستطيع إخبار أحد بها، أما أهم ما أدركته في ذلك الوقت فهو أنني في حاجة ماسة إلى الله، وإلى الصلاة.

وقبل أن أقوم من مكاني، دعوت بهذا الدعاء الأخير: «اللهم إذا تجرأت على الكفر بك مرة أخرى، فاقتلني قبل ذلك، خلصني من هذه الحياة، من الصعب جدًا أن أحيا بكل ما عندي من النواقص والعيوب، لكنني لا أستطيع أن أعيش يومًا واحدًا آخر وأنا أنكر وجودك».

دعائم النهضة ومعالم النصر: حجم التحديات

محمد معجوز

إن حجم التحديات التي يواجهها الإسلام في عصرنا الحاضر والمخططات التي ترسم لتدمير هذا الدين؛ لا يخفى على أحد ذي فطنة، وفي ظل معركة الهوية ومحاولات طمسها ومعركة العقيدة ومحاولات إفسادها، تتضافر التحديات معًا من أجل فرض واقع جديد علينا محليًا وإقليميًا ودوليًا.

واقع تختفي فيه الهوية الإسلامية من شخصيتنا وتكاد تنمحي خصائصنا على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، واقع تتوارى فيه خصائص المسلم المؤمن المحسن المجاهد وتظهر فيه خصائص الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت، واقع تنتكس فيه الفطرة وتختفي فيه الأخلاق الأساسية اللازمة لبناء الحضارات والقيم التي تؤهل لاستعادة الأمجاد مثل الصدق والأمانة والوفاء والمروءة والشجاعة وإتقان العمل والنظام والنظافة والرأفة والرحمة والعدل.

إن أول وأخطر وأهم هذه المخططات التي تواجهنا.. محاولات تمرير المشروع الغربي الصهيوني ومساعدته بالتطبيع للهيمنة على مقدرات الأمة، فهو المشروع المناوئ للمشروع الإسلامي على الصعيد العالمي والإقليمي والمحلي، وهو المشروع الذي يتاح له توظيف المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كافة في لب الصراع وجوهر المعركة.

هذا المشروع المناوئ موجود فعلًا على أرض الواقع ولكنه يفتقر إلى أسباب النجاح، وإن استطاع مؤقتًا أن يلفت الأنظار أو يخلب الألباب، ومن ثم فالتغيير الذي يمكن أن يحدث على أرض الواقع هو نتاج ومحصلة أداء القوى الإسلامية التي تحمل مشروع التغيير، تلك سنة من سنن الله، وقانون من قوانين الحياة التي خلقها الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ (الرعد: 17).

والتحدي العالمي الآخر الذي يواجه الدعاة يبدو في محاولات إضعاف دورهم القيادي للحركة الإسلامية العالمية وريادتهم لها.

هذا التحدي نابع من إدراك أصحاب المشروع الغربي الصهيوني لمسار حركة المفهوم التاريخ، ويقينهم بالتصاقها مع الإسلامي للعالمية، فرسالة الإسلام للناس كافة، لذا فإن الدنيا صائرة لا محالة إلى تجمع الأمم وتكتل الأجناس والشعوب وتداخل الضعفاء بعضهم في بعض ليكتسبوا بهذا التداخل قوة وانضمام المفترقين ليجدوا في هذا الانضمام علاجًا لوحشة الوحدة، وكل ذلك ممهد لسيادة الفكرة العالمية وحلولها محل الفكرة الشعوبية القومية التي آمن بها الناس من قبل، وكان لا بد أن يؤمنوا هذا الإيمان لتتجمع الخلايا الأصلية ثم كان لا بد أن يتخلوا عنها لتتآلف المجموعات الكبيرة ولتتحقق بهذا التآلف الوحدة الأخيرة، وهي خطوات إن أبطأ بها الزمن فلا بد أن تكون وحسبنا أن نتخذ منها هدفًا وأن نضعها نصب أعيننا مثلًا وأن نقيم في هذا البناء الإنساني لبنته، وليس علينا أن يتم البناء، فلكل أجل كتاب.

وعلى الصعيد المحلي فإن الدعاة إلى الله يواجهون جهودًا مضنية لإقصائهم عن الواجهات العامة كافة بما في ذلك المساجد التي تمثل بعض شرايين الالتحام الحيوي بهذه الشعوب الفقيرة، هذه المساجد التي تغذي الحركة الإسلامية على مر العصور بحملة النور الرباني، وهي المنابر التي تصل من خلالها كلمة الحق إلى الناس.

ويحرص كثير من الأنظمة على تغييب الدعاة من الصورة العامة - مع أنها عرفت بين الناس بالبذل والعطاء والخدمة العامة والطهارة والنقاء، والمبادرة إلى الخير والاعتدال والرفق بالناس ونبذ العنف - تلك الصفات التي تعوق إلى حد كبير نجاح حملات التشويه الإعلامية المنظمة ومحاولات تلفيق التهم للدعاة والعاملين المخلصين للإسلام وإثارة الشبهات من حولهم.

وبرغم ضخامة هذه التحديات إلا أنها متوقعة وطبيعية.. إنها تطبيق معاصر لمقولة ورقة بن نوفل التي تنطبق على كل من يحمل رسالة الحق.. إن محاولات إخراج المسلمين الصادقين من ساحة التأثير إلى ساحة الإخراج.. وهي مناظرة لما قرره ورقة بن نوفل في مقولته: «قال ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه الناموس الذي نزل على موسى وليتني أكون معك جذعًا حين يخرجك قومك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي؟ قال ورقة: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا وعُودي».

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 73

111

الثلاثاء 17-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 73)

نشر في العدد 82

140

الثلاثاء 19-أكتوبر-1971

في ظلال شهر الصوم

نشر في العدد 247

101

الثلاثاء 29-أبريل-1975

ألا سَحقاً للمثبطين