العنوان بعد قرار التأجيل لمدة عامين جراء القلق من صعود الإخوان.. انتخابات المجالس المحلية.. بين الخوف والنفاق الديمقراطي
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 04-مارس-2006
مشاهدات 55
نشر في العدد 1691
نشر في الصفحة 28
السبت 04-مارس-2006
مصلحة الحزب الحاكم تفرض أن يبقى وضع المحليات كما هو حتى لا يأخذ المستقلون فرصة لمنافسة مرشحه في انتخابات الرئاسة القادمة.
استياء واشنطن من تأجيل الانتخابات تصاحبه ضغوط لتحقيق مصالح إقليمية
كل المؤشرات كانت تشير إلى احتمال تأجيل السلطات المصرية انتخابات المجالس المحلية لمدة عام، مثلما حدث في مرات سابقة، وذلك لدراسة أسباب خسارة الحزب الحاكم في الانتخابات البرلمانية، وحصوله على قرابة ٣٥ % فقط من المقاعد، قبل أن يضم المستقلين ويسيطر على ثلثي مقاعد البرلمان، إلا أن الحكومة فاجأت البرلمان بقانون لتأجيل الانتخابات عامين كاملين، بحيث تجرى في أبريل ۲۰۰۸م.
لقد أشار المراقبون إلى أن السبب الحقيقي وراء التأجيل هو التخوف من فوز الإخوان بنسبة كبيرة من مقاعد المحليات، بعدما فازوا بقرابة 20% من مقاعد برلمان ٢٠٠٦ لأول مرة في تاريخهم، خصوصًا في ظل حالة التراجع الكبير والعزوف الشعبي عن كافة الأحزاب خاصة الحزب الوطني الحاكم، حيث قدمت الحكومة مبررًا قانونيًا للتأجيل يتمثل فيما قاله د. مفيد شهاب وزير الشئون القانونية من أن التأجيل هدفه تحقيق إصلاح حقيقي للمجالس المحلية، وسن قانون جديد للمحليات واللامركزية يتوافق مع البرنامج الإصلاحي الذي طرحه الرئيس مبارك.
وقد انتقد حقوقيون ومنظمات حقوقية مصرية هذا التأجيل واعتبروه مخالفا للدستور: الذي ينص على مدة محددة للمجالس المحلية، كما أن التعديل يجعل مسئولي المحليات هم وربما المنتهية مدتهم يستمرون في مناصبهم، وربما يشاركون في أي انتخاب الرئيس الجمهورية المقبل، مما يثير مشكلات قانونية في مسألة انتخاب هذا الرئيس كما انتقدته الولايات المتحدة الأمريكية رسميًا واعتبرته تراجع عن الإصلاحات في مصر.
ويؤكد المحللون أن التأجيل يستهدف عدة أمور تصب في مجملها في السعي لوقف تمدد جماعة الإخوان المسلمين في مصر على النحو التالي: إجراء الانتخابات في موعدها في أبريل ٢٠٠٦ كان سيعني خسارة مؤكدة للأحزاب المصرية بما فيها الحزب الحاكم، بعدما أظهر تصويت الشعب رغبة في انتخاب التيار الإسلامي.
فوز الإخوان في هذه الانتخابات ولو بعدد معقول من المقاعد يقدر ب 5% «3230 مقعدًا »، يعني تغلب الإخوان على العقبة الثانية لترشيح أحد منهم كمستقل لمنصب رئيس الجمهورية « وفق المادة ٧٦ من الدستور»، بعدما وفر لهم الفوز بـ ۸۸ مقعدًا في انتخابات البرلمان الأخيرة أكثر من نسبة ٥ % المطلوبة في البرلمان «٦٥ مقعدًا»، وبالتالي لن يكون متبقيًا لهم سوى ٢٥ مقعدًا في مجلس الشورى « ٣٦٤ مقعدًا »، لضمان ترشيح مرشح مستقل لهم، وتهديد مرشح الحزب الوطني الحاكم الذي لا تزال الشائعات ترشح نجل الرئيس مبارك «جمال» لخلافته مستقبلًا.
اتباع مصر للنصيحة الأمريكية بعدم تأجيل الانتخابات المحلية المصرية ربما كان سيؤدي إلى تكرار ما حدث في فلسطين
- أكد قياديون في الحزب الوطني الحاكم أن الحزب يعاني من حالة ضعف، ويحتاج إلى فترة إعادة بناء لتدارك حالة الضعف والعزوف الجماهيري عنه في الانتخابات الأخيرة.
جاء مشروع القانون - الذي أحالته الحكومة بصورة مفاجئة لتأجيل المحليات - لمدة سنتين بدلًا من عام من أجل التفرغ لانتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى التي ستجرى العام القادم ٢٠٠٧، وهو ما يصعب على السلطات الأمنية والقضائية تولي مسئولية الإشراف على معركتين انتخابيتين في وقت واحد.
كسب الوقت ومن اللافت أنه رغم إعلان جماعة الاخوان رسميًا أنها لا تنوي الترشح في انتخابات الرئاسة المقبلة بمرشح مستقل، فقد أكد الدكتور محمد حبيب - النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين - أن قرار تأجيل انتخابات المحليات عامين كاملين، رغم أنه محاولة من الحزب الوطني لاكتساب الوقت لترتيب بيته من الداخل بعد خسارته الكبيرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلا أن له علاقة قوية بانتخابات الرئاسة المقبلة.
ويشرح ذلك قائلًا: « تعيين جمال في منصب الأمين العام المساعد للحزب الوطني الحاكم - ورغم نفي جمال مبارك نيته في الترشح للرئاسة - يؤكد أن الحزب يسير بخطوات ثابتة وواضحة في مسيرة خطة توريث الحكم لجمال، أيضًا التعديل المعيب للمادة ٧٦ من الدستور وشروطه التعجيزية التي تمنع المستقلين من الترشيح لمنصب الرئاسة، جعل مرشح الوطني فقط هو اللاعب الوحيد في تلك الانتخابات التي دائمًا ما أراها استفتاء مقنعًا، وبالتالي لو حدثت أي تغييرات في شكل الانتخابات المحلية لصالح الإخوان المسلمون، وحدثت التركيبة نفسها في مجلس الشورى، بالإضافة إلى فوزهم «الإخوان» في الانتخابات البرلمانية ستتاح الفرصة إذن للمستقلين للترشيح لانتخابات الرئاسة المقبلة، وبالتالي ستضيع الفرصة على جمال مبارك .. ومن ثم فإن مصلحة الحزب الوطني الحاكم تفرض يبقي وضع المحليات كما هو عليه حتى لا يأخذ المستقلون فرصة لمنافسة مرشح الوطني الوحيد جمال مبارك.
كما يرى د. حبيب أن المناخ العام المحلي والدولي يصب في صالح الإخوان المسلمين بعد الفوز الكبير الذي حققه الإخوان في مصر وحماس في فلسطين.
نفاق ديمقراطي: وكان من اللافت أن الولايات المتحدة التي صمتت منذ فوز الإخوان بنسبة كبيرة من مقاعد البرلمان المصري ولم تستمر في حملتها على الحكومة المصرية عادت لتعلن - عقب تأجيل المحليات المصرية - استياءها من قرار الرئيس مبارك إرجاء الانتخابات المحلية المصرية سنتين، ولتقول على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية شون ماكورماك أن الحكومات ملتزمة بتفسير تحركاتها أمام شعوبها، وأن بلاده لا تؤيد تأجيل انتخابات، وأن هذه القضية «سنناقشها مع الحكومة المصرية»!.
والأكثر غرابة أن هذا التدخل الأمريكي الجديد في الشئون الداخلية المصرية، ونقد التراجع عن الديمقراطية تزامن مع سلسلة زیارات بدأ القيام بها لمصر عدة مسؤولين أمريكان مثل مدير المخابرات الأمريكية وستيفن راديمكر مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون التسلح والحد من الانتشار والأمن الدولي وأخيرًا وزيرة الخارجية كونداليزا رايس لبحث موضوعات إقليمية مثل حشد الضغط العربي على البرنامج النووي الإيراني، وما بعد صعود حماس للسلطة، مما يعيد تأكيد فكرة أن المطالب الأمريكية بالإصلاح الداخلي غرضها الضغط لتحقيق مصالح إقليمية للأمريكان في المنطقة .