العنوان يرحمك الله يا زينب الغزالي.. الفضيلة التي فضحت ألف رذيلة
الكاتب وليد أحمد فتيحي
تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1666
نشر في الصفحة 46
السبت 27-أغسطس-2005
كنت في العاشرة من عمري آنذاك، تعرفت عليها من خلال الكتاب الذي روى قصة تعذيبها في سجون الطاغية عبد الناصر وزبانيته، وهم يتفننون في استحداث وابتكار أبشع صور التعذيب، من ضرب مبرح وجلد وتجويع ومواجهة كلاب متوحشة شرسة جائعة تنهش جسد فتاة في مقتبل عمرها، وصور أخرى كثيرة من صور التعذيب التي لا يسعني التفصيل فيها في مثل هذا المقام لبشاعتها وعظم جرمها، وللقارئ الكريم أن يراجع كتاب أيام من حياتي... فما كتب فيه من تفصيل لأنواع التعذيب التي مورست على هذه الفتاة الشابة المسلمة يتعدى خيال القارئ الكريم.
كنت في العاشرة من عمري آنذاك، وأنا أقرأ صفحة سوداء في تاريخ زبانية الطاغية وأقف على تلك الحقبة من الزمن وكلي عجب.. أيعقل أن يفعل مسلم كل هذا بمسلم؟!.. بل قل: أيعقل أن يفعل بشر كل هذا ببشر؟!.. بل قل: أيعقل أن يفعل رجال حكم مثل هذا بابنة جلدتهم؟!.. فهي شابة في مقتبل عمرها لم ترتكب أي جرم ولكنها أرادت أن تعلي كلمة لا إله إلا الله في الحياة وأن تطالب بإعادة حق الألوهية للإله الواحد الحق دون غيره ممن ألهوا أنفسهم على عباد الله، وكان سلاحها الوحيد هو لسانها وحجة بيانها، ولكن كلماتها الحقة كانت أكبر من أن يقبلها الطاغية فأمر وسلط زبانيته فكان ما كان.
وتمر الأيام ويموت الطاغية ويموت الكثير من زبانيته وتبقى الشابة المسلمة زينب الغزالي آية وعبرة لمن يعتبر وتصديقًا وإحياء لحديث رسول الله ﷺ مع ابن عباس وقد كان آنذاك غلامًا يركب خلف رسول الله ﷺ: «يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
عقود من الزمن مرت منذ أن مر الطاغية وزبانيته، وعقود متتابعة وزينب الغزالي تعيش على أرض الله وقد عجز الطاغية وزبانيته أن يكسروا شوكة زينب الغزالي الفتاة الشابة أو يزعزعوا فيها الإيمان بخالقها وإلهها ورسالتها ودعوتها يا لسخرية الحياة بكل من لا يفهم سر وجودها، يملك القوة فيها من يملك فقط ليثبت أنه لا يملك من القوة شيئًا وأن القوة من قبل ومن بعد لله رب العالمين.
بل وقد يجسد الله أصدق صور الضعف من بعد تجسيد أصدق صور القوة ليدرك كل من ابتلي بأي الصورتين أن الأمر إلى زوال، فالله يخلق من بعد قوة ضعفًا ومن بعد ضعف قوة ويفعل الله ما يريد.
كنت في العاشرة من عمري عندما قرأت قصتها ومرت ثلاثة عقود وروح كفاحها وعزيمتها وتصميمها وإيمانها حية في قلبي، وانني لأتحسر اليوم أنني لم أكلف نفسي عناء السفر إليها لرؤيتها والاستماع إلى قصتها بأذني، فأمثالها آيات تركها الله في الأرض لتكون كتابًا يقرؤه الناس، حروفه لم يسطرها قلم كاتب وإنما أعمال لها أرواح وجدت على الأرض لتثبت وجود العقل الروحي في الإنسان، ومدادها ليس من حبر الأرض وإنما نفحة من خالق الإنسان.
ماتت زينب الغزالي لكن قصة إيمانها ونضالها حية في قلوب كل من شاطرها الإيمان بقضية صبغ الحياة بصبغة السماء وإعادة حقوق السماء إلى الإله الواحد ورد حقوق العباد إلى من قضى رب العباد لهم بتلك الحقوق شرعًا ودينًا.
رحمة الله عليك يا زينب الغزالي، فقد صبغت الحياة بروح السماء، وكنت بمثابة المعنى الذي صحح مائة ألف معنى، والفضيلة التي فضحت مائة ألف رذيلة، والحق الذي أزهق مائة ألف باطل، وكنت شاهدة على عصرك ومكنت لك الدعوة من معانيها بمقدار ما مكنت لها في همك.
رحمة الله عليك يا زينب الغزالي، فقد كنت عزيمة الأمة عندما حاول الطاغية أن يهد عزيمتها، وكنت ضمير الأمة عندما بيعت الضمائر، وكنت كلمة الحق التي أبت أن تنحني كما انحنت أعناق كثير من الرجال تحت وقع السياط في السجون وتحت رهبة أبشع أنواع التعذيب والتنكيل والإيذاء.
يقول الرافعي في مقال له بعنوان وحي القبور: «في الحياة الدنيا يكون الإنسان ذاتًا تعمل أعمالها. فإذا انتهت الحياة انقلبت أعمال الإنسان ذاتًا يخلد هو فيها، فهو من الخير خالد في الخير ومن الشر هو خالد في الشر، فكأن الموت إن هو إلا ميلاد للروح من أعمالها، تولد مرتين آتية وراجعة... القبر على الأرض كلمة مكتوبة في الأرض إلى آخر الدنيا معناها أن الإنسان حي في قانون نهايته، فلينظر كيف ينتهي».
كتبك الله في الشهداء وأحياك في أعالي جنانه، كما أحييت هذا الدين بسيرة كفاحك وعزيمتك والاستعلاء على معاني التراب الأرضي.
إن من أولياء الله من يمرون على الأرض مرور الكرام، فإذا تركوا هذه الأرض احتفت بهم السماء بما يليق بهم واحتفى بهم مليكهم ومصدر إشراق نفوسهم بما هو أهل له سبحانه، وأهل الأرض في غفلة عن هذا الاحتفاء...
رحمة الله عليك يا زينب الغزالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل