; استحقاقات مرحلة ما بعد الانتخابات في تركيا | مجلة المجتمع

العنوان استحقاقات مرحلة ما بعد الانتخابات في تركيا

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-2015

مشاهدات 84

نشر في العدد 2090

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 01-ديسمبر-2015

  • الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية ملفات شائكة على رأس أولويات العدالة والتنمية
  • العدالة والتنمية بانتظار اقتناص الفرص لتحقيق دستور جديد ينهض بتركيا ويبعد التدخلات الخارجية
  • الأزمة السورية.. انعكاسات على السياسة الإقليمية التركية
  • مرحلة جديدة للعدالة والتنمية عازمة على مواجهة الأزمات الداخلية

بعد فترة انتقالية صعبة شهدت عدم استقرار سياسي وتراجعات اقتصادية وتوترات أمنية، عادت تركيا مرة أخرى بعد انتخابات الأول من نوفمبر 2015م إلى حكومة مستقرة من حزب واحد كما تعودت منذ عام 2002م (يتوقع أن يتم الإعلان عنها قبل صدور هذا العدد من المجلة)، وهو ما يعني أن مرحلة جديدة ومختلفة تماماً قد بدأت في البلاد، حاملة معها همومها وملفاتها واستحقاقاتها.

تبدو أولويات الحكومة الجديدة - ومن خلفها حزب العدالة والتنمية - واضحة في ثنايا تصريحات السياسيين ومواقفهم حتى قبل تشكيلها، فقد شكل الحزب لجنة خاصة لمتابعة ملف تنفيذ الحكومة الوشيكة لتعهدات العدالة والتنمية خلال الحملة الانتخابية، وخاصة تلك المتعلقة بحياة المواطن اليومية.

الملف الاقتصادي

فقد قدم الحزب ما أسماه تعهدات - وليس مجرد وعود - واضحة ضمنت له الكثير من الأصوات في الجولة الانتخابية الأخيرة، شملت رفع الحد الأدنى للأجور، ومكافآت نهاية الخدمة، ومكافحة البطالة وغيرها، وتريد الحكومة من ذلك مواجهة الأزمة الاقتصادية المتأثرة بالفترة السابقة وتجلياتها السياسية والأمنية من جهة، وترسيخ رسالة الإنصات للمواطن والصدق معه من جهة أخرى.

ورغم وجود العديد من العقبات الداخلية مثل التصعيد العسكري المستمر مع حزب العمال الكردستاني، والخارجية مثل الأزمة السورية والأزمة الاقتصادية اليونانية، فإن العدالة والتنمية يبدو عازماً على إنفاذ وعوده، وإرضاء ملايين الشباب الذين أولوه ثقتهم مؤخراً بعد أن كانوا قد سحبوها منه في انتخابات السابع من يونيو 2015م، وكأنهم قد قبلوا اختباره وهو لا يريد الرسوب في هذا الاختبار.

التصعيد العسكري

والملف الثاني الأكثر إلحاحاً على الحكومة التركية الجديدة سيكون ملف مكافحة "الإرهاب" في إطار عملية التصعيد الأخيرة من العمال الكردستاني، الذي استغل تطورات الأزمة السورية - وزيادة أهمية أكراد سورية بالنسبة للولايات المتحدة والتحالف الدولي - على هامش نتائج انتخابات يونيو ليكسر الهدنة مع الحكومة التركية ويشن عدة عمليات افتتحت فترة تصعيد جديدة لم تنتهِ بعد.

ولئن كانت ثمة تطورات إيجابية، تمثلت في نتائج الانتخابات الأخيرة بما أفرزته من استقرار سياسي متوقع في البلاد، إضافة لانحسار التأييد الشعبي لعمليات الحزب بين الأكراد، والضربات الموجعة التي وجهتها الحكومة للحزب، إلا أن كل ذلك ليس كافياً بحال لإعادة الاستقرار والأمن للبلاد، على الأقل ليس قبل إعادة ضخ الدماء في العملية السياسية المتوقفة منذ شهر مارس الماضي.

عملية السلام

تبدو تركيا العدالة والتنمية اليوم أكثر اقتناعاً بمقولة "الحل العسكري ليس كافياً لحل المشكلة الكردية"، ومحتاجة أكثر من أي وقت مضى لإكمال طريق الإصلاحات الديمقراطية التي بدأتها عام 2002م خاصة فيما يتعلق بالمسألة الكردية.

فقد قام العدالة والتنمية بإصلاحات ديمقراطية خاصة باللغة والحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية للأكراد على عدة مراحل، آخرها حزمة الإصلاحات الديمقراطية الشهيرة في سبتمبر 2013م، إضافة إلى المشاريع الإنمائية في جنوب وجنوب شرقي البلاد حيث الأغلبية الكردية. 

ولئن دخلت العملية السياسية بين الحكومة والأكراد في حالة من الجمود بعد التصعيد العسكري من قبل العمال الكردستاني، وأصبحت "في الثلاجة" وفق تعبير الرئيس "أردوغان"، إلا أن تصريحات متواترة من قبل قيادات في الحزب والحكومة تشير بوضوح إلى الحاجة الملحة للعودة إلى المسار السياسي قريباً، وإن بشروط جديدة.

صحيح أن الأمر سيتطلب إعادة الأمن والنظام أولاً بعد كسر شوكة دائرة التصعيد الحالية، وصحيح أن العملية لا يمكن أن تعود بنفس الاسم والإطار واللاعبين السابقين، إلا أن المبدأ ثابت لم ولن يتغير؛ وهو مظلومية الأكراد في تركيا وضرورة إعطائهم حقوقهم عبر دستور جديد و/ أو تعديلات دستورية، وإنهاء الصراع المسلح في إطار عملية سياسية سلمية، الأمر الذي يراه العدالة والتنمية حيوياً وإستراتيجياً لتركيا، يزيد من لُـحمتها الداخلية، ويمنع التدخلات الخارجية، ويضاعف من إمكاناتها في مسيرة النهضة والتنمية.

معركة الدستور

على المدى المتوسط/ البعيد، فإن المعركة الرئيسة التي سيخوضها العدالة والتنمية في هذه الدورة البرلمانية هي معركة الدستور الجديد، الذي تتفق غالبية الأحزاب على ضرورة إعادة صياغته كمبدأ بينما تختلف على تفاصيله، وخاصة المتعلقة بالنظام السياسي في البلاد.

ذلك أن تركيا ما زالت تُحكم بدستور عام 1982م الذي وضعه العسكر بعد انقلاب عام 1980م، وما زال رغم العديد من التعديلات الدستورية يعيق المشهد السياسي في البلاد بما يتضمنه من تداخل - مقصود لذاته - بين صلاحيات ومسؤوليات السلطات والمؤسسات.

في التفاصيل، لا يمتلك العدالة والتنمية العدد الكافي من النواب لإقرار الدستور الجديد في البرلمان (367 من أصل 550 نائباً) ولا حتى نسبة 60% (330 نائباً) لطرحه على الاستفتاء الشعبي، وبالتالي فهو بحاجة لتوافقات وتحالفات مع أحد/ بعض الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان.

على مستوى الأحزاب، لا يبدو الأمر سهلاً جداً، إذ يبدو مثلاً حزب الشعوب الديمقراطي (ذو الجذور الكردية) أقرب الأحزاب للتوافق مع العدالة والتنمية على الدستور الجديد الذي سيعيد صياغة مفهوم وحقوق المواطنة المتساوية بما في ذلك حقوق الأكراد، لكن أداءه السياسي أدى إلى تباعد كبير بين الطرفين بما يصعب من هذه المهمة كثيراً في ظل حالة عدم الثقة والهوة الكبيرة بينهما، بينما يمكن للتقارب الأيديولوجي مع حزب الحركة القومية أن يوحي بإمكانية الاتفاق، بيد أن الأخير سيشترط - كما دائماً - وقف العملية السياسية مع الأكراد بشكل نهائي لا رجعة عنه، وهو ما لا يمكن للحزب الحاكم قبوله.

وعليه، فلا يبقى للعدالة والتنمية إلا فرصتان؛ الأولى: انتظار أي تشققات أو خلافات داخل أحزاب المعارضة، وقد بدأت إشاراتها تلوح فعلاً منذ إعلان نتائج الانتخابات، حيث أعلن كل من حزبي الشعب الجمهوري، والحركة القومية تاريخ الجمعية العمومية لحزبيهما، والتي يتوقع أن ينتج عنها قيادة جديدة أو تغيرات كبيرة في طريقة الإدارة.

وأما الخيار الثاني؛ فهو الاعتماد على "القرار الفردي" لنواب أحزاب المعارضة باعتبار أن التصويت سيكون سرياً، وقد يسهل على بعض النواب أن يخرجوا عن قرار أحزابهم في حال اقتنعوا بمواد الدستور الجديد، سيما وأن الحزب الحاكم يحتاج فقط إلى 14 صوتاً/ نائباً لنقل الدستور من البرلمان وعرضه على الاستفتاء الشعبي.

وفي كل الأحوال، فلا يبدو الحزب في عجلة من أمره في ملف الدستور، أولاً للتركيز على الملفات المستعجلة - وأهمها الاقتصادية - وثانياً لطرحه على النقاش الشعبي والمجتمعي والنخبوي، فقد كانت أهم دروس انتخابات يونيو السابقة هو التخوف من موضوع الدستور الجديد وفكرة تغيير النظام في البلاد إلى رئاسي؛ لأنه طرح فجأة دون تحضير مسبق ونقاش مستفيض من قبل مختلف الأطراف.

السياسة الخارجية والأزمة السورية

إلى جانب الوضع الداخلي، ستحتاج الحكومة الجديدة بكل تأكيد للاهتمام أكثر بالسياسة الخارجية وتطورات الإقليم، خصوصاً الأزمة السورية، باعتبارها مؤثرة في السياسة التركية، أولاً بتأزيمها للأوضاع في المنطقة، وثانياً بانعكاساتها التي بدأت ترتد إلى الداخل التركي، من خلال التفجيرات التي اتهم بها "تنظيم الدولة" (داعش).

ويدعم هذا التوجه عدة تصريحات من مسؤولين أتراك بضرورة القيام بمراجعات حقيقية وعميقة في السياسة الخارجية التركية، التي تعرضت لعدة انتكاسات وفشلت في القيام باختراقات مهمة مؤخراً بغض النظر عن نقاش مدى أخلاقيتها، وضرورة عودتها لتكون أكثر "عقلانية" وواقعية وبراجماتية كما كانت في السنوات السابقة.

من ناحية أخرى، تبدو تركيا راغبة في إغلاق باب الفترة الانتقالية التي حملت معها - على هامش عدم الاستقرار السياسي على مستوى الحكومة - تراجعات في السياسة الخارجية واستغلالاً من قبل بعض الأطراف - والحلفاء - لأوضاعها الداخلية، ومصممة على استثمار حالة الاستقرار الحالية كورقة قوة في محاولة لتحقيق إنجاز ما.

والإنجاز المقصود هو الطلب التركي المتكرر بضرورة إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، تكون مأوى للاجئين السوريين محمياً بطائرات التحالف التي ستفرض حظر طيران، ونقطة انطلاق ربما في المستقبل لقوى المعارضة السورية، هذا الطلب التركي المرفوض أمريكياً حتى الآن، يبدو أنه أصبح أكثر قبولاً وإن بتفسير أمريكي مختلف، فما تريده واشنطن هو منطقة خالية من "داعش" وليس بالضرورة "منطقة آمنة" وفق التصور التركي، وبالتالي يبقى الأمر مدار نقاش علني ومفاوضات سرية على رقعة شطرنج التحالف، في ظل التطورات الأخيرة المتمثلة بالغطاء الجوي التركي - الأمريكي لبعض قوى المعارضة السورية في مواجهة "تنظيم الدولة" في الشمال.

دروس الماضي

ختاماً، ينبغي أن نقول: إن الانتخابات البرلمانية الأخيرة في تركيا ليست نهاية المطاف، بل بداية مشوار جديد بمرحلة جديدة، لها مفرداتها وملفاتها وتحدياتها الخاصة بها، ولعلنا يجب ألا نغفل أن هذه النتائج الأخيرة لا تلغي الرسائل التي وجهت لأنقرة - العدالة والتنمية تحديداً - في الانتخابات السابقة، بما يعني أن أوراق القوة الموجودة الآن بيد الحزب الحاكم لن تجعله يغامر كثيراً في سياساته الداخلية والخارجية، بل سيحاول تجنب المزالق على الجبهتين ومراكمة أسباب القوة قدر الإمكان.

بمعنى، سيركز الحزب بحكومته الجديدة بشكل أساسي على تمتين الجبهة الداخلية، من خلال الإصلاحات الاقتصادية واحتواء الشباب وتخفيف حدة الاستقطاب السياسي في البلاد، فضلاً عن إعادة الروح للعملية السلمية مع الأكراد، بينما سيحاول العودة بسياساته الخارجية لشيء من الواقعية، وتجنب الصدامات الحادة مع الخصوم والحلفاء على حد سواء، في انتظار اقتناص الفرص التي قد تلوح له. 

والحال كذلك، فلا قفزات كبيرة يمكن أن تنتظر من أنقرة في الفترة القادمة التي ستكون ذات أولويات تركية بامتياز، بينما يجب ألا نتفاجأ بأي تراجعات أو مراجعات في بعض الملفات الإقليمية، إذ يريد - ويحتاج - العدالة والتنمية في الفترة المقبلة تدوير الزوايا قدر الإمكان ليعيد البلاد مرة أخرى على سكة السير نحو أهداف تركيا الكبيرة عام 2023م بالسرعة القصوى، قدر الإمكان. 

 

الرابط المختصر :