; لا علاقة للنصارى برسالة الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان لا علاقة للنصارى برسالة الإسلام

الكاتب د. سليمان البدر

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 935

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 03-أكتوبر-1989


الرد على أبي موسى في كتابه قس ونبي

الحلقة: 17 بقلم د. سليمان البدر

عرضنا في الحلقة السابقة لما سجله المؤلف من طعون باطلة ضد فكرة الجهاد ليبرر من خلالها دعوته الباطلة أيضًا ضد القرآن، واتهام الصحابي الجليل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بأنه غيّر وحرّف في القرآن الكريم، وانتهينا بمحاولات المؤلف إيراد مثله من النصارى وموقف القرآن والمصحف منهم، ونعرض في هذه الحلقة أدلة المؤلف لتفنيدها ونرد على افتراءاته الحاقدة. يقول المؤلف وفي كتابه عنهم - النصارى -: "أقوال مأثورة سجل التاريخ دورهم في هداية محمد ورسالته العقيدة بين العرب"، أما أدلته فأوردها من آيات القرآن ندون بعضها كما جاءت في كتابه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:90) ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف:159) ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف:181) ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:43) ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ﴾ (طه:135) ﴿لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:162) ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:112) ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح:29) ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ﴾ (الفتح:29)

ولكي نفند ادعاءات المؤلف، نورد الآيات التي أشار إليها كاملة ففيها الرد الشافي الكافي: يقول الله تعالى في سورة الأنعام، الآيات 88-90: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:88-90)

الهداية من الله

ترتبط هذه الآيات بالآيات التي سبقتها ابتداءً من الآية 84 التي تعتبر خاتمة للآيات التي قبلها والمتعلقة بإبراهيم عليه السلام، فتقول الآية 84: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأنعام:84) ثم تأتي الآية 85 على ذكر ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الأنعام:85) وهكذا تتوالى آيات الله ذاكرة الرسل والأنبياء من ذرية آدم ونوح وإبراهيم، وقد هداهم الله بعد أن اجتباهم وهداهم إلى الصراط المستقيم، وقد حصلت لهم الهداية بتوفيق من الله ومنّه، كما أن الله قد آتاهم، بنعمة منه وفضل، الكتاب والحكم والنبوة ثم تبين الآية أنه إذا كفر بها هؤلاء، أي قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم، فقد وكّل الله بها قومًا آخرين، أي الذين استجابوا للنبي من مهاجرين وأنصار، فهم لا يجحدون منها شيئًا ويؤمنون بها إيمانًا مطلقًا، وهنا يرد قول الله تعالى مخاطبًا رسوله أن أولئك، يعني الأنبياء المذكورين الذين هداهم الله، يا محمد هم أهل الهدى فاجعلهم قدوة لك واتبع سبيلهم وسر على خطواتهم، وما عليك إلا البلاغ المبين الذي يهدي إلى الرشد دون أن تطلب من القوم أجرًا أو معروفًا. فأين هو ادعاء المؤلف بأن الرسول قد أمر بالاقتداء بالنصارى، وهل يكون إبراهيم ونوح وداوود وسليمان وأيوب وإسماعيل ويونس ولوط وغيرهم من أنبياء الله من النصارى أيضًا؟ إن الآية واضحة جلية تبين أمر الله بأن يهتدي محمد بهؤلاء الأنبياء جميعًا. يقول الله تعالى في سورة الأعراف، 158، 159: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف:158-159) في الآية الأولى بيان وأمر من الله تعالى إلى الناس كافة بأن محمدًا هو رسول الله إليهم جميعًا، ثم الأمر بأن يؤمنوا بالله وبرسوله النبي الأمي، «وفي هذا أيضًا دليل آخر على أن صفة النبي أطلقت على محمد في مكة على عكس ما كان يدعيه المؤلف بأن مهمته كانت الرسالة والتبليغ ولم تظهر كلمة «النبي» إلا في مصحف عثمان في المدينة». ثم تبين الآية الثانية إخبار الله عن بني «إسرائيل»، بأن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به، ويعرفون أن الرسول المصطفى على حق، وهم يؤمنون بما أنزل عليه. فالآية التي أراد المؤلف أن يقصرها على النصارى تتعلق أساسًا في «بني إسرائيل»، وقبل ظهور النصرانية، لأن الآيات اللاحقة تبين طوائف «بني إسرائيل» وبأن الله قطعهم اثنتي عشرة أسباطًا أممًا، فإذن لا علاقة لها بالنصارى. وفي سورة النحل يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:43-44)

افتراء على القرآن

إن المؤلف يريد بـ «فاسألوا أهل الذكر» النصارى الذين كان الرسول يسألهم ويتعلم على أيديهم، وهذا افتراء على القرآن وتحريف مبيت لآيات الذكر الحكيم، فالآية 44 تبين الرد على حجة الكفار من العرب عندما أنكروا أن يكون الرسول بشرًا، فأوضحت أن الله ما أرسل قبل محمد إلا رجالًا أوحى إليهم برسالاته ليبينوا للناس، ثم يوجه هؤلاء الجاحدين إن كانوا في شك من كون الرسل بشرًا أن يسألوا أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء السابقين فيها إذا كانوا بشرًا أو ملائكة، فقد أرسل الله الأنبياء بالبينات أي بالحجج والدلائل وبالزبر أي الكتب، كما أنزل الله إلى نبيه الذكر أي القرآن ليبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، فأين هذا المعنى من تحريف المؤلف للآية كي يوهم بأن يتجه النبي والمؤمنون إلى النصارى ليتعلموا منهم؟ قال الله تعالى في سورة طه، 135: ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ﴾ (طه:135) وترتبط هذه الآية بالآيتين 133 و134، وتأتي ردًا على ادعاءات الكفار الذين طالبوا الرسول بأن يأتيهم بآية من ربه أي بعلامة تثبت صدقه، وقد أوضحت الآية 133 أن القرآن العظيم هو الآية البينة. ثم تأتي الآية 134 لتبين أنه لو أهلك الله الكافرين المكذبين قبل أن يرسل محمدًا نبيًا ومبشرًا ورسولًا لقالوا: لم الهلاك وما جاءنا رسول بآياتك كي نتبعها، ولأقسموا أنه لو جاءتهم الآيات لكانوا من المؤمنين، ثم يأمر الله رسوله في الآية 135 بأن يقول للكافرين والمخالفين بأنه وإياهم متربص، أي منتظر حكم الله فانتظروا أيها المعاندون فسوف يستبين لكم من منا على الطريق المستقيم ومن الذي اهتدى إلى الحق وسبيل الرشاد. هذا هو المعنى الواضح الجلي من الآية التي يريد المؤلف أن يجيرها لتعني أن النصارى هم أصحاب الصراط السوي. أما بالنسبة للآية 162 من سورة النساء التي اجتزأ المؤلف جزءًا منها ليدلل بها على أن الراسخين في العلم هم النصارى فقد سبق وأن أوضحنا كذب افترائه في حلقة سابقة. يقول الله تعالى في سورة التوبة 111-112: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:111-112)

تغافله عن الصفات

وقد اجتزأ المؤلف من الآية 112 ما أوردناه ضمن أدلته بقصد أن يُضفي أو يدعي بأن القرآن أضفى على النصارى هذه الصفات فهم التائبون العابدون السائحون الراكعون، وتغافل عن بقية الصفات لأنه يعلم علم اليقين أنها لا تنطبق على النصارى بأي حال، وإنما على المؤمنين المسلمين كما أغفل وتعامى عن الآية 111 التي ترتبط بالآية 112 بالسياق والمعنى فالله جل وعلا يبين في الآية 111 أنه أخذ على نفسه عهدًا بأن يعوض المؤمنين، إذا بذلوا وضحوا بأنفسهم وأموالهم، بالجنة، وهذا من فضله، وقد كتب الله هذا العهد والوعد على نفسه الكريمة في التوراة والإنجيل والقرآن ثم تأتي الآية 112 لتوضح صفات هؤلاء الذين استبشروا ببيعهم وبالعقد والعهد والوعد الذي قطعه الله على نفسه، فهم التائبون من الذنوب، القائمون بعبادة ربهم، الحامدون فضل الله، وهم أيضًا السائحون أي العابدون الصائمون، والركّع السجود الذين أخذوا على أنفسهم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم أخيرًا الحافظون لشرع الله وتبيان حدود هذا الشرع للناس، فبشرى لهم. وفي الآية 29 من سورة الفتح يقول الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح:29) وواضح أن المؤلف أخذ من صفات الرسول والمؤمنين به ليجيرها لحساب النصارى ويدعي بأن القرآن هو الذي وصفهم بهذه الصفات، وقد استشهد بجزءين من الآية في موضعين مختلفين ليبرهن على قوله الباطل وتعامى - أعمى الله بصيرته - عن السياق التام للآية التي تبدأ بإقرار رسالة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، فهو رسول الله، وله مع إخوانه الذين آمنوا به وبدعوته سمات مشتركة فهم أشداء على الكفار رحماء على بعضهم البعض. وفي آية أخرى هم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وجاء في صفاتهم أنهم ركع سجود، أي يصلون لله كثيرًا ويعملون الخير ويخلصون في أعمالهم طلبًا لرضوان الله وطمعًا في مغفرته، ويعني قوله سبحانه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ﴾، أنه يظهر على وجوههم السمت والحسن والخشوع والتواضع، فالصحابة رضي الله عنهم خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم. وكذلك فإن أمة محمد معظمة في كتب الأقدمين من الرسل والأنبياء منوّه عنها وعن نبيها وعن دينها، وهذا هو مثلهم في التوراة. أما مثلهم في الإنجيل فقد جاء التشبيه بأن المؤمنين كالزرع الذي أخرج فراخه فآزره، أي شده، ثم شبّ وطال واستوى على ساقه، وهذه السمات تغيظ الكفار ومن سار على نهجهم في بغض الرسول والصحابة. إن الذين استجابوا للنبي من مهاجرين وأنصار، فهم لا يجدّون منها شيئًا ويؤمنون بها إيمانًا مطلقًا عليهم رضوان الله.

التشكيك بالقرآن

والمؤلف يتعامى عن كل ذلك ويقرر أن القرآن المكي كان يصف النصارى بهذه الأوصاف لا لشيء إلا ليخرج بنتيجة تدعم مثله الذي أورده بشأن التحريف الذي يبين أن القرآن المكي هو غير القرآن الذي بين أيدينا والذي قام بجمعه عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه-، ولكي يمهد أيضًا، لعرض موقف مصحف عثمان من النصارى بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وبذلك يصل إلى هدفه في التشكيك بالقرآن الكريم، مع أن حجته باطلة ولا يقوم لديه دليل عقلي أو نقلي، فماذا حصل بين الموقفين اللذين يدعيهما المؤلف زورًا وبهتانًا؟ يقول المؤلف في صفحة 212: "وأما ما ورد في مصحف عثمان فيختلف عما ورد في قرآن القس والنبي، ففي الأول النصارى كاليهود ظالمون وكالوثنيين مشركون، وكالمسيحيين يغلون في دينهم، وهم بالتالي أعداء الفاتحين، تفرض عليهم الجزية فيعطونها عن يد وهم صاغرون، ويفرض عليهم الجهاد كالكفار والمنافقين." ثم يقول: "واختلط الأمر على الفاتحين فخلطوا بين النصارى والمسيحيين سواء بسواء، فاتهم الجميع بإيمانهم وبقولهم إن عيسى ولد من الله، وأن الله ثالث ثلاثة، وباعتبار الله هو المسيح عيسى فيها الحقيقة تظهر أن هذا الكلام يوجه إلى وفد نجران المسيحي، وقد عممه مصحف عثمان على جميع «بني إسرائيل» من مسيحيين ونصارى." ثم يستطرد في هذيانه فيقول: "واختلط على الفاتحين موقفهم من الرهبانية والرهبان فظنوا أن هناك توافقًا بين قرآن القس والنبي وبين مصحف عثمان، فاعتبروا الرهبانية بدعة والرهبان آكلة أموال الناس، فيها الحقيقة تظهر أن القس والنبي يعظمان في كتابها جميع النصارى لأن منهم قسيسين ورهبانًا لا يستكبرون ولا يجد المؤلف مبررًا لذلك الخلط بين النصارى والمسيحيين في مصحف عثمان سوى الانتصار السياسي الذي حققه الفاتحون، ويقول في صفحة 213 بهذا الشأن: "ومن الطبيعي أيضًا، والقرآن ما يزال في طور جمعه من صدور الصحابة، أن يسب بالمقهورين سياسيًا كما يسب بالمشركين والمنافقين والكفار فزيد بالتالي، على قرآن القس والنبي، ما يشفي غليل الفاتحين وما يبرر فتوحاتهم". وفي نفس الصفحة يدلل على قوله هذا بوجود آيات في غير مكانها ويتهم القرآن بأنه زيدت فيه كلمات جنب كلمات لم تكن في الأصل، ويقول بهذا الشأن: "وأصبح مصحف عثمان متحديًا التاريخ، ومستهترًا بأبسط أصوله ويعمل الباحثون اليوم في ترتيب القرآن ورد سوره وآياته إلى وضعها التاريخي". ثم لا يأتي المؤلف بدليل واحد على زعمه الضال المضل سوى مثال واحد يدعي فيه أن اسم النصارى أقحم إلى جانب اليهود دون مبرر سوى العداوة اللاحقة بهم في عهد الفتوحات وهو مثال أقل من أنه يقف أمام طالب في مدرسة أو ربما في كتاب في قرية، أما تباكيه وأسفه على تحدي القرآن للتاريخ فقد أنقذه منه الباحثون اليوم واليوم عنده يعود إلى عام 1885، وعام 1919 حيث يرى أن في دراسة عالمين غربيين ما سوف ينقذ المؤلف، أما دليله على أن مسلمين عديدين حاولوا من قبل وضع كتب في أسباب النزول دون جدوى فغائب - أي الدليل - عن وعي المؤلف ومن صفحات كتابه وهوامشه، فإذا كان قد مضى أكثر من مائة سنة على دراسة الباحث الغربي، وما يقرب من سبعين سنة على دراسة باحث غربي آخر، فلماذا ينهك المؤلف قلمه ويجهد عقله في أن القرآن المكي هو غير قرآن المسلمين اليوم؟ أما أدلته التي أوردها تدعيمًا للمثل الوحيد الذي ضربه بشأن إقحام اسم النصارى فيوردها على النحو التالي: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة:135) ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾ (البقرة:120) ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:140) ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران:67)

البهتان على النبي

وحين يعرض المؤلف لهذه الآيات يستشهد أيضًا بكتاب "القرآن والمسيحية" لمؤلفه الأستاذ الحداد وبكتاب فرنسي لمؤلف يُدعى بلاشير، والأول هو الخوري اللبناني يوسف إلياس الحداد الذي كشف اسمه المزيف محمد عزة دروزه، وفضح زيفه وادعاءه وبهتانه على النبي المصطفى والقرآن الكريم في كتابه القيم "القرآن والمبشرون" بيروت، 1972، أما الثاني فهو Blachere، ألف ثلاثة كتب أشار إليها أبو موسى الحريري في مراجعة عن القرآن وعن محمد والكتاب الذي أحال القارئ إليه في هامشه صدر عام 1952. وفي رأي المؤلف أن إقحام اسم النصارى إلى جانب اسم اليهود ثابت لأسباب يدعيها منها كما جاءت في قوله: "وإن الجدال في سورة البقرة هذه كان بين محمد واليهود ولا دخل للنصارى فيه، وأن الآية 136 التي تقول بأن الإسلام هو الإيمان بما أُوتي موسى وعيسى بدون تفريق، وهو موقف النصارى الصحيح، وأن الآية 137 تقتصر على اليهود وحدهم حيث قيل عنهم بأنهم لا يقرون بالهدى عند النصارى، ولا النصارى يقرون بالهدى عند اليهود بدليل قول اليهود: "وليست النصارى على شيء"، وقول النصارى: "وليست اليهود على شيء"، الآية 113، فكيف يجمع مصحف عثمان بينهما إذن؟ وأخيرًا، أن لفظة نصارى تفسد النظم المسجع الذي اعتدنا عليه في القرآن فيكون أصلها إذن: كونوا هودًا تهتدوا." ثم يقول في صفحة 214: "وهكذا قل عن آيات أخرى أُقحمت فيها لفظة نصارى إلى جانب لفظة اليهود، وهو، على ما يبدو، إقحام من عهد الفتوحات، ويقول بعد أن يورد الآيات التي ذكرنا بعضها: وغير هذه الأمثال كثير - ثم لا يأتي بها المؤلف ولو كانت موجودة لانشرح صدره وأفاض في كتابتها. وكلها تقع في سور يدور موضوعها الأساسي حول جدال محمد مع اليهود، ولا دخل للنصارى فيه مطلقًا." وأخيرًا يقول المؤلف في صفحة 215: "وأنت ترى إذن أن موقف مصحف عثمان يختلف، فيما يخص النصارى مثلًا، عن موقف قرآن القس والنبي، ذاك يخاصم اليهود والنصارى على السواء وهذا يعتبر النصارى أصحاب مودة وصفاء، وقد قالها القس والنبي بصريح العبارة فميّز بين اليهود الظالمين والنصارى أهل المودة". وقد أورد المؤلف الآيات 82-86 من سورة المائدة ليخلص إلى أن النصارى هم أقربهم مودة ومنهم القسيسون والرهبان، تفيض أعينهم بالدمع فرحًا لما سمعوا آيات من إنجيلهم العبراني بلسانهم العربي، وهؤلاء يثيبهم الله في جنة عدن خالدين. ونأمل إن شاء الله أن نتناول في حلقة قادمة الرد على مزاعم المؤلف فيما أورده في القسمين الأخيرين من الفصل السادس.

 

 

الرابط المختصر :