; الإسلام..والحكومة الدينية (6) الدولة الإسلامية.. والعدالة والحرية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام..والحكومة الدينية (6) الدولة الإسلامية.. والعدالة والحرية

الكاتب عمر التلمساني

تاريخ النشر الجمعة 06-أبريل-2012

مشاهدات 65

نشر في العدد 1996

نشر في الصفحة 40

الجمعة 06-أبريل-2012

العدالة في الحكومة الإسلامية أصل مقرر مع النطق بالشهادتين وبغيرها تتجرد الحكومة من صفة الإسلامية

الحرية نعمة ربانية ومن يحاربها يسلب الناس عنصراً من عناصر الحياة كالهواء والماء

الحكومة الإسلامية لا تعتقل ولا تعِّذب ولا تصادر ولا تؤمم ولا تحرم الناس حرياتهم.. وتعين على التفكير السليم والإبداع

الحكومة الإسلامية ممنوعة من نصرة مسلم على من بيده عهد وميثاق أياً كان دينه.. وملزمة بالوفاء بالمعاهدات

إن الحرية ليست حقاً فحسب، ولكنها عنصر من عناصر الحياة الفاضلة العزيزة، إنها منحة الله لعباده، وليست منحة من مخلوق لمخلوق.. الحرية شيء تلقائي للبشر، فكما تهضم المعدة الطعام دون أن يكلفها أحد بذلك من تلقاء نفسها - وحسبما أعدها الله لذلك - فكذلك الحرية نعمة ربانية هيأها الله لإسعاد عباده حتى لا يطغى أحد على أحد، فمن يحارب الحرية لا يسلب الناس حقاً، ولكنه يحول بينهم وبين عنصر من عناصر الحياة كالهواء والماء، سواء بسواء، فإذا تقرر أنه لا حياة لإنسان بغير طعام ولا شراب، كذلك لا حياة لفرد أو مجتمع أو شعب بغير حرية.

إنني لا أنكر نور العقل وتأثيره في الحياة، ولا أهمل جانبه أبداً؛ لأنه الفرق بين الإنسان المدني بطبعه والوحش الضاري بفطرته، إن العقل مناط التكليف في الإسام، ولكني ل أتحدث عنه بهذه الصورة، إذا ما قام من يقدمه على تشريع رب العالمين، فواجب العقل أمام شرع الله.. الخضوع والتسليم والالتزام؛ ﴿فّلا رّبَكّ لا يٍؤًمٌنٍونّ حّتَّى يٍحّكَمٍوكّ فٌيمّا شّجّرّ بّيًنّهٍمً ثٍمَّ لا يّجٌدٍوا فٌي أّنفٍسٌهٌمً حّرّجْا م مٌّا قّضّيًتّ يٍسّلَمٍوا تّسًلٌيمْا﴾ (النساء).
فيض عظيم
والحكومة  الإسلامية  تلتزم هذا المعنى تماماً، وتخرجه إلى الناس عملاً محسوساً، حتى ينتفع الناس بهذا الفيض العظيم، ولو أن الحكومات الإسلامية  عنيت في برامجها التعليمية والتربوية بدراسة الإسلام  بعناية دقيقة مستفيضة كما تعنى بنظريات «دارون » و «سقراط » ومن إليهما؛ مما يعرف عنه طلبتنا أكثر مما يعرفون عن دينهم، لو أنها فعلت
هذا في جد وإخاص وأدب لوجدت في  الإسلام من مقومات الحضارة الحقة، والقوة العادلة الدافعة غير الباغية ما يغنيها عن اللجوء إلى أي مصدر آخر، إنها بهذا تخرج عدالة زاهية منصفة، تحرر الناس من الجهل والخوف والأوهام والخزعبلات. ولكنها تفعل.. لماذا؟! لو أن الحكومات الإسلامية  حرصت على إنزال شعوبها عند تعاليم كتاب ربهم وسُنة نبيهم ﷺ في السياسة والاقتصاد والاجتماع ،الاخلاق والمعاملات ، ولم تقتصر في مناهجها على ما تستورده من مصادر غير إسلامية، ظناً منها أن ما عندهم خير مما عند الله لوصلت بالمسلمين إلى أعلى مكان أدبي ومعنوي في الوجود.
دساتير وضعية
الحكومة الإسلامية  يقوم بها حاكم، أساس تصرفاته المادية والمعنوية شرع الله، أما الحاكم غير المسلم فتقوم كل تصرفاته على دساتير وضعية، قابلة للتغيير والتبديل حسب الظروف والملابسات، كما شاهدنا في الدساتير التي عايشناها، فهي تلغي بالكلية مرة مع التشنيع عليها والتشهير بها، مع أنها كانت في وقت من الأوقات صنماً لا تمس بنوده، إن الحاكم المسلم عليه رقابة من الله، رقابة لا تخفى عليها خافية، فهو على وجل منها دائماً، إلا من طمس الله على قلبه، رقابة قادرة فعلاً على البطش بمن يجور أو يظلم؛ ﴿إنَّ بّطًشّ رّبَكّ لّشّدٌيدِ﴾ (البروج)، أما غير الحكومات الإسلامية  فعليها رقابة من دساتيرها، التي يمكن التحايل على مخالفة نصوصها أو تغييرها وفق أهواء الحاكم المتسلط، وشتان بين الرقابتين - رقابة تُخْضِع، ورقابة تَخْضَع - والعدالة في الحكومة  الإسلامية أصل مقرر مع النطق بالشهادتين، وبغيرها تتجرد الحكومة من صفة الإسلامية ، وهنا سر الجلال، فالحكومة الاسلامية يقظة واعية حذرة، والفرد مدين لها بالطاعة والاحترام في غير معصية الله، وورد في الأثر أنه لا توبة لمن  يحاول إذلال الحاكم، وهكذا يربط الإسلام  بين الراعي والرعية، بروابط الثقة المتبادلة، والتعاون الكامل، والإحساس بكلِّ موجبات الإنسانية الفاضلة، التي تتجلى في حديث رسول الله « : المتمسك بسنتي عند فساد أمتي، له أجر مائة شهيد »، ومن أحق بهذا الفضل من الحاكم وحكومته؟! لأن مهمتهم هنا تضحية بالصحة والجهد والوقت، وليست مهمة هيمنة وتسلط  واستعلاء
وفاء بالعهد
ألا تعلمون أن الحكومة الإسلامية ممنوعة من نصرة مسلم، على من بيده عهد وميثاق أياً كان دينه؟ وأنها ملزمة أن توفي بالمعاهدات في دقة متناهية وحرص كامل، احتراماً للأمر القرآني؛ ﴿يّا أّيَهّا  الذين آمّنٍوا أّوًفٍوا بٌالًعٍقٍودٌ﴾       (المائدة: 1)، هل تنصر اليوم حكومة متحضرة غير بنيها على مواطنيها؟ حتى ولو كانت معاهدة عدم اعتداء أو حسن جوار؟ إن الحكومة الإسلامية  التي تخشونها تفعل ذلك ديناً ﴿إنٌ اسًتّنصّرٍوكٍمً فٌي الدين فّعّلّيًكٍمٍ النّصًرٍ إلاَّ عّلّى قّوًمُ بّيًنّكٍمً بّيًنّهٍم مَيثّاقِ﴾ (الأنفال: 72)، بهذا يتوفر الأمن  والسلام قولاً  وفعلاً، السلام  الذي فشلت كل المعاهدات والمؤسسات العالمية في تحقيقه بين الناس، إن الحرب الباردة التي نشاهدها الآن، لها حد تنتهي عنده قريباً أو بعيداً، وحتماً سيأتي
اليوم الذي تنطلق فيه أدوات الدمار، ووسائل الهلاك لا تبقي ولا تذر! فإن هتفتم لها اليوم  قليلاً فستصمتون غداً طويلاً أو إلى الأبد، فكروا.. ما من العودة إلى شرع الله من بديل، لنصبر ولنعلم ولنتعلم كيف نستخرج من ضعفنا قوة، ودعوا هذه القضايا الباهتة، فمثلها أضاع الأندلس وفلسطين، ولبنان على الأبواب.
تفكير وإبداع
الحكومة الإسلامية  التي تكرهونها، لا تعتقل ولا تعذِّب ولا تصادر ولا تؤمم، ولا تحرم الناس حرياتهم، وتعين على التفكير السليم والإبداع، إنها ليست الحكومات هنا وهناك التي تتلمسون من أخطائها وعطائها، التي لا يقرها شرع، تتلمسون من ذلك حججاً تقدمونها بأيديكم لمقاومة الحكومة الإسلامية ، التي لا تكل أمور الشعب إلى الأقارب والأصهار والأتباع وأهل الثقة المفتقدة! وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه لم يولِّ الإمارة أحداً من أقاربه إلا واحداً، فلما بلغه أنه قال شعراً لا يتفق مع وقار الإمارة واحترام الوالي بادر إلى عزله على الفور.
إنها لا تكتفي بالتصريحات، ولا تلجأ إلى الوعود في مناسبات بذاتها، حريصة على الطهارة وتزكية الناحية الروحية والفكرية، وتكون قدوةً لشعبها في المساجد والمناسبات الدينية، كما تعنى بالناحية الصحية والقوة البدنية والرياضية النظيفة التي لا ترتكب تحت ستورها المنكرات، هي حكومة الحق، والحق عنوان القوة، ووسيلة البقاء.
مصارف إسلامية
لقد حرم الله الربا، ولقد ثبت علمياً ونظرياً أخطار هذه الآفة المالية المدمرة، وها قد قامت حكومات عصرية تحرمه، وها نحن ذا نرى اليوم أنه من الممكن أن نتخلص من البنوك الربوية عن طريق المصارف الإسلامية ، على ما في تصرفاتها من ثغرات، نسأل الله أن تسد حتى تستقيم أمورنا المالية على أمر سواء من الناحية الدينية، فينقذها من هاوية  الضلال الربوي المنتشر القاتل، إلى نور التعامل المالي الإسلامي ، الذي يحض على إنظار المعسر إلى ميسرته، وعلى حكوماتنا ألا تعقد عقداً مالياً فيه ربا، وأن توفي بالمعاهدات المالية الدولية على ما فيها من خلل مشروع دفعاً للضرر الأكبر بالضرر الأصغر، وألا تعود إلى عقد ربوي أبداً، ولديها من الاختصاصيين الاقتصاديين من يعينها على الوصول إلى ذلك.
إننا نمر بأزمات طاحنة في كل ناحية من نواحي الحياة، والإسلام  كفيل بالقضاء عليها لو أخذنا به ونفذناه، ألا فلتعقد المؤتمرات الإسلامية  المتوالية، حتى تخرج لنا من كنوز الإسلام ، ما يفيض علينا أمناً وإيماناً  وسلاماً وأماناً، فقد منح الله هذه المنطقة من الموارد الظاهرة والباطنة ما يجعلها أغنى أهل الأرض ويكفيها شر الحاجة إلى غيرها وتبلغ حد تصدير الفائض عن حاجتها.
حكمة في التصرف
إنني لا أدعو إلى العجلة في هذه العجالة؛ لأنني أعلم ما في التعجل من اختيار، ولأنني أعلم ما في الجو السياسي العالمي، من اتجاهات وضغوط واحتياج إليه، إنني أعلم فوق ذلك أن الله على كل شيء قدير، وأنه أقوى من قوى الأرض جميعاً، ولكنني أعلم في نفس الوقت أن هذا القوي القادر لم يكلف فرداً أو مجتمعاً أو شعباً أو أمة أو حكومة فوق طاقتها وما تستطيع، وأنه أمر بالحكمة في التصرف، وبالرشد في تناول الأمور، إن ما حرمه الله ليس لنا أن نحله، وما أحله فليس لنا أن نحرمه.

فإذا قلنا بالتؤدة في التصرف، فما ذلك لننكر حلالا، أو نحل حراماً، فهذا شيء منتهٍ عند المسلمين لا يحاولون فيه، بل وليس من حقهم أن يحاولوا فيه أو يغيروا في حدوده، وما دمنا نعلم أن الحلال  بين وأن الحرام بين، فإننا لا ندعو إلى تحليل أو تحريم، ولكننا ندعو إلى أفضل السبل التي تمكننا من الوصول إلى تنفيذ ما أمر الله به، والقضاء على كل ما نهى الله عنه.
إن تشابك المعاملات  الدولية، وكراهية الصليبية والصهيونية والإلحادية أمر لا شك فيه، ولهذا ندعو إلى أن نقدر لأرجلنا قبل الخطو موضعها حتى لا ننتكس، وحتى لا نسيء إلى إسلامنا  أو نلصق به  ما هو براء منه.
مرابطة وتقوى
إننا لا نريد أن نكون كالدبة التي قتلت صاحبها لتدفع عنه ذبابة نزلت على وجهه أثناء نومه، فالصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، سياسة إسلامية  خاتمتها الفلاح الأكيد القاطع، إننا مجهدون متعبون، فيجب ألا نجري لئلا تنقطع الأنفاس، فلا حياة مجهدة أبقينا، ولا أملاً منشوداً حققنا، فخطوة خطوة، وعلى مهل، في حكمة وأسلوب حسن، وتبليغ بديع نصل إلى ما نريد، وقد تسبق العرجاء، فلنكن مع الله ليكون معنا، فما من معية أقوى من معيته، ولا من نصرة إلا نصرته، فهل نحن فاعلون؟!

الرابط المختصر :