العنوان الأندلس.. وأحداثه الرمضانية (3): المواجهة بين الجيشين
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 58
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 44
السبت 13-سبتمبر-2008
- معركة وادي البرباط ... كانت فتح الفتوح للسيطرة على الأندلس ولم تكن سهلة فقد كان تعداد جيش المسلمين ١٢ ألف جندي مقابل أكثر من ١٠٠ ألف من القوط
بدأنا في العدد الماضي تناول قصة فتح الأندلس، هذا الفتح العظيم الذي حدث في رمضان وتباشيره كانت في المعركة الأولى حول نهر البرباط Barbate بقيادة طارق بن زياد ... واليوم نستكمل الحديث حول هذه المعركة الفاصلة.
تجمع الجيش الإسلامي واقفًا أمام الجيش «القوطي» الذي واجهه في سهل متسع فيه بحيرات وأنهار؛ حيث حدد الجيش القوطي، مكان المعركة، ولكن لا بد أن القيادة الإسلامية العسكرية في الأندلس اختارت المكان المناسب.
كان عدد الجيش الإسلامي كله، باتفاق المؤرخين اثني عشر ألف جندي جلهم من المسلمين البربر وقلة من المسلمين العرب؛ حيث إن المسلمين البربر، وقد تأخر إسلامهم أرادوا خدمة الإسلام والجهاد فيه؛ ليلحقوا ببعض ما قدم له إخوانهم المسلمون العرب من قبل.
موازنة ومقارنة
وعدد الجيش القوطي، لا تقل عن مائة ألف بل إن بعضهم أوصلها إلى مائتي ألف جندي أو يزيد، ومع ذلك، فاختلاف الروايات في عدد الجيش القوطي لا يشكل قضية؛ حيث يمكن تأويله بأن الجيش المقاتل مائة ألف والباقي بين معاون واحتياط ويقوم بالواجبات الأخرى، ولدى الموازنة بين الجيشين لا يمكن أن يتصور أحد أن النصر سيكون للمسلمين، فضلًا عن أن يكون عظيمًا وعجيبًا وغالبًا،؛إذ تم ذلك في ظل:
- التفاوت الكبير بين الجيش الإسلامي والقوطي في العدد: اثنا عشر ألفًا مقابل مئة ألف أو يزيدون.
- والعدة كذلك، ومنها أن الجيش القوطي، كان كله تقريبًا خيَّالة بينما الجيش الإسلامي كان كله تقريبًا رجَّالة.
- ولا بد أن الأسلحة الأخرى ومواد الإعاشة لدى القوط كانت أفضل وأوفر وأكثر.
- جرى القتال في أرض مألوفة للقوط يعرفون مداخلها ومخارجها وطبيعتها.
- زد على ذلك الروح المعنوية لجند القوط، كانت عالية؛ إذ ما كانوا يشكون بالنصر وأخذ المسلمين، وأن الغلبة تكون لهم إلى درجة أنهم جلبوا معهم العربات والدواب تحمل الحبال لتكتيف، وشد وقيد أسرى المسلمين الكثيرين؛ إذ احتاروا فيما يفعلون بهم، وكانوا متأكدين من هذه النتيجة!! فهم لم يعرفوا الهزيمة؛ لأن القوط الغربيين خاصة أمة حربية معروفة، وهو أكبر ما تتميز به في تاريخها كله، وهذا شبيه بالفتوحات الإسلامية الأولى مع الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، اللتين لم تكونا لتزولا أمام أي أحد، ناهيك عن العرب الذين استعمروا لهؤلاء وهؤلاء، لولا الإسلام الذي به غدوًا، وكل من آمن به وحمله بشرًا جديدًا أو وليدًا آخر.
- وهذا يدل على أن القوط، لم يكونوا ضعافًا في المعركة - لا سيما وهي فاصلة - كما يحاول بعض الكتبة لي أعناق الأحداث، ولف حقائقها المنظورة، وطي منطقها الواضح لتسير في دروب مظلمة ملتوية مشبوهة، وهذا يدعو إلى إعادة النظر في أحداث التاريخ الإسلامي والأندلسي على وجه الخصوص، وهذا الفتح العظيم الكاسح المعجز بالذات.
عنصر فريد
لكن الميزان - في الموازنة الجديدة - ضم شيئًا جديدًا، وعنصرًا فريدًا نوعية ما عرفوها ولا ألفوها من قبل جعل هؤلاء القوطة، وكل أحد غيرهم ضعافًا أمام المسلمين، هو الإيمان بالله سبحانه؛ إذ قد جربوهم في المعارك المتعددة على الجبل والمواجهات لدى أول نزولهم عليه، وكان الجيش القوطي، بقيادة أكبر قائد عسكري، وهو «تُدمير» Tudmir الذي سميت مقاطعة إسبانية باسمه وهو حاكمها، وكان يُهزِم في كل المعارك، وكان قد كتب إلى «لذريق» ليعلمه بأن قومًا لا يدري أمن أهل الأرض أم من أهل السماء قد وطئوا إلى بلادنا، وقد لقيتهم فلتنهض إلى بنفسك، وهذا، على ما يبدو سبب مهم في هذا الحشد الضخم الذي هيأه القوط[1].
فهذه هي صورة المعسكرين: الإسلامي والقوطي، وإنه لمجرد الفرق في أي من هذه الأمور، ويقبل المسلمون المنازلة يجعلهم أقوياء أوفياء أمناء، نوعية فريدة ليسوا بحاجة إلى حرق السفن دافعًا للحرب والاستماتة.
إنه الإيمان الذي يدفعهم دفعًا، يطيرون إلى الجنة يرغبون فيها، وبنفس الروح يحافظون على السفن أشد المحافظة، لأسباب كثيرة غدت واضحة الآن.
خطبة طارق الشهيرة
وعلى نفس هذا الفهم تغدو الخطبة المروية لطارق، في هذه المعركة، كثير منها هدر من القول، ولدى الاطلاع عليها من خلال هذه المعاني والاعتبارات يرفضها الدارس قبل أن يتقدم الدليل إليه.
فالخطية لم تتضمن آية أو حديثًا، ومليئة بالسجع المصطنع المتكلف المغلوط في ثمانية مقاطع، يشير إلى الوضع المتأخر الجاهل بالأندلس وتاريخه، وترى فيها طارقًا، يعدهم بالملذات، والبنات الجميلات، فأي جهاد هذا يا ترى؟ كما أن الخطبة قد تشير إلى أخطاء في الخطة والهدف.
بجانب أن النص المتداول لم يورده مؤرخ أندلسي؛ بل رواه مؤرخ مشرقي متأخر، لعله: ابن خلكان (٦٨١هـ) في كتابه وفيات الأعيان[2]، ونقلت عنه، وإن بعض النصوص الأندلسية في ذات الشأن، تخالف هذا النص.
كما يورد المقري في نفح الطيب[3] أبياتًا خاطب وخطب بها طارق، في جيشه تحمل معاني إسلامية واضحة.
المواجهة: قتال ونزال
في مثل هذا الوضع بدأت المواجهة، وكان اللقاء المتفاوت، في سهل فسيح متسع لليلتين بقينا من رمضان (۲۸ رمضان سنة 92هـ -17/7/711م)، واستمرت المعركة ثمانية أيام أربعة من القتال الشديد العنيد من قبل الطرفين: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٠٤).
وكان المسلمون أثبت وأصبر وهم بالنصر أجدر، فيقول ابن عذاري (بعد ٧١٢هـ) في كتابه: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب[4] فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجالة، ليس فيهم راكب إلا القليل، فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى ظنوا أنه الفناء.. ويقول ابن الشباط (۱۸۱هـ): فاقتتل المسلمون والمشركون ثمانية أيام قتالًا شديدًا، وصبر الفريقان جميعًا صبرًا عظيمًا، ثم أنزل الله عز وجل نصره على المسلمين[5].
وهذا يدل ويؤكد أن القوط، لم يكونوا ضعافًا، كما يحاول تمريره بعض المؤرخين لإلغاء قوة المسلمين الإيمانية، وتميزهم بهذا الدين ونوعيته وروعة انتصاراته، كما يؤكد كذلك إنصاف المؤرخين المسلمين في الاعتراف بما عند عدوهم، وهو بدوره يؤكد أن المسلم أفضل من يكتب حتى تاريخ الأمم الأخرى، يذكر الحقائق كاملة، ويعطي صورة أفضل وسجلًا أشمل للأحداث، ليقدم فهمًا أجود، وهذا ما تجده متوافرًا فيما كتبه المسلمون عن الأمم الأخرى، تاريخًا وبلادًا ومجتمعًا، مما جعل تلك الأمم وأهل تلك البلدان يعتنون ويعتزون، ويترجمون ما دونه المسلمون عنهم، والشواهد على ذلك كثيرة طافحة.
واستمرت المعركة العيد كله؛ حيث انتهت يوم الأحد الخامس من شوال، ولمدة ثمانية أيام، والذي يبدو أن التشتت الذي حل بالجيش القوطي، كان في هذا اليوم الذي فيه قتل ملكهم لُذُريق، ولم يُعثَر له على خبر أو أثر أو دليل، وأن تتمتها كانت في اليوم الذي بعده؛ حيث أنزل الله تعالى نصره على المؤمنين.
فكانت هذه المعركة «معركة وادي البرباط» فتح الفتوح بالنسبة لفتح شبه الجزيرة الإيبيرية «الأندلس = إسبانيا والبرتغال اليوم» وهو نصر عظيم لم يكن سهلًا ولا هينًا ولا منتظرًا أبدًا بحال خالف كل الحسابات والقوانين والأعراف العسكرية؛ لدخول عامل جديد وفريد ومديد في الأمر، هو الإيمان بالله تعالى ونبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وكتاب الله العظيم، الإيمان الكامل بالإسلام والأخذ بالجهاد، ذروة سنام الإسلام سبيلًا ودليلًا ومجدًا أثيلًا.
[1] انظر التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة ص ٥٢
[2] وفيات الأعيان ابن خلکان 5/223.
[3] نفح 1/ ٢٦٥.
[4] انظر: التاريخ الأندلسي ٥٥
[5] انظر: التاريخ الإسلامي ٥٤
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل