; نقوش على جدار الدعوة (1261) | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة (1261)

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997

مشاهدات 71

نشر في العدد 1261

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 05-أغسطس-1997

حاجتنا- نحن المسلمين- إلى العمل

الأمة المسلمة مدعوة اليوم قبل الغد إلى العمل الجاد الدؤوب، وخير الأعمال ما داوم عليه صاحبه وإن قل، وإنما تبنى الأمم بالأعمال لا بالأحلام ولا بالأقوال والأماني، ويستحق الفرد منزلته في الآخرة بين الأبرار بعمله الصالح المبني على الإيمان، أو بين الأشرار بعمله الطالح المبني على الكفر والجحود والنكران.

العمل إذن طريق الرقي في الدنيا، وسبيل السعادة في الآخرة، ومع إيمان المسلمين بهذا إلا أنهم لا يعملون العمل المناسب الذي يدفع الحياة إلى الأمام دفعًا، ويرقى بهم في مصاف الأمم، ليكونوا على مقربة من قامتها السامقة، ومنزلتها العالية.

كأنما تطرق إليهم ذلك المفهوم الخاطئ الذي تسلل إلى عقولنا خلسة حين فهمنا أن الدين لا صلة له بالحياة، إذ يكفي أن الإنسان ينجو به من عذاب النار، أما أنه هو المحرك نحو العزة والكرامة، هو المحرك للهمم، هو الدافع للعمل، فذلك ما ليس للدين إليه سبيل، هذا وهمهم في فهمهم، وكم من فهم خاطئ عن صلة الدين بالحياة يعيش بيننا الآن، ويشدنا إلى القاع، دون أن يرفعنا إلى القمة.

فهل غاب عن الناس أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل؟ ولعلهم يظنون أن المقصود بهذا العمل هو العمل الصالح، وهل العمل الصالح في كثير من الأحيان إلا متصلًا بالناس يقدم لهم ما يحتاجون، ويؤخر عنهم ما به يتضررون؟ وهل غاب عن الناس أن من بات كالًا «متعبًا» من عمل يده بات مغفورًا له؟ وهل غاب عن الناس أن من كان يسعى على أبوين ضعيفين فهو في سبيل الله، ومن كان يسعى على صبية صغار فهو في سبيل الله؟ إن الرجل الذي سقى كلبًا غفر الله له، وإن المرأة التي حبست هرة دخلت بسببها النار، اليس هذان نوعين من العمل الدنيوي أحدهما فيه الخير فكان جزاؤه الغفران، وثانيهما فيه الشر فكان جزاؤه الخسران؟ وكم بين سقي كلب وإحياء نفس من درجات في مراتب العمل؟ وكم بين حبس هزة وقتل نفس أو إشراك بالله من دركات في إحباط العمل؟

فمراتب العمل متفاوتة، والناس فيها متفاوتون بحسب قدراتهم وطاقاتهم وعلمهم وابتكارهم وغير ذلك مما فضل الله به بعض الناس على بعض، ولكن هذه الجهود المتفاوتة تنتظم في سلك واحد يخدم الأمة، حين يبذل كل إنسان ما استطاع من عمل عقلي أو عمل يدوي في إتقان ومهارة، بحيث نصل في يوم من الأيام- وعسى أن يكون قريبًا- إلى أن تكتفي أمة الإسلام بما لديها في المرحلة الأولى، ثم يفيض ما عندها بعد ذلك على غيرها في جانبيه المعنوي والمادي، المعنوي المتمثل في الدين والقيم والأخلاق، والمادي المتمثل في كل ما يحتاج إليه الإنسان مما لا غنى عنه في أي مكان على وجه الأرض.

لترفع أمتنا بهذين الجانبين العمليين من قيمة الإنسان، فلا يظل حيوانًا ناطقًا، ولا حتى راقيًا كما ينظر إليه الغربيون، بل إنه جنس آخر غير الحيوان، وغير الشيطان، وغير الملائكة الكرام، إنه جنس كرمه الله، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، فكيف نوافق أصحاب الأهواء في تصورهم الناقص للإنسان، حين يعتبرونه حيوانًا همه إشباع الرغبات، وتحقيق الشهوات والملذات، ولا نتبع في تصورنا ما أخبر الله به من تكريم لهذا الإنسان حتى أسجد الملائكة لآدم أبي البشر؟

لقد انحرف تصور أصحاب الفلسفات الأرضية عن الإنسان فصار همهم الأول، بل الأوحد ما أخبر به القرآن: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (محمد:12)، فلماذا انحرف تصورنا نحن وعندنا الخبر اليقين عن هذا المخلوق المكرم؟

إننا نحاول أن نتبع الغربيين في كل أمر، ونلهث وراء أعمالهم الدنيوية التي بغيرها تتعثر الحياة، فلماذا نتبعهم في الأفكار والتصورات ولا نتبعهم في الأعمال والإنجازات؟ لقد صار الإنسان عبدًا للآلة، مع أن المفروض والمنتظر أن تكون الآلة في خدمة الإنسان، ولعل هذا الذي أخبرك به بعيد عن رأيك وفكرك، مع أن الأمر واقع بيننا اليوم، وإذا ما نظرت إلى كثير من البيوت وجدت الأقساط تكاد تفتك بجهود صاحب البيت، وتكاد تخربه لسداد قرض هنا، وقسط هناك في شراء بعض الأمور التي يمكن الاستغناء عنها بغير ضرر.

وإن العمل بجانبيه المادي والمعنوي المبني على الإيمان، يجعل أصحابه روادًا على طريق الخير للبشرية كلها؛ لأن العاملين المؤمنين المنتجين يدركون واجبهم نحو إخوانهم في الإنسانية، فلا يحرقون الغلات والحبوب حتى يحافظوا على بقاء الأسعار، ولا يلقون بمحصول في البحار لنفس الغرض، ولا يثيرون القلاقل في البلاد، ويبعثون الفتن بين العباد من أجل أن يبيعوا لهم سلعة معينة، يكسبون من ورائها الملايين، ولا يستفيد المشترون لها شيئًا يذكر حتى بعد سنين.

العمل في الإسلام عبادة، والمقصرون في أعمالهم لا يضرون- فقط- أنفسهم، بل يضرون غيرهم من البشر، ويؤثرون على التصورات والقيم، ويجعلون الحياة قحطًا حين يقودها الماديون الذين قست قلوبهم؛ فخلت من الرحمة والشفقة، إلا إذا كانت لهم من وراء ذلك مصلحة تذكر.

فهل نقوم بهذه العبادة؟ فنحقق قول شوقي أمير الشعراء:
        سعي الفتى في عيشه عبادة              وقائد يهديه إلى السعادة
        لأن بالسعي نماء الكون                   والله للساعين نعم العون
والأمم بحسب ما اعتاد أبناؤها، فإن عودتهم احتمال الشدائد، والصبر على المكاره، وإتقان العمل، وإشراقة الأمل، خلقت منهم رجالًا يشدون أزرها، ويقوون عضدها، وإن اعتادوا الرخاوة والترف، والكسل في العمل، والتهاون في المسؤولية، كانوا كلًا على الأمة وعالة عليها.

ونحن- بحمد الله- لم نكن كذلك، حين كانت أمتنا تقوم على الجهاد والاجتهاد، فكنا بحق كما قال شوقي:

ونحن في عين الوجود أمة                ذات اشتهار بعلو الهمة

والأمر محتاج إلى تربية، وإلى بعث للعزيمة، وإلى قبول التحدي المطروح علينا، والدين الإسلامي خير حادٍ لنا، وخير مرشد لأبنائنا على امتداد الأجيال.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 71

143

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

من يصلح للإرشاد؟

نشر في العدد 400

93

الثلاثاء 20-يونيو-1978

وجاءت سكرة الموت

نشر في العدد 321

96

الثلاثاء 19-أكتوبر-1976

التعليق الأسبوعي (321)