; الانتخابات المغربية: مفاجأة الإسلاميين و«بلقنة» سياسية | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات المغربية: مفاجأة الإسلاميين و«بلقنة» سياسية

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 05-أكتوبر-2002

مشاهدات 53

نشر في العدد 1521

نشر في الصفحة 30

السبت 05-أكتوبر-2002

  • أول انتخابات يجمع المراقبون على أنها جرت في ظروف سلمية نسبيًا وسط ضمانات صريحة من الدولة.

  • مفاجأة حزب العدالة والتنمية الإسلامي حين قفز ثلاث خطوات إلى الأمام صدمت الطبقة السياسية وأصابتها بالذهول.

  • مشاركة الإسلاميين في أي حكومة قادمة لن تكون سهلة في «مغرب» يعج بالمشكلات لكنها لن تكون إلا مكسبًا لهم وللنظام على السواء.

أسفرت الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم ٢٧ سبتمبر المنصرم عن فوز مستحق للتيار الإسلامي المعتدل ممثلًا في حزب العدالة والتنمية، فاجأ الجميع في الداخل والخارج، فإن الحزب في ثلاثة أرباع الدوائر الانتخابية التي دخل فيها، وهي ٦ دائرة من أصل ۹۱، أي أنه فاز في ٣٨ دائرة، كما حافظ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي يقوده رئيس الحكومة الحالي عبد الرحمن اليوسفى على مكانته في الانتخابات الأخيرة التي جرت عام ١٩٩٧ - بينما سجل عدد من الأحزاب الأخرى تراجعًا في مواقعه في إطار المفاجآت التي تمخضت عنها التجربة الانتخابية العالية بالمغرب، وقادت إلى «بلقنة» الخريطة السياسية وقلب التوازنات.

وهذه أول انتخابات يجمع المراقبون في الداخل والخارج على في ظروف سليمة نسبيًا، وفي ظل ضمانات صريحة من الدولة وإن لم تخل عملية الاقتراع من تجاوزات كشفت رسوخ الفساد السياسي الذي طبع جميع التجارب الانتخابية السابقة التي شهدها المغرب منذ ستينيات القرن لكن الفرق هذه المرة كان في صرامة الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية التي سجلت هذه الخروقات وأوقفت المسؤولين عنها وأعطت التوضيحات في شأنه إلى الرأي العام، وهو سلوك جديد - لم يكن مألوفًا - يدل على بداية نهج رسمي جديد في التعاطي مع الشأن السياسي في البلاد.

سياق الانتخابات الأخيرة:

أهم المعطيات التي طبعت سياق الانتخابات أنها الأولى من نوعها في عهد الملك محمد السادس الذي ولي مقاليد الحكم خلفًا لوالده الحسن الثاني في يوليو من عام ١٩٩٩، وقد حرص في غير ما مرة على تأكيد ضرورة ضمن نزاهتها كعربون على تسمية «العهد الجديد» التي أطلقت على فترة حكمه، وبذلك فإن هذه الانتخابات هي أول ترجمة سياسية لهذا العهد، لأن الانتخابات السابقة التي أفرزت حكومة التناوب الحالية جرت عام ١٩٩٨ في عهد والده وكان ينظر إلى البرلمان الحالي على أنه مزور ولا يعكس الإرادة الشعبية، وبالتالي فإن الحكومة المنبثقة عنه في نتيجة توافق بين القصر والمعارضة السابقة وليست نتاج الاقتراع الحر.

المعطى الثاني، أنها جرت في عهد أول حكومة مغربية تقودها أحزاب اليسار والمعارضة السابقة التي لم تنخرط في الحكم طوال أربعة عقود. ولم تخل طريقة تحضيرها لهذه الانتخابات، من حيث القوانين الانتخابية وتوقيت طرحها للمناقشة وإعمال مبدأ التوافق بين الأحزاب المشاركة في البرلمان - من انتقادات صادرة عن المعارضة حيث لم يتسن لها وقت طويل لمناقشة واقتراح تعديلات عليها.

والمعطى الثالث: تمثل في غياب وزير الداخلية السابق إدريس البصري الذي ظل يوصف باستمرار بأنه مهندس الخرائط السياسية وصانع الأحزاب منذ السبعينيات، ومن هذا المنطلق فإن مبادرة الملك بإبعاد البصري عام ۱۹۹۹ استقبلت من طرف جميع الأحزاب السياسية باعتبارها مؤشرًا على النية في تطهير الحياة السياسية، وكانت تلك المبادرة أولى الإشارات على إرادة الملك في دمقرطة الانتخابات.

أما المعطى الرابع: وهذا مهم، فهو التوتر السياسي الحاد الذي ساد خلال ولاية الحكومة الحالية بين المعسكر العلماني والمعسكر الديني، وليس فقط الإسلاميين على خلفية الإجراءات الحكومية الماسة بالهوية والمرجعية الإسلامية، وتجلى ذلك في معارك سياسية عدة حول قضية المرأة مع الصهاينة، والقروض الربوية ومسلسل التطبيع مع الصهاينة، الأمر الذي أرهص منذ البداية بأن الانتخابات ستشهد استقطابا قويًا بين الإسلاميين ممثلين في حزب العدالة والتنمية الذي وقف خلف كل هذه المعارك، والتيار اليساري والعلمانيين داخل المؤسسة البرلمانية وخارجها.

إسلاميون قاطعوا:

العدل والإحسان رغم كل ما أحيطت به الانتخابات المغربية من ضمانات رسمية بتحقيق نسبة عالية من النزاهة والديمقراطية، فإن عددًا من مكونات التيار الإسلامي والأمازيغيين والأحزاب ذات المنحى اليساري فضلت عدم الانخراط فيها ومقاطعتها. وقد اعتبرت هذه التنظيمات أن الضمانات المعطاة ليست كافية، لأنها ضمانات شفوية فقط ولم تترجم في نصوص قانونية محددة تضبط عملية الانتخابات وتضع حدًا لتدخل وزارة الداخلية في مراقبة مجرياتها، وشكلت المطالبة بتعديل الدستور قبل موعد جراء الانتخابات القاسم المشترك بين المقاطعين على اختلاف موقفها من قضية الدستورية من أجل تحديد سلطات الحكومة تحديدًا دقيقًا والفصل بين اختصاصاتها واختصاصات الملك.

جماعة العدل والإحسان التي يتزعمها الشيخ عبد السلام ياسين كانت أبرز الفاعلين الإسلاميين الذين فضلوا عدم المشاركة وقد حددت الدائرة السياسية للجماعة أسباب ودواعي هذا الموقف في وثيقة بسطت فيها رؤيتها للانتخابات والحياة السياسية في المغرب ومنظورها للإصلاح السياسي الشامل.

وترى الجماعة أن التعددية السياسية في المغرب ليست تعددية حقيقية عكس جميع التيارات السائدة في المجتمع، بل تعددية حزبية بدون تمايزات سياسية واضحة، أي تعددية أحزاب لا تعددية مشاريع الإصلاح، ومن هنا اعتبرت كل العمليات الانتخابية التي جرت في المغرب منذ الاستقلال «عملية تزيين الواجهة والتمويه على الرأي العام الدولي وامتصاص مطالب الفاعلين السياسيين»، كما اعتبرت المؤسسات المنبثقة عن هذه الانتخابات جميعها مؤسسات مصنوعة لا صلاحيات لها في مضمار اتخاذ القرارات الحاسمة إنما صلاحياتها تكاد تنحصر في تلقي الأوامر وتنفيذ التعليمات، في إشارة إلى صلاحيات الملك في توجيه عمل الحكومة وتسطير برامجها السلطات الواسعة التي يخولها له الدستور، ومن ثم خلصت الجماعة إلى أنه «لا معنى للمشاركة في الانتخابات في ظل دستور يكرس احتكار السلطة بمختلف أصنافها من طرف جهة واحدة، دون أن يوازي ذلك الاحتكار أي ردع من المسؤولية» أما تصور الجماعة للإصلاح فهو ما لم تكف عن النداء له منذ أكثر من عشر سنوات، وهو ضرورة الاتفاق على ميثاق إسلامي صادق عليه الشعب ويقطع صلته مع الماضي ومخلفات الماضي، ويؤسس رحلة جديدة يشارك فيها الجميع بدون إقصاء إلا من أقصى نفسه».

 البديل الحضاري: وبخلاف جماعة العدل والإحسان، طالبت «جمعية البديل الحضاري» وهي جمعية إسلامية حديثة تأسست عام ١٩٩٥ ويرأسها مصطفى المعتصم بمرحلة انتقالية مدتها عامان وتأجيل الانتخابات وتشكيل حكومة ائتلاف وطني عريض لإنجاز تعديل دستوري وتوفير المناخ السياسي والقانوني لضمان انتخابات أكثر شفافية، وقد سعت الجمعية في يوليو الماضي إلى تأسيس حزب إسلامي تحت اسم «حزب البديل الحضاري».

 لكن السلطات المغربية رفضت الترخيص له، ولم تقدم الجمعية مرشحين عنها ضمن أحزاب قائمة أو في إطار الترشح المستقل، ولكنها دعت إلى عدم التصويت لـ «المفسدين وأعداء الهوية الإسلامية للمغرب»، مما يؤكد أن أصوات أعضائها والمتعاطفين معها ذهبت إلى مرشحي حزب العدالة والتنمية، خلافًا لجماعة العدل والإحسان التي قاطع أعضاؤها الترشح والتصويت معًا.

 الحركة من أجل الأمة: وتأتي في المرتبة الثالثة من التيار الإسلامي المقاطع «الحركة من أجل الأمة» التي يرأسها محمد المرواني، وقد اعتبرت الحركة أن المغرب «لم يدخل بعد عهد التغيير الحق»، وأن شروط ترتيب استحقاقات ۲۰۰۲ «هي شروط معاكسة لمشروع التداول الفعلي للسلطة»، وأكدت بداية ضرورة القيام بتعديل الدستور والإصلاح السياسي.

.. ويساريون أيضًا قاطعوا:

أما التيار الحزبي اليساري المقاطع فتمثل في «حزب الطليعة الاشتراكي الديمقراطي»، وهو حزب صغير انشق عن حزب عبد الرحمن اليوسفي عام ۱۹۸۳ نتيجة انقسام أيديولوجي، والنهج الديمقراطي الجديد الذي تأسس حديثًا من أطر اليسار الراديكالي في السبعينيات الذين كانوا في السجون خلال العقدين الماضيين وغادروه بعد الانفراج السياسي في الأعوام الأخيرة، ولم يتم الترخيص له بالعمل العلني وعلى عكس هذا الأخير الذي ولد في الفترة ما بين محطتين انتخابيتين، فإن الحزب الأول لم يسبق له أن شارك في أي انتخابات سابقة.

... والأمازيغ أيضًا:

التيار الثالث الذي قاطع الانتخابات هو التيار الأمازيغي بشقيه الطائفي المتطرف والمعتدل المهادن وقد تمثل هذا التيار في ست جمعيات بررت مقاطعتها للانتخابات برفض الدولة النص في الدستور على أن الأمازيغ لغة رسمية ووطنية في المغرب إلى جانب اللغة العربية، وامتناع السلطة عن الموافقة على تأسيس حزب على أساس أمازيغي، واستمرار إقصاء الدولة المكونات هذا التيار، وعدم أخذ الحكومة لمطالبها بعين الاعتبار في إعداد مشروع الإصلاح التعليمي والقوانين الملحقة به، وقد جاء هذا الموقف المفاجئ من التيار الأمازيغي بعد ثلاثة أشهر فقط من تنصيب المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي أنشأه الملك في إطار سياسة ذكية لامتصاص المطالب الأمازيغية الجذرية، لكن المفاجأة الأكبر هي أن جل أعضاء المجلس الإداري للمعهد قاطعوا الانتخابات، إما مسايرة للخط العام، وإما انضباطًا لقرار الجمعيات التي ينتمي لها معظمهم.

ومع ذلك، فقد حضر الخطاب الأمازيغي في الانتخابات عبر حزبين سياسيين قديمين يعتبران امتدادا للسياسات الرسمية تجاه بربر المغرب منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وهما الحركة الوطنية الشعبية الأم، والحركة الشعبية التي انشقت عنها في الثمانينيات، كما ظهر هذا الحضور في مشاركة مرشحين أمازيغيين من مختلف الأحزاب المشاركة، وكانت اللهجة الأمازيغية حاضرة في الدعاية الانتخابية في الإعلام السمعي البصري وبدا كل ذلك محاولة للالتفاف على موقف المقاطعة الذي اتخذه التيار الأمازيغي المدني في تقليد واضح لبربر الجزائر بقصد الضغط على النظام لتلبية مطالبه.

من شاركوا:

أما الأحزاب التي شاركت في الانتخابات فوصل عددها إلى ٢٦ حزبًا سياسيًا، ثلثها تقريبًا ظهر في العامين الأخيرين فقط إما نتيجة انشقاقات داخل الأحزاب التقليدية القائمة، أو نتيجة مبادرات من نخب جديدة، مثل حزب القوات المواطنة الذي تأسس في العام الماضي من رجال أعمال، في إطار طموح النخبة الاقتصادية المؤثرة في البلاد إلى لعب دور سياسي.

وهذا العدد من الأحزاب المشاركة هو الأكبر من نوعه في تاريخ الانتخابات في المغرب الأمر الذي شتت أصوات الناخبين، وحال دون ظهور قوة سياسية  واضحة، بل إنه ميع الانتخابات، خصوصًا أن البرامج التي تقدمت بها أمام الناخبين لم تكن تختلف عن بعضها البعض إلا فيما يتعلق بالأولويات التي ركزت عليها، وهو ما خلق تشويشًا لدى الناخبين وأظهر الأحزاب المشاركة كجماعات أشخاص تريد الفوز بمقاعد في البرلمان أكثر منها هيئات سياسية لها مشاريع للإصلاح. 

وقد اتفقت الأحزاب على تخصيص حصة أو «كوتا» للنساء بنسبة ١٠٪ من مقاعد البرلمان زيادة على تقديمها لائحة وطنية للنساء، من أجل دفع المرأة إلى الانخراط في العمل السياسي ودخول المؤسسة التشريعية، لذلك فإن البرلمان المغربي المقبل سيكون أول برلمان في العالم العربي والإسلامي تحضر فيه المرأة بكثافة.

مشاركة محدودة:

تميزت هذه الانتخابات بنسبة مشاركة محدودة في صفوف الناخبين إذ لم تتعد نسبة المشاركة ٢٥٪ ورغم الجهود المكثفة التي بذلتها وزارتا الداخلية والاتصال والأحزاب السياسية لإقناع الناخبين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، حيث تم توظيف الإعلام السمعي والبصري والمكتوب لحث الناخبين على التصويت ولمدة تقارب الشهر يوميًا، وتجنيد الوجوه المعروفة لدى المغاربة من فنانين وممثلين ورياضيين في وصلات إشهارية مستمرة وتعزى أسباب هذا الامتناع عن التصويت من طرف الناخبين إلى عدة عوامل، أهمها رأسًا افتقاد ثقة المواطنين في العمل السياسي والأحزاب السياسية التي ينظر إليها كنوادٍ سياسية مغلقة، أو صالونات منقطعة عن الشارع، وكذا خيبة أمل المواطنين في الحكومات السابقة التي فشلت في التجاوب مع مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، وخصوصًا الحكومة الحالية التي تشكلت من أحزاب ظلت خلال الأربعين عامًا الماضية في المعارضة تنتقد جميع الحكومات وتعرض نفسها كبديل عنها، ما زاد في نفور الناخبين من المشاركة، فمعدلات الفقر والبطالة والأمية لم تشهد أي تراجع خلال الخمس سنوات الأخيرة، وبقيت الديون في حجمها السابق بل أضيفت ديون جديدة أثقلت الميزانية العامة للدولة، وملفات الفساد المالي الضخم الذي تم الكشف عنه في عدد غير قليل من المؤسسات العمومية لم يتم البت فيها قضائيًا، ودخلت دائرة الصمت الذي اعتبره الكثيرون برهانًا على وجود تسويات معينة وراء الكواليس التستر على المتورطين في هذه الاختلاسات.

وقد طرح نمط الاقتراع الجديد باللائحة مع التمثيل النسبي الذي جرى اعتماده لأول مرة هذا العام صعوبات كبرى أمام الناخبين الذين يتكون ثلثاهم من الفئة التي تنتشر الأمية في صفوفها والذين تعودوا في جميع الانتخابات الفائتة على النمط الأحادي الاسم الذي يركز على الأشخاص واللون الانتخابي وليس على الأحزاب والرموز الانتخابية، ولم تكن فترة التصويت والتوعية بهذا النمط الجديد في الإعلام الداخلي كافية لجعل الناخب يأنسه رغم تجنيد وزارة الداخلية لأطرها في حملة التوعية تلك، وهو أمر انعكس على إقبال الناخبين بالنتيجة.

 وتقود المشاركة المحدودة في الانتخابات إلى القول بأن النتائج المعلن عنها لا تعكس بالضرورة مواقف جميع من يحق لهم التصويت ولا تعبر عن اختيارات الشرائح العريضة التي لم تلتحق بصناديق الاقتراع، وكان يمكن لتصويت الغاضبين المنقطعين أن يقلب المعادلة التي حصلت هذا علاوة على إقصاء أكثر من مليونين من الشباب من المشاركة بسبب رفض الحكومة مطلب المعارضة تحديد السن الانتخابي بـ ١٨ سنة، وعدم مشاركة المغاربة المقيمي في الخارج الذين يقدر عددهم بنحو ثلاثة ملايين، نتيجة عدم سماح الحكومة بذلك، وهي المرة الأولى التي يتم فيها إقصاء المهاجرين من المشاركة في الانتخابات بالمغرب.

حظوظ الإسلاميين:

يمكن القول إن المفاجأة في انتخابات المغرب جاءت من حزبين يجتمعان، تدخلت المصادفة للجمع بينهما، وهما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليساري، وحزب العدالة والتنمية الإسلامي فالأول حافظ على موقعه السابق في انتخابات ۱۹۹۷ واستقر على رأس القائمة وكان الحزب قد تلقى خلال الخمس سنوات الأخيرة من عمر الحكومة لطمات عدد من أكثر من جهة، من المعارضة وأحزاب الأغلبية المشاركة معه في الحكومة على السواء، وركزت هذه الأخيرة انتقاداتها لليوسفي كوزير أول على ضعف وهزال المردود الحكومي في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك في محاولة للتخلص من تبعات المسؤولية أمام الناخبين وإلصاقها بحزب اليوسفي وفي خريف العام الماضي تلقى الحزب ضربة اعتبرها الكثيرون قاتلة بالنسبة لحزب هيمن طوال أربعين سنة على الحياة والثقافة السياسيتين بالمغرب وصار رمزًا للمعارضة القوية وطرح نفسه بديلًا للحكم وقاطرة لأي تغيير، وذلك عندما انشق عنه عدد من قيادييه وأعضائه أثناء انعقاد مؤتمره السادس، وأسسوا حزبًا جديدًا أطلقوا عليه حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، ولم يكن ذلك الانشقاق بالخسارة التي يمكن تعويضه لأنه قاد بالنتيجة إلى انقسام عمودي في هياكل الحزب الموازية، وأساء جناحيه النقابي والشبابي اللذين كانا بمثابة الرئتين اللتين يتنفس بهما. 

أما حزب العدالة والتنمية، فقد حقق المفاجأة بقفزه ثلاث خطوات إلى الأمام دفعة واحدة، مما صدم الطبقة السياسية وأصابها بالذهول، بحيث انتقل من ١٤ مقعدًا في الانتخابات إلى ۳۸ مقعدًا، علمًا بأن حزب العدالة والتنمية يغط كل الدوائر الانتخابية، بل اكتفى بتغطية ٥٦ دائرة فقط من أصل ٩١ بنسبة ٥٠٪ تقريبًا، فيما غطت الأحزاب الثلاثة المذكورة جميع الدوائر.

حملة إعلامية مكثفة ضد حزب العدالة:

المفاجأة التي صنعها الحزب لا تظهر فحسب في قفزه إلى المرتبة الرابعة خلف الأحزاب التي تنعت بالتاريخية والأطول سنًا، بل كذلك في عبوره الحملة الإعلامية المكثفة التي قامت ضده خلال العام الجاري ونشطت أكثر كلما دنا وعد الانتخابات واستهدفت إضعافه، وأكدت النتائج أن تلك الحملة لم تقتله بل سمنته كما يقول المغاربة، ووطدت حضوره ووفرت له انتشارا واسعًا في صفوف المواطنين. فقد كثفت أحزاب اليسار والعلمانيون والفرانكفونيون حملاتهم الإعلامية ضده لتخويف الناخبين ودفعهم إلى عدم التصويت له، وعزفت هذه الحملة على وتر «الخطر الأصولي»، والاكتساح الإسلامي الانتخابي والنموذج الجزائري المجاور، وجاء حدث اعتقال ما سمي بخلية تنظيم القاعدة في منطقة جبل طارق ليساعد في كثافة الحملة، بدعوى خطر التطرف الإسلامي الذي يهدد المغرب، وعلى إثرها طرحت قضية ما سمي بـ «السلفية الجهادية» بعد اعتقال أفراد من جماعة التكفير والهجرة قاموا بعمليات قتل وخطف بعدة مدن مغربية، وتم تصوير حزب العدالة والتنمية كما وكان الجناح السياسي لهذه الشبكة وكانت كل هذه التطورات الأمنية المتوترة بمثابة محنة قاسية للحزب.

وتعتبر هذه ثاني مشاركة لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه عبد الكريم الخطيب السياسي المخضرم الذي كان أحد قادة جيش التحرير المغربي في عهد الاحتلال الفرنسي للمغرب، وأحد مؤسسي حزب الحركة الشعبية في الخمسينيات إلى جانب المحجوبي أحرضان، قبل أن يغادرها ويبني لنفسه حزبًا آخر هو الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي أصبحت حزب العدالة والتنمية قبل خمس سنوات، بعد التحاق إسلاميي حركة التوحيد والإصلاح بها جوابًا على رفض الدولة السماح لهم بحزب سياسي إسلامي.

وقد شارك الحزب في انتخابات ۱۹۹۷ الاشتراعية والبلدية، وحرص في تلك الانتخابات كما في الانتخابات الأخيرة على تقديم ترشيحات محدودة وعدم تغطية كامل الدوائر، مؤكدًا السير المتدرج على سلم المشاركة السياسية، وتوجيه رسالة إلى النظام والنخبة السياسية تترجم اعتداله وعدم رغبته في الانزلاق إلى اكتساح انتخابي، مدركًا الظروف السياسية الداخلية والإقليمية الدولية وحالة التحسس من الحركات الإسلامية، وثقل النموذج الجزائري في مراكز القرار لدى هذه الدوائر الثلاث.

هل يشارك الإسلاميون في الحكومة؟

نتيجة تعدد الأحزاب المشاركة، فإن انتخابات المغرب أفضت إلى حالة من التشرذم الحزبي، ما يعطي منذ الآن مؤشرًا على طبيعة الحكومة المقبلة التي ستتشكل من ائتلاف حزبي أوسع من الائتلاف الحالي الذي يضم سبعة أحزاب غير أن احتمال دخول حزب العدالة والتنمية الائتلاف يبقى احتمالا واردًا، خصوصًا أن قضية المشاركة كانت قد طرحت داخل مؤسسات الحزب عام ۱۹۹۸، مع أنه في ذلك الوقت لم يكن يحتل سوى ١٢ مقعدًا في البرلمان صارت ١٤ فيما بعد بانضمام نائبين من حزبين آخرين، وسبق لعبد الإله نكيران العضو القيادي بالحزب والنائب في البرلمان، أن صرح في يوليو الماضي جوابًا عن إمكانية دخول حزبه الحكومة، فقال: إنه «بعد الانتخابات نحن مستعدون لدراسة أي مقترح من أية جهة كان والرأي نفسه عبر عنه الأمين العام للحزب الدكتور الخطيب حين لم يستبعد المشاركة واعتبر أن تطهير جهاز العدالة هو أول خطوة يمكن البدء بها في حال دخول حزبه الحكومة».

لكن مشاركة الحزب في أي تحالف حكومي لن تكون سهلة في مغرب يعج بالمشكلات، وهو ما يمكنه طرح عبء أكبر على الحزب واختبار مصداقيته وشعاراته الإسلامية، وبالمقابل، فإن مشاركته من شأنها تأكيد ما ظل جميع الإسلاميين المغاربة بمختلف أطيافهم يذكرون به وهو خصوصية المغرب الثقافية والسياسية التي تنحو منحى الاعتدال وخلق التوازنات وتبتعد عن صدام وباستثمار هذه الخصوصية الإيجابية، لا يمكن المشاركة الحزب إلا أن يكون مكسبًا ورصيدًا له وللنظام الجديد بالمغرب على السواء، والتغلب على حالة التوجس من الإسلاميين.

الرابط المختصر :