; إرهاصات الأدب الإسلامي.. أين يقف الأدب الإسلامي المعاصر، وما هو دوره؟ | مجلة المجتمع

العنوان إرهاصات الأدب الإسلامي.. أين يقف الأدب الإسلامي المعاصر، وما هو دوره؟

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1975

مشاهدات 81

نشر في العدد 235

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 04-فبراير-1975

إرهاصات الأدب الإسلامي..

أين يقف الأدب الإسلامي المعاصر، وما هو دوره؟

هذا السؤال يطرح نفسه في هذه المرحلة بعد أن رأينا أثر الآداب المختلفة في صباغة المجتمعات وتوجيهها وطرح قيمها وعقائدها. 

ففي الوقت الذي يحتدم فيه الصراح بين العقائد والأفكار في العالم نرى الأدب يبرز كوسيلة وغاية معًا لحمل الأفكار والعقائد، وطرحها في المجتمعات المختلفة، بل زرعها في النفوس والأفكار والمشاعر. ويزداد اهتمام المجتمعات بالأدب، ولا سيما بفن القصة والمسرحية لأنهما استطاعتا تجسيد الأفكار والعقائد بصور واقعية والباسها ثوب الحياة، ووضعها في الأطر الاجتماعية والبيئية المناسبة لتكون مستساغة مقبولة في الظروف والمراحل المختلفة.

وليس هذا غريبًا عن الإسلام، إذ كانت الكلمة السامية الجميلة هي الوسيلة التي خاطب بها الله سبحانه عباده، ولو كانت الفكرة المجردة كافية لصياغة الحياة وحدها، وضع الجيل الذي يحمل العقيدة لما نزل القرآن الكريم بهذا الاسلوب الرائع المعجز. 

ولكن الله سبحانه وهو الخالق العليم، أدرى بفطرة الانسان التي صيغت من الفكر والوجدان والشعور معًا، وهكذا يظل الفكر جزءًا من الفطرة الإنسانية، ولا يمكنه وحده أن يصنع الحياة، مهما عظم وبلغ من قوة الحجة والتأثير.

الفكر يحتاج إلى الكلمة الطيبة الجميلة تحمله إلى الحياة فيزهر ويثمر ويتفاعل بواسطتها مع الكيان الإنساني كله «الفكر والوجدان والشعور» ليصنع الحياة كما يريد.

وهكذا عرفت العقائد الأرضية هذه الحقيقة، فأرادت أن تستخدمها لإضلال الناس، بصورة مؤثرة خادعة في كثير من الأحيان مستغلة أحزان الإنسان وبؤسه، وصور الفقر والظلم التي تحيط به في أنحاء الأرض لتدغدغ أحلام المعذبين، وتحذر أعصاب الفقراء والمتعبين في بقاع الدنيا.

وكرست النظم والدول طاقات فنانيها وأدبائها لهذا الغرض، ووضعت أمام الموهوبين إمكانيات هائلة لتطوير الأساليب، واصطناع الأشكال الجديدة التي تغري وتجذب القارئ بغية التأثير على مشاعره، وفكره، ووجدانه، للوصول إلى غاياتها وتحقيق أهدافها واستطاعت أن تنجح في مجالات كثيرة، وتبلغ مرحلة بعيدة في غاياتها، ما دام القارئ القلق يبحث عن السعادة، ويسعى إلى الرفاه، ويركض وراء كل جديد لعله يتخلص من العذاب والقلق والأحزان.

والآن ما دور الأدب الإسلامي في هذا الصراع؟ 

قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد أن نلم بواقع هذا الأدب في حياتنا المعاصرة، والذي يبدو في الأفق أن الأدب الإسلامي الذي نعنيه ونتمناه لم يبرز إلى الوجود حتى الآن، ولعل هذه الحقيقة تثير القارئ، وتغيظ المهتمين في الأدب الغيورين على إظهاره وتطويره، ولكننا لا نستطيع علاج المسألة ما لم نتعرف على الواقع مهما كان الواقع مؤلمًا وقاسيًا.

الأدب الإسلامي المعاصر ما زال غائبًا، لا في صوره المتناثرة وآثاره المتفرقة، ومحاولاته الضعيفة المتباعدة، بل هو غائب كتيار وكفن؛ تيار له أسسه وعناصره وأشكاله وأطره، ومضامينه وأسلوبه، لكنه موجود - أيضًا – كآثار منفردة، متفرقة وكنصوص مبتورة في عدد من الآثار الضائعة التي تنتظر الحنو والتقدم والعناية.

هنا قصة، وهناك ديوان شعر، وهنالك نص،، أو مقالة، ولكنها ما زالت أفرادًا، متعثرة، وشواذًا لا يضمها هدف واضح.

لهذا، قلنا: إن الأدب الإسلامي المعاصر ما زال غائبًا كتيار وسط التيارات الأدبية المختلفة، وما دمنا وصلنا إلى هذا التقرير الجارح، فعلينا أن نبحث عن الوسيلة التي تضعنا على الطريق، وهنا لا بد من وقفة بسيطة أمام الأديب المسلم الذي نتصوره.

فهل الأديب المسلم هو الذي يخرج للمجتمع إنتاجًا عليه سمة التفكير الإسلامي، أو يصور جانبًا من المجتمع المسلم، أو يتحدث عن مرحلة من التاريخ الإسلامي، أو يضع لنا صورة عن جانب من الحياة بتفكير إسلامي؟

لعل هذا الأديب هو الأديب المسلم الذي نريده، أو لون من ألوانه، ولعله غير هذا كله، ولكن الشرط الضروري اللازم للأديب المسلم ابتداءً هو أن يكون الفنان الموهوب الذي يلتزم الإسلام فكرًا وسلوكًا، أي يعيش الإسلام واقعًا حيًا، ويتحرك بفكره ومشاعره، وآماله وأحلامه، وسلوكه من خلال تصوره الإسلامي.

وضرورة هذا الشرط ناتجة عن الأمور التالية:

۱ - الأدب - مهما كانت صوره، ومضامينه - لا بد أن يعبر عن الذات - الفردية، أو الجماعية - وهذه الذات ستأخذ أكثر صورها وتعابيرها من ذات الأديب نفسه وسيكون أدبه في - الوعي، أو اللاوعي – معبرًا عن ذاته وعواطفه وأفكاره وسلوكه وتصوره للحياة، وهذا ما يجعلنا نبعد الذين يفهمون الإسلام فكرًا، أو مثلًا، وينظرون إليه من خلال النظرة المثالية، نظرة الإعجاب والسمو دون أن يمارسوه واقعًا، أو يعتقدون به حياة تصوغ مجتمعات وأفرادًا، ولهذا يتغلب الواقع الذي يعيشونه بانحرافاته وقصوره وجاهليته على الفكر البارد الذي يحتل زاوية في عقولهم لا يمكنها أن تتفاعل مع الحياة ككل متكامل، بل تظل جزءًا قد يؤثر، وقد لا يؤثر ، وتتحول هذه الأفكار إلى فلسفات ونظريات تقف إزاء النظريات والفلسفات الأرضية. 

وهذا بعد عن حقيقة الإسلام، والأديب الذي يصدر بفكره - فقط - عن الإسلام أشبه ما يكون بالمستشرقين المعجبين بالإسلام، أو المفكرين الذين يدافعون عن الفكر الإسلامي، ونظم الإسلام بصور أقرب ما تكون إلى صور الانهزام الداخلي المعروفة.

۲ - إن مرحلة الصراع الحالية بين العقائد والأفكار تحتم على المسلم أن يقيم بناءه المعاصر على أسس راسخة متينة لا يداخلها الضعف، ولا يشوبها الغش، والأدب الإسلامي الذي يحاول أن يقف إزاء الآداب الأخرى بحاجة ماسة إلى وضع هذه الأسس الواضحة المميزة القوية التي يرفعها عاملون مخلصون، يجري الإسلام بدمائهم، ويمتزج مع أنفاسهم، ويعيش بهم ولهم، ويحسونه صورًا واقعية في كل زاوية وكل مجال.

٣ - وما دمنا ننظر إلى الأدب الإسلامي بهذه الصورة المتميزة القومية الواضحة، لهذا لا يمكن أن يقوم بهذا الدور إلا الذين صفت فطرهم وعقولهم ووقائع حياتهم من 

إرهاصات الأدب الإسلامي 

-الشوائب الجاهلية، فلا يعرفون استكانة ولا يرضون بهزيمة، ولا ييأسون أمام محنة بل تزيدهم المحنة ثباتاً  وتصميمًا، وتفجر عندهم الآلام إبداعا وفنًا، وتشعل نيران العذاب في نفوسهم منارات آخاذة فيغنون للحياة أعذب الألحان، ويبدعون للبشرية أروع الصور، ويعطون للإنسان أطيب الثمار والعطاء. 

فإذا تحددت لدينا صورة الفنان المسلم الذي نريده بقي لنا أن نشير إلى أهمية التجربة والتقويم.

فالتجربة رائد عظيم في الحياة، والفنان المسلم الذي يعيش إسلامه يفهم التصور الإسلامي واضحًا، ويعيش وقائع الحياة بحس متفتح ومشاعر ناضجة، وفكر مستنير، فإذًا الفنان يستطيع أن يستفيد من كل تجربة يراها، فهو يتمكن من قراءة الفنون الأدبية العاصرة قراءة الواعي البصير الموهوب، لكي يأخذ ما يلاءم واقعه وهدفه وحياته ويدع ما لا يفيد مهما كان مغريًا براقًا.

وكثير من الصور الحديثة للأدب لا يعيش إلا بروعة الجدة والغرابة أحيانًا ولا يلبث أن يموت بعد حين. والفنان الموهوب، بحسه النافذ، وبصيرته الشفافة، وعقله المستكشف قادر على هذا السبق الذي يتيح له التميز والوضوح وعدم التبعية، والاستقطاب وراء كل جديد.

الفنان المسلم -بمعنى آخر- قائد وليس تابعًا، يأخذ ما يبقى ويدع الميبتور القاصر الميت مهما بدا متوهجًا ساعة البزوغ ومهما علا صريخه وضجيجه عند الولادة.

ولهذا فإن السبيل أمام هذا الفنان مفتوحة للاستفادة من كل تجربة، وامتحان كل أسلوب، وأخذ الملائم، أما من حيث المضمون، فإن الحياة بسعتها وشمولها موضوعات مطروحة أمامه، وهناك موضوعات وموضوعات يمكنه أن يأخذ منها، ويبدع فيها.

وينبغي للفنان المسلم أن يخرج من إطار التاريخ والتراث بمعنى أنه يغوص في الواقع ليعالجه طبقًا للتصور الإسلامي. وسيرى أن صوته أقوى الأصوات، ولحنه أعذب الألحان، لأنه اللحن الإنساني الكريم، والصوت البشري الحقيقي. 

أما التقويم، فإنه يحتاج إلى الدارسين والمختصين الذين يولون الأدب الإسلامي الاهتمام الصادق بالنقد والتقويم والتوجيه، ويضعون له ومن خلاله الأطر والمبادئ والأسس، وبذلك يعمقون الجذور ويفتحون له الأبواب والنوافذ، ويستكشفون له الآفاق.

إنهم يتحملون مسؤولية كبيرة، مسؤولية -أقل ما ينبغي أن توصف- أنها مسؤولية شجاعة بها ،قد يحترق في ضرامها كثيرون، ولكنها لا بد لها من الإثمار أخيرًا لأنها طريق الحق والحياة.

هذه المسؤولية تزداد أهميتها وضرورتها عندما نرى أن النقاد المعاصرين يغفلون كل أثر من آثار الأدب الإسلامي ويضربون صفحًا عن كل إنتاج يأخذ طابع الإسلام، ويحكمون على صاحبه بالموت والعذاب والأحزان.

إن هذا الموقف مرتبط بطبيعة الصراع المحتدم بين الإسلام وأعدائه وبطبيعة التآمر الخبيث على الإسلام الذي يتخذ أشكالًا وأساليب، وتحشد في سبيله إمكانيات وطاقات. ومن ضمنها محاربة الأدب الإسلامي بإغفاله، ووضع العثرات في طريقه، والاستهانة به، ومحاربة أهله.

أما عندما يتقدم الدارسون والناقدون المسلمون لنقد الأدب الإسلامي وتقويمه بشجاعة ومسؤولية، فإنهم يفوتون على الأعداء فرصهم وغاياتهم ويسهمون في بناء أدب إسلامي معاصر. 

هذه الغاية السامية، وهذا الهدف الكبير يحتاج إلى مساهمة العاملين في هذا السبيل، يحتاج إلى تضافر الأدباء الإسلاميين والاستفادة من تجاربهم وتقويم إنتاجهم، وهذا يحتاج إلى إعطاء الأدب الإسلامي مكانته كوسيلة وغاية معًا لدى المسلم- بحيث لا يبقى في أذهاننا إن الأدب ترف وتسلية ولهو. إنه طريق في سبيل الغاية العظيمة لبناء حياة إسلامية تخلص الإنسان من القلق والعذاب والشقاء والأدب الإسلامي يقف في مرحلة الإرهاصات التي تسبق البزوغ والولادة.

هذه الإرهاصات مؤلمة، وصعبة لكنها مفرحة تحمل بشائر الأمل والحياة معًا، ولكن هذا الأمل يضع على عاتقنا مسؤولية العذاب والعبر والرعاية الأمينة حتى تكون الولادة صحية تحمل بشائر البقاء والخلود.

الرابط المختصر :