; هل أشهرت أمريکا سلاح الدولار؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل أشهرت أمريکا سلاح الدولار؟

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1987

مشاهدات 70

نشر في العدد 807

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 03-مارس-1987

  • السياسة الأميركية الجديدة تجاه الدولار بدأت تؤتي أكلها بانتعاش الاقتصاد الأميركي وبقدوم رءوس الأموال للولايات المتحدة

كان انخفاض الدولار وتقلبات سعر صرفه حديث الساعة ولا يزال في الأوساط الاقتصادية، وقد التهبت أسواق المال في الأسابيع الأخيرة وبخاصة يوم 30 يناير 1987 حيث شهد الدولار صعودًا قياسيًّا بـ2% بعد سلسلة تراجعات بدأت منذ سنة ونصف تقريبًا؛ أي منذ أواخر صيف 1985، ولكن عمليات الجذب والإرخاء الأخيرة شدت الأنفاس وشدت الأعصاب أيضًا وأرقت أولئك الذين وظفوا مدخراتهم بالدولار معتقدين أن هذه العملة في مأمن من العواصف والزوابع، وإذا بساسة أميركا يطوحون بها لغايات جهنمية ومرام اقتصادية أنانية لا تأبه بما سيصيب الآخرين والأبرياء من صغار المدخرين من شرور هذه اللعبة، والأنكى من ذلك أن الغموض مازال يلف مستقبل الدولار، فإذا باع المستثمر دولاراته فإنه يكون قد كرس الخسارة التي تكبدها وإن أبقاها فهو لا يأمن مزيدًا من الانخفاض فمن يضمن له أن أصحاب سياسة خفض الدولار لا ينزلون به إلى الحضيض؟ وحتى على الساحة الأميركية يبدو أن هنالك اختلافًا على الحد الأدنى الذي يجب أن ينزل إليه الدولار الأميركي؛ فبول فولكر رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي يرى أن الدولار قد بلغ حده الأدنى وأن مزيدًا من التخفيض قد يقلب الوضع ويعرض الاقتصاد الأميركي إلى الضعف، في حين يرى جيمس بيكر وزیر الخزانة أنه يجب مواصلة الضغط على الدولار حتى يبدأ العجز الهائل في الميزان التجاري الذي تعاني منه أميركا في التراجع (بلغ هذا العجز سنة ١٩٨٦، مائة وسبعين مليار دولار) غير عابئ ولا مكترث بالاحتجاجات التي ترد عليه من أطراف الدنيا، سواء من الأفراد أو المؤسسات أو الدول المتأذية من هذا الانخفاض، والتي ترى مدخراتها من الدولارات تذوب ذوبان الثلج تحت أشعة الشمس.

لماذا يخفض الدولار؟

إن تتبعًا لمسار الدولار منذ صيف 1985 ولبعض الأرقام الاقتصادية الأميركية ولما واكب ذلك من تصريحات لكبار القائمين على الشؤون الاقتصادية والسياسية الأميركية قد تعطينا فكرة عن الدوافع إلى خفض قيمة الدولار.

يجمع المحللون الاقتصاديون على أن قوة الدولار الأميركي كانت ظاهرة ميزت الفترة الأولى من عهد الرئيس رونالد ريغان وحتى في صيف ١٩٨٥ حيث بدأ تراجع سعر صرفه، كان الدولار لا يزال قويًّا تجاه العملات الأخرى، ومن الطريف أن بدء هذا التراجع لم يحصل بقرار من السوق، بل بقرار سياسي حيث شعرت أميركا أن دولارًا أميركيًّا قويًّا ومرتفعًا يرفع أسعار صادراتها؛ وبالتالي يضعف قدرتها التنافسية إزاء بضائع البلدان الصناعية الأخرى، فاتفقت في شهر أيلول ١٩٨٥ مع حلفائها على أن تعمل هي وإياهم على خفض قيمة الدولار خوفًا من تفاقم العجز في ميزانها التجاري، ويعرف هذا الإنفاق باتفاق «بلازا»، وقد استمر الدولار في الانخفاض، لكن المشكلة أن أميركا لم تحقق هدفها من هذا الخفض إذ لم تكسب سلعها قدرة تنافسية ولم يتحسن ميزانها التجاري بل ازداد سوءًا على سوء، وبالمقابل حقق المنافسان الرئيسيان لأميركا اليابان وألمانيا الغربية فوائض قياسية؛ حيث بلغ الفائض التجاري الياباني حوالي ٩٠ مليار دولار سنة ١٩٨٦، وبلغ الفائض التجاري الألماني الغربي حوالي ٥٠ مليار دولار في العام نفسه، في حين سجل الميزان التجاري الأميركي عجزًا يقدر بـ١٦٨ مليار دولار لنفس السنة.

وقد أدى هذا الوضع إلى توتر في العلاقات الاقتصادية بين أميركا من جهة وألمانيا الغربية واليابان من جهة ثانية. وكانت أميركا تبحث عن حل على حساب المنافسين لها (ألمانيا واليابان) يهدف إلى تحريك عجلة النمو وتنشيط تصديرها فطالبتهما بتخفيض الفوائد على الين والمارك، ولكن اليابان وألمانيا قاومتا الضغوط الأميركية بحجة أن ذلك قد يساعد على موجة جديدة من التضخم المالي لا سيما وأن كلا البلدين له فائض مهم من السيولة النقدية.

اشتعال حرب الدولار

بعد أن يئست أميركا من الضغوطات التي كانت تسلطها على حلفائها عامة وعلى اليابان وألمانيا بالخصوص لجأت إلى سياسة العصا وأشهرت العصا الأولى وهي:

1- الحماية الجمركية: لقد أشعرت واشنطن بون وطوكيو أن هنالك تيارًا سياسيًّا قويًّا في الولايات المتحدة الأميركية يطالب الآن بوضع قيود جمركية على العديد من السلع المستوردة، وقد أبرزت الانتخابات النيابية الأميركية هذا التيار، وذلك بفوز الحزب الديمقراطي المعارض والمتحمس لوضع قيود جمركية على الواردات.

2- جاء دور العصا الثانية في شهر نوفمبر 1986؛ وهذه العصا هي الدولار المخفض، فقد عمدت الإدارة الأميركية إلى تخفيض الدولار أكثر فأكثر لإيذاء الصادرات اليابانية والألمانية الغربية بالخصوص. وقد أدلى جيمس بيكر وزير الخزانة بتصريحات تشير بوضوح إلى هذه السياسة الجديدة والتي كان من شأنها دفع الدولار إلى مزيد من الهبوط. وهكذا صارت حرب الدولار مكشوفة وهي تترجم عن حرب تجارية بين أميركا ومنافسيها الاقتصاديين، ولكن هذه الحرب وصلت شظاياها أطراف الدنيا نظرًا للترابط التجاري بين دول العالم وتعامل الجميع بالدولار.

كيف كانت ردود الفعل؟

يبدو أن أميركا كسبت الجولة الأولى؛ إذ قدمت كل من اليابان وألمانيا الغربية بعض التنازلات بتخفيض سعر الفائدة بنسبة 1/2% وبدأ البلدان يشكوان من تراجع في النمو الاقتصادي بسبب الارتفاع الكبير في قيمة الين والمارك، والذي ينعكس غلاء على البضائع الألمانية واليابانية، ولعل هذا ما دعا اليابان منذ أيام قليلة إلى الإعلان عن تخفيض قيمة الين بنسبة 1% وربما تحذو ألمانيا حذوها، ولكن كل هذه الإجراءات تبدو غير كافية وستظل الحرب قائمة إلى حين التوصل إلى صيغة واضحة في التعامل الاقتصادي متفق عليها. ويعمل الأوروبيون جاهدين حاليًا على توحيد النظام النقدي الأوربي والإسراع بوضع العملة الموحدة «اللايكو» موضع التعامل حتى قبل الموعد المقرر لها وهو سنة ۱۹۹۲ لمواجهة السياسة الأميركية.

ويرى كثيرون أنه ما من حل سوى تثبيت سعر العملات والسعي لإخراج الدولار ولو بالتدريج من دوره كقاعدة للصرف والتبادل مع مواصلة الحوار مع أميركا قصد إفهامها أن سیاستها الجديدة قصيرة النظر وأنه عليها أن تحل مشكلتها داخليًّا بإعادة تنظيم سياستها التصنيعية والإنتاجية.

أما بعض البلدان الأسيوية التي بدأت تثبت أقدامها في المجال الصناعي مثل كوريا الجنوبية وتايوان وتايلاند التي بدأت بضائعها تغرق الأسواق الأميركية فإنها راقبت انخفاض الدولار بحيرة وتبرم؛ لأنه يضر باقتصادياتها التي حققت تقدمًا انعكس على ارتفاع قيمة عملاتها ما بين 4 و11% وعندما توضحت لهم أهداف حرب الدولار أسرعوا إلى التخفيض من قيمة عملاتهم الوطنية حتى يتقوا رياح العاصفة ولو مؤقتًا، وحتى يحافظوا على قدرة بضائعهم التنافسية، ولم تعجب هذه السياسة الآسيوية واشنطن لأنها تمتص زخم حرب دولارها، ولذلك سعت واشنطن لإثناء المسئولين الأسيويين عن هذه السياسة، ولكنهم رفضوا الانصياع لها لأن الأمر يتعلق بأرباح ضخمة تحققها صادراتهم ليس لأميركا فحسب بل لأوروبا والشرق الأوسط ومناطق مختلفة من العالم.

آثار حرب الدولار على العرب

مما لا شك فيه أن انخفاض سعر صرف الدولار سيساعد الدول المدينة على خفض عبء ديونها التي تسددها بالدولار، ولكن انخفاض الدولار ينعكس سلبًا عليها إذا كانت مصدرة للمواد الخام وينعكس سلبًا بالخصوص على الدول المصدرة للنفط؛ لأن سعر البرميل من النفط مقوم بالدولار، وهو حاليًا في حدود 18 دولارًا، وبالتالي بقدر ما ينخفض الدولار تنخفض عائدات النفط، لذلك هناك قلق في الأوساط الحالية العربية إزاء هذا الانخفاض، وهنالك أصوات تنادي بتنويع العملات التي يتقاضى بها البائعون ثمن نفطهم، فما المانع من بيع النفط لفرنسا بالفرنك الفرنسي ولليابان بالين الياباني عوضًا عن الدولار؟ لاسيما أن العديد من السلع والمواد يتم تسديد ثمنها بالين أو المارك، وهي عملات مرتفعة بالنسبة للعملات الأخرى.

التنبؤات بمستقبل الدولار

أغلب خبراء السوق يلزمون الحذر والتريث في هذا الصدد وإن كانت بعض المؤشرات تدل على أن السياسة الأميركية الجديدة بدأت تؤتي بعض أكلها بانتعاش الاقتصاد الأميركي وبقدوم رؤوس الأموال للولايات المتحدة، وقد جاء في الأنباء أن مئات الشركات التي تنتمي إلى 42 دولة (معظمها أسيوية وأوربية) قد أقامت أخيرًا وتحت إغراء انخفاض الدولار مؤسسات ومصانع في أرجاء أميركا، وهذا يعني أن الدولار حتى إذا ما بقي ضعيفًا على المدى القصير فالمرجع أن يأخذ مرة أخرى في الصعود على المدى المتوسط خاصة إذا تحسن أداء الميزان التجاري الأميركي>
الرابط المختصر :