العنوان المجتمع التربوي (العدد 1619)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004
مشاهدات 72
نشر في العدد 1619
نشر في الصفحة 54
الجمعة 24-سبتمبر-2004
سمية رمضان
تجربتي في التحرك بالقرآن
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي، فلا نكتفي بمجرد تلاوته، ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف.
دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.
أي: نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيع للقلب وذهاب للهم وجلاء للحزن، سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشترك تفيها مجموعة من النساء، تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًّا، وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
علاج الغل
﴿ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10)، وهي هبة ورحمة من الله على أهل الجنة.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ ﴾ (الأعراف: 43).
جاءتني أخت كريمة متسائلة: يا أختاه أشعر في المسجد وكأني طير أسبح في الفضاء، وما أجمل ما أسمع من أقوال تبهج نفسي وصدري، ولكني في المنزل مع متطلبات الحياة وضغوطها أجد كل هذه الأقوال، وقد تبخرت مع أفعالي، وأجهشت بالبكاء، لفت نظري صدقها في أحاسيسها فهي ليست الوحيدة التي تعاني من هذا الأمر، ولكن هناك كثيرات مثلها حتى إن بعض الأزواج يرفضون ذهاب زوجاتهن لحضور المحاضرات بدعوى أنهن لم يتأثرن بهذه الدروس في حياتهن وأفعالهن، أخذت أهون عليها وسألتها عن مشكلتها الحقيقية التي أسالت دمعها، قالت: إن زوجي عصبي المزاج سريع الانفعال فيجعلني مضطرة للرد عليه بكلمات حادة قوية وهو يفعل كذلك مما يشعرني بالضيق الشديد منه، ويشعرني بالغل تجاهه، وهكذا أشعر أني في منحدر شديد لا أستطيع الإفلات من سقوطي المحتم فيه.
ابتسمت وقلت لها: ها هي يدي فتثبتي بها وباليد الأخرى تمسك بحبل متين قوي، وهو الاعتصام بالقرآن والرجوع إلى القرآن للتحرك به، مسحت دموعها مبتسمة وعيناها تبرقان بالأمل، وقالت: لهذا جئت إليك، قلت لها: آيات الرحمن ما أنزلت إلا للتحرك العملي بها بعد دراستها وفهمها، ولابد أن نتفق على أساس عليه يكون البناء، هل أنت متفقة معي على أن مفتاح جنتك بيد زوجك، وأنك لن تدخليها إلا إذا ناوله لك برضاه عنك، قالت متمتمة: هذا هو ما يقلق تفكيري، قلت لها : الحمد لله إذا أنت متفقة معي أنك تتمنين أن يناولك زوجك مفتاحك لتفتحي به الجنة، فالزوج إذا حبيبتي ليس عدوًا، ولكنه من أحب الناس وأقربهم منك، فبرضاه تنالين رضا الرحمن وعطاياه ولنجرب معه بشكل عملي تطبيقي آيات علاج غل قلبك وقلب كل من يتحرك بها، سواء مع زوج أو أخ أو جار أو أولاد فهو نبراس به تتضح الأمور، فلنتصفح معًا آيات الرحمن، ولنخرج من المصحف الآيات التي تساعدنا على نزع غل القلوب منك ومن غيرك، فإن أساء لك زوجك فأحسني إليه.
فإن تفوه بكلمات لا تليق قبل ذهابه إلى العمل أو افتعل معك مشاجرة كان فيها ظالمًا لك، ثم ذهب إلى عمله وتركك تضربين أخماسًا في أسداس والشيطان يلهو بك كالدمية، مما يؤثر على أعصابك وأفكارك والتي تذهب بك في بعض الأحيان إلى حيث يكون غضب الجبار، فبدلًا من استنفاد طاقتك فيذلك تحركي بقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34)، فقومي استجابة لأمر الله واستنفدي طاقتك في المكر الحسن الطيب فزيني منزلك وفكري في أحلى طعام يحبه زوجك، وتفنني في إبداع صنعها، وعند قرب وصوله اختاري أحسن ثيابك، ولتعل ابتسامتك ثغرك مرحبة به وبقدومه، وقد تعطر لسانك بحلو الكلام كما هي ثيابك ولا تعاتبي إلا في الوقت المناسب إن كان هناك عتاب، فالتحرك بهذه الآية أتى بثمار طيبة لكثير ممن قام بتجربتها، بل كثير من الأخوات لم تعاتب الزوج فقد أنساها الله ما قال حبا لها وتشجيعًا لتحركها بآية في كتاب الله يرددها الناس ولا يعملون بها، سرحت قليلًا وقالت: والله أمر صعب قلت لها: لا يجعله كذلك إلا الشيطان، فالقرآن أتى ليلائم بشريتنا وسبحانه أدرى بمن خلق، فإن شعرت بذلك، فليكن تحركك بهذه الآية: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 36) فاجعلي من يسمعك يراك مستعيذة به من الشيطان فيوفر لك سبحانه الحماية من الشيطان، فلا يشطح بك إلى حيث الندم والحزن، قالت: سبحان الله أستطيع أن أفعل ذلك حقًا! قلت لها فعلها الكثيرون غيرك فإن أتاك الخور والوهن في تنفيذ وصية الرحمٰن وتوجيهه لك فقولي أختاه: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون: 98)، ثم لا تنسي أن كل أمر فيه تحرك بالقرآن يحتاج إلى صبر وأمل كبيرين فبما عند الله ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 35).
قالت: أعني يا رحمن.
قلت لها: إن أردت معونة الرحمن فعليك بالعفو عن زوجك وتذكري كم أحسن إليك في غير أوقات غضبه ولا تجعلي الغضب سبيلك، فالذين آمنوا من صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: 37).
وتساءلت: أليس عندك ذنوب وهفوات تتمنين لو غفرها الله لك؟ فهذه هي فرصتك الذهبية فاغتنميها ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ ﴾ (النور: 22).
كظم الغيظ
ويعلم سبحانه أن قلبك في هذا الوقت يكون قد امتلأ غيظًا، فهو يجعلك في مرتبة الصالحين إن كظمت غيظك ولم تظهريه في أقوالك وردود أفعالك ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134).
قالت: سبحان ربي وكأني أسمعها لأول مرة، قلت لها : أريدك أن تتحركي بها، وأن تتذوقي حلاوة تنفيذها، قالت: الكلام سهل وجميل، ولكن كيف يمكنني كظم غيظي وهو يكون كالبركان الثائر لا يهدأ عن الحركة حتى يثور؟ قلت لها: ألم أقل لك: إن الله خلقنا ويعلم كيفية علاج مشكلاتنا؟! فهو الخلاق العليم فسبحانه وهب لك معجزة تمكنك من التحكم في هذا البركان قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 9٨- ٩٩).
تجربة عملية:
وسأروي لك تجربة عملية تحركت بها أخت فاضلة بآيات الرحمن فأرادت أن يكون القرآن معها ليس فقط في قلبها أو على لسانها، بل في كل جوارحها، فهي تقول: «في يوم بدأ زوجي يعاتبني على أمر هين ليس بذي بال وزاد الأمر ووصل العتاب إلى نهر بصوت عال وعصبية شديدة، وبدأ بإثارتي بكلمات لا داعي لها ولا تتناسب مع هذا الموقف وأنا أسمع والبركان يغلي بقلبي يكاد ينطلق ليكتسحه بصرخاتي المعهودة، ولكن كلمات الله كانت أقوى وأقرب إلى قلبي، فإن ما أشعر به علاجه التسبيح ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 9٨- ٩٩)، قلت في نفسي: هل أستطيع فعل ذلك في هذا الموقف فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم، وقلت الله أعلم بي من نفسي وبدأت بالفعل أسبح ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87).
وأخذت أسبح ربي بما تعلمته وحفظته وأخذت في تنزيهه سبحانه بأكثر مما تعلمته وزوجي- بلا جدوى مسترسل بإهانته لي وكأنما الشيطان يوسوس له ويسلطه على بعد أن يئس من الوصول إلي، فما كان مني إلا أن أكملت الآية بشكل عملي حيث انسحبت من میدان المعركة، وتوضأت للصلاة لأكون من الساجدين كما أمرني الخالق. عندما شرعت بالصلاة هدأ زوجي تمامًا فقد بهت لما رأى، وكان خجله من نفسه كفيلًا بأن يستغفر الله وينسحب حتى هذا تمامًا، ثم أراد بعد ذلك أن يسترضيني فوجدني لينة هادئة مبتسمة غير معاتبة مما جعله في حيرة من أمره فقلت له: إني أود منك أن تعطيني مفتاح جنتي فقد اشتقت لها، ولن أجعل الشيطان يمنعني من تحقيق حلمي، ضمني إليه وهو سعيد مغتبط قائلًا: كنت دائمًا ترددين «القرآن جنة الدنيا» وهذه أماني تتحقق بالفعل مع حركتك بالقرآن. ومن ذلك اليوم وزوجي ينتظر ميعاد دروس التحرك بالقرآن لأسرد له الآيات التي درسناها وكيف تكون حركتنا بها، وسبحان الله كان القرآن في منزلنا أراه في حركتي وحركة زوجي وأولادي، لقد أصبح منزلي جنة فبفضل الله ومعجزة القرآن الكريم قالت: أختاه من اليوم سأتغير بكتاب الله.
الطمأنينة والسكينة
افترقنا وأنا أدعو لها، وكم كانت سعادتي غامرة عند دخولي المسجد في يوم من الأيام حيث وجدت هذه الأخت الكريمة تجلس مع امرأة شاكية وهي تمسح لها دموعها، وتعلمها كيف تتحرك بالآيات التي فيها الحل لجميع مشكلاتنا.
ورأيت على وجهها مسحة من الطمأنينة والسكينة مما أضفى عليه جمالاً عن ذي قبل، فتذكرت الصحابي الجليل الذي أشار عليه ﷺ وقال إنه من أهل الجنة فتتبعه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وتعلل بعلل واهية تمكنه من المبيت معه عدة أيام، ليرى مدخله ومخرجه ويعلم أين السر في عباداته التي جعلت رسول الله ﷺ يقول هذه البشرى، وكانت المفاجأة فصلاته وصيامه وقيامه قليل عنه، فأخبره بما قال ﷺ وسأله متعجبًا: ماذا يفعل ليقتدي به لعله ينال بشرى من رسول الله ﷺ فرد عليه بقطرة وتلقائية وقال: عندما أخلد إلى النوم لا أبقي في صدري غلًا لبشر، بل أسامح وأنا مطمئن البال هادئ النفس.
أم المؤمنين «حفصة بنت عمر» رضي الله عنها: الصوامة القوامة
هي أم المؤمنين العابدة الصوامة القوامة ابنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب، ولدت «رضي الله عنها» وقريش تبني الكعبة قبل البعثة بخمس سنوات، وأسلمت بعد إسلام والدها وتزوجت من خُنيس بن حذافة بن قيس الذي هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى ثم عاد إلى مكة، وأخذ زوجته حفصة وهاجرا معًا إلى المدينة المنورة ليشارك خنيس في معركتي بدر وأحد حيث جرح في الثانية وتوفي على إثرها، وبقيت السيدة حفصة أرملة بلا زوج، فعرضها أبوها عمر على عثمان ثم على أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، فلم يقدم أحدهما على ذلك، حيث تزوجها رسول الله في سنة ثلاث من الهجرة، وحدث أن طلقها النبي الكريم، فأتاها خالاها ابنا مظعون فبكت وقالت لهما: والله ما طلقني رسول الله ﷺعن شبع، ولما علم عمر بن الخطاب خبر طلاق ابنته حثا التراب على رأسه وقال: ما يعبأ الله وابنته بعد هذا، فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله ﷺ وقال: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر رحمة بعمر»، فدخل رسول الله ﷺ وقال لها :« إن جبريل عليه السلام أتاني، فقال لي: ارجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة»، وعندما أراد عمر عودة المجاهدين إلى أهليهم بعد حادثة المرأة التي قالت لأمير المؤمنين عمر «رضي الله عنه»: أغزيت زوجي منذ أشهر وقد اشتقت إليه وسأل ابنته حفصة أم المؤمنين: كم تشتاق المرأة إلى زوجها، فخفضت رأسها واستحيت فقال عمر: إن الله لا يستحى من الحق. وأشارت بأصابع يدها الأربع، فكتب عمر إلى عماله أن لا يغيب أحد أكثر من أربعة أشهر.
كانت عندها الصحيفة التي جمع القرآن الكريم فيها، فطلبها عثمان بن عفان منها وأشهد عليها ونسخها ووزعها على الأمصار الإسلامية، أقامت أم المؤمنين حفصة بالمدينة المنورة عاكفة على العبادة قوامة صوامة حتى وافاها الأجل سنة ٤٥ للهجرة، فصلى عليها مروان بن الحكم، وهو يومئذ عامل على المدينة وتبعها إلى البقيع حتى فرغ من دفتها مع أمهات المؤمنين رضي الله عنها.
محمد مصطفى ناصيف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل