العنوان هندسة التأثير: سمو الهمم والاهتمامات
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 94
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 45
السبت 02-يونيو-2007
لا بد أن تسمو الاهتمامات، وتعلو الهمم حتى تتناول القضايا العظمى بدلًا من أن تغوص في أمور هامشية أو فرعية فيكثر الخلاف والشقاق.
إن التوجه إلى الهموم الكبرى للأمة يجعل المسلمين يرتفعون عن تجريح بعضهم بعضًا في أمور لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن خصومنا يريدون منا أن ننشغل في التوافه فيدور حوارنا وتفكيرنا ومن ثم تجريحنا لبعضنا البعض، يريدون أن يدور كل ذلك في دائرة المرجوح لا الراجح، وفي دائرة الفروع لا الأصول.
لقد أرهقت الأمة الإسلامية بهذا التفكير السطحي، وأضناها هذا الانشغال فيما لا ينبغي الانشغال به، حتى تقدم عليها أحفاد القردة والخنازير وعباد الصليب وغيرهم ممن كانوا في يوم من الأيام تبعًا لأمة التوحيد.
أرسل أحد التجار الأغنياء ولده في تجارة ليعوده على الأسفار واقتحام الأخطار، فرأى في طريقه ثعلبًا طريحًا يتلوى من الجوع فقال: من أين يتغذى هذا المسكين؟
وإذ بأسد أقبل يحمل فريسته، فانزوى الولد وهو يرتعد ثم راقب الأسد حتى أكل فريسته وترك منها بقية لا خير فيها ومضى.
فقام الثعلب وأكل من فضلة الأسد، والولد يعجب من صنع الله في خلقه، وما ساقه إلى هذا الحيوان العاجز من الرزق، وقال في نفسه: إذا كان المولى سبحانه وتعالى قد تكفل لخلقه بالأرزاق، فلأي شيء احتمال المشاق وركوب البحار واقتحام الأخطار؟ ثم انثنى راجعًا إلى والده وأخبره بما رآه، وأنه بسببه قد عدل عن السفر.
فقال له أبوه: يا بني، لقد أخطأت النظر، فإنما أردت أن تكون أسدًا يأكل من فضلاتك الضعاف الجياع لا أن تكون ثعلبًا جائعًا تنتظر قوتك من فضلات غيرك.2
ودخل عمرو بن سعيد على معاوية بعد موت أبيه، وعمرو يومئذ غلام، فقال معاوية: من أوصى بك أبوك يا عمرو؟ قال: إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي، فقال: وبأي شيء أوصاك؟ قال: أوصاني ألا أفقد منه إلا شخصه، فقال معاوية لأصحابه: إن ابن سعيد هذا سيكون نعم الخلف لأبيه3.
يقول الشاعر:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
فكن طالبًا في الناس أعلى المراتب
إن من أكثر ما يوقع الناس في حفرة الاختلاف وينأى بهم عن الاجتماع والائتلاف فراغ نفوسهم من الهموم الكبيرة والآمال العظيمة والأحلام الواسعة، وإذا فرغت الأنفس من الهموم الكبيرة، اعتركت على المسائل الصغيرة، واقتتلت- أحيانًا- فيما بينها على غير شيء!
ولا يجمع الناس شيء كما تجمعهم الهموم والمصائب المشتركة، والوقوف في وجه عدو مشترك، وما أصدق ما قاله أحمد شوقي: إن المصائب يجمعن المصابين!
وإن من الخيانة لأمتنا اليوم أن نغرقها في بحر من الجدل حول مسائل في فروع الفقه أو على هامش العقيدة، اختلف فيها السابقون، وتنازع فيها اللاحقون، ولا أمل في أن يتفق عليها المعاصرون، في حين ننسى مشكلات الأمة ومآسيها ومصائبها.
من الخيانة أن يحمى الوطيس، وتنصب المجانيق ويتقاذف الناس بكلمات أشد من الحجارة وأنكى من السهام، من أجل مسائل تحتمل أكثر من وجه، وتقبل أكثر من تفسير، فهي من مسائل الاجتهاد التي دلت على سعة هذا الدين ومرونته، المصيب فيها مأجور والمخطئ فيها معذور، وخطؤه فيها مغفور، بل هو بنص الحديث مأجور.
لهذا كان من الواجب على الدعاة والمفكرين الإسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أمتهم الكبرى، ويلفتوا أنظارهم وعقولهم وقلوبهم إلى ضرورة التركيز عليها والتنبه لها، والسعي الجاد ليحمل كل فرد جزءًا منها.
إن أبناء المسلمين في أقطار شتى يموتون ماديًا من الجوع والمرض، ويموتون معنويًا بالجهل والأمية وانتشار المخدرات، ويتعرضون لأخطار التنصير والتكفير والتضليل، فكيف لا نهتم بأمرهم ونسعى لإنقاذهم؟ ومن لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم.
إن الأمة المسلمة لا تزرع ما تأكل من القوت الضروري، ولا تصنع ما تستخدمه من السلاح اللازم للدفاع عن الحرمات، ولا من الآلات ما يجعل لها وزنا واعتبارًا، أفيسع مسلًما غيورًا على دينه، مهتمًا لأمر أمته، عنده شيء من عقل، أن يعرض وينأى بجانبه عن هذه الهموم الضخمة، ثم تراه يقوم ويقعد ويبرق ويرعد من أجل جزئيات علمية أو سلوكية، لا تدخل في دائرة الضرورات ولا الحاجيات؟!
إن مشكلتنا اليوم ليست مع من يقول بأن القرآن كلام الله مخلوق، بل مع الذين يقولون: القرآن ليس من عند الله بل هو من عند محمد، أي الذين يقولون ببشرية القرآن.
ثم مشكلتنا كذلك مع الذين يؤمنون بإلهية القرآن، ولكنهم لا يرتضونه منهجًا للحياة ودستورًا للدولة والمجتمع.4
2 علي فكري السمير المهذب، ج ۱، دار الكتب العلمية بیروت ۱۹۷۹ ، ص ٤٦- ٤٧.
3 المرجع السابق، ص ٤٧.
4 يوسف القرضاوي: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، دار الصحوة ص ١٣٥- ١٤٣ «باختصار».