; حول استراتيجية الهجرة | مجلة المجتمع

العنوان حول استراتيجية الهجرة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1882

نشر في الصفحة 37

السبت 26-ديسمبر-2009

اصطراع الحق والباطل في جولات كثيرة على امتداد التاريخ طولاً وعرضًا سنة من سنن الله في الكون ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر:٤٣).

ويزداد الصراع وتعلو موجته كلما ارتفعت أمامه حواجز الحق وازدادت مقاومته وصموده، إذن فبقدر عظم الرسالة وسمو التعاليم يكون عنفوان الباطل والضلال، ولهذا كان رواد الرسالات العظمى أولي عزم شديد «أشد الناس بلاء الأنبياء والمرسلون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه».  ومع هذا فالعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، صدق الله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:١٨).

ودائمًا يبدأ الصراع قويًا ومدمرًا عند رؤية الحق ولأول وهلة، لأن الحق وافد ضعيف على باطل مستحكم، له ملأ وحاشية وسدنة وجند، فضلا عن واقع مستكين وعادات متغلغلة، ودائماً أيضاً ينزل الباطل إلى الساحة بأسلحته المعروفة سلفًا -التي لم تتغير على مدار التاريخ- وهي البطش والتنكيل والتعذيب والقتل.. إلخ، وينزل الحق كذلك بأسلحته المعروفة سلفا، وهي الهداية والحجة والبيان والحكمة والصبر، إلى أن يستعد، ويعد، ويمتد الصراع وكل له استراتيجيته ووجهته التي هو موليها. وصراع رسول الله ﷺ مع الجاهلية الوثنية كان على هذا الغرار، استعملت فيه كل أدوات الصراع وفقاً لطبيعة الجانبين حسب استراتيجية تؤدي إلى الغرض المطلوب والموصل إلى غاية كل فريق.

فالمشركون كأي نظام سلطوي في القديم والحديث، يضعون في مخططاتهم القضاء التام على دعوة الإصلاح الوليدة بطروحات وخطابات وأساليب توصل جلها في رأيهم إلى الهدف المراد تتجمع في هيكليات وطروحات ومعطيات خاطئة والخطأ لا ينتج إلا خطأ، والبعد عن الموضوعية لا يقود إلا إلى نتائج منهجية خاطئة -وتتمثل تلك المخططات في:

١- تهميش الداعية:

حيث قالوا: ﴿... شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (الطور:٣٠)، وقالوا: ﴿مَجْنُونٌ وَازْدَجِرَ﴾ (القمر:٩)، وقالوا: ﴿كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الحاقة:٤٢)، وقالوا: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص:٤).

٢- التنفير من الدعوة والطعن في التعاليم:

﴿... فَقَالَ الْكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ۞ أَنذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجُعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق:٢-٣)، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهَا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ۞ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَن اَمْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ يُرَادُ۞ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتلاقٌ﴾ (ص:٥-٧). 

٣- الإغراء والتدجين:

رأت قريش أن تلجأ إلى أسلوب الحوار والمفاوضة والإغراء، علها تصل إلى بغيتها مع الداعية ودعوته، ففاوضته وفاوضت عمه فاستعصى عليهم، فقال له أبو طالب: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم، فحلق رسول الله ببصره إلى السماء فقال: «أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا فيها شعلة، فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي فارجعوا» ﴿فاسْتَمْسكْ بالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (ET) (الزخرف:٤٣). 

٤- الإرهاب والتعذيب ثم القتل والإبادة والاستباحة: 

بعد أن أدركت قريش ألا جدوى من أي محاولة للتهميش أو التنفير أو التدجين، فلم يبق إلا العنف والقوة والإبادة، وقد وردت روايات كثيرة عن ألوان العذاب التي كان يتلقاها عمار بن ياسر وأهله حتى ماتت أمه تحت العذاب ولحق بها أبوه، قال عبدالله ابن عمر: «كان الإسلام قليلا فكان الرجل يفتن في دينه، إما يقتلوه، وإما يعذبوه». راهنت قريش على هذا الأسلوب الأخير واستقرت عليه، يدفعها إلى ذلك سعار جارف يذكيه خوفهم على هيبتهم بين القبائل، وعلى منافعهم المعنوية والمادية مع أنفة موروثة وجاهلية متراكمة وعقلية صلبة كالحجارة أو أشد قسوة، وصراع حتى النخاع بين القبائل الراغبة في السطوة والشرف.

الاستراتيجية الإسلامية

وقد قابل الرسول ذلك كله في الفترة المكية باستراتيجية ناجحة ونظرة شمولية تدير حركة الإسلام في برنامج مرسوم ومنفذ على الساحة الإسلامية، والرسول لله وإن كان متلقيا لكنه كان منفذاً لذلك كله بجهده البشري المعتمد على السنن وعلى قدراته وأخلاقياته وذكائه، وإمكاناته البشرية الفذة في التخطيط والتنفيذ، وهذه الاستراتيجية  لم يكن هدفها مجرد القضاء على عادات بربرية وحشية فحسب، وإنما كانت انقلابا كاملا لمثل الحياة التي كانت من قبل، كان هدفها إقرار حضارة فوقية إلهية لتقود الإنسان في كل زمان ومكان إلى عصر جديد، تمثلت هذه الاستراتيجية للعهد المكي فيما يلي.

١- البيان والإعلان:

ففي البيان كسر لإلف العادة وسماع للحجة بدل الخرافة وإشاعة للرأي الآخر بدل للكبت والقهر، ودعوة إلى التفكير والتأمل ﴿۞ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (سبا:٤٦)، ﴿إِنَّ فِي ذَلكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرعد:٣)، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:١٧٦).

٢- التربية والتأسيس وتكوين كوادر قادرة:

فالرسالات لا يحملها إلا أصحاب العزائم ورجال المهمات، فكان قيام الليل ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً۞ نَصْفَهُ أو انقُصْ مِنْهُ قَليلا۞ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّل الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً۞ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (المزمل:٢-٥)، وكانت دار الندوة، وكان الانضباط في السرية والعلنية، وكان التعود على تخطي العقبات وكان الانعتاق من حظوظ النفس إلى الالتزام بالتعاليم والهدى.

 - خلخلة المجتمع الجاهلي وتفكيكه

أ- عقائديًا، باحتقار الأصنام والأوثان ﴿...ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أنزَلَ اللهُ بـ بها من سُلْطَان﴾ (يوسف:٤٠)، وخلق فصام كامل بينهم وبين عقائد الآباء الباطلة.

ب- أسريا؛ حيث واجه الولد أباه وحاجه والزوجة زوجها وحاجته والقبيلة نفسها أضحت في حوار، ولئن كان الصراع بين الإسلام والكفر فقد انتقل أيضاً بين العشائر والبطون والأسر المشركة.

٤- الصبر على الامتحان والابتلاء:

وهو من سنن الدعوات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:٢٠٠)، ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَاءِ وَحِينَ الْبَاس أَوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٧٧)، ولابد من ثبات القناعات وارتكاز الإيمان وتعميق العقيدة، واختيار العزائم والنوايا. يتبع في الحلقة القادمة إن شاء الله.

الرابط المختصر :