; آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (أخيرة).. وصايا لقمان لابنه | مجلة المجتمع

العنوان آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (أخيرة).. وصايا لقمان لابنه

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 16-مارس-2013

مشاهدات 87

نشر في العدد 2044

نشر في الصفحة 52

السبت 16-مارس-2013

  • دعاه أن يوثق علاقته بربه الواحد القوي العليم ويديم الصلة به من خلال إقام الصلاة
  • ويذكر لقمان لابنه نتيجة الكبر وعلاماته وتوابعه التي تجلب غضب الله سبحانه

بعد أن أوصى لقمان ابنه بتوحيد الله تعالى، وبين له قدرة الله العظيمة وعلمه الشامل، دعاه أن يوثق علاقته بربه الواحد القوي العليم، ويديم الصلة به من خلال إقام الصلاة.

والصلاة هي الدعاء، وهي الصلة بين العبد وربه، وهي لحظات الحب والتودد والمناجاة والتقرب، والسؤال والطلب والشكوى والتصبر، كما أنها لحظات الراحة والطمأنينة والذكر؛ ألا بذكر الله تَطْمَئِنُ القُلُوبُ (٢٨) (الرعد)، بها تتولد الخشية والمراقبة، وتكون الإنابة والتوبة، والبكاء والارتقاء، يخرج منها المصلي وقد ولد من جديد، فيشتغل بمراقبة الله تعالى في كل قول أو فعل أو فكر، في سكونه وحركته، حتى يرتقي إلى مرتبة الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، ولعلنا ندرك سر اهتمام النبي ﷺ بها حين قال: مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ..» (صححه السيوطي، الجامع الصغير) فهي عمود الدين لأثرها العظيم على حياة العبد كلها، قال تعالى: ﴿ وأقم الصلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ (العنكبوت: ٤٥)، ومن هنا كانت وصية لقمان لابنه.

أساس كل خير

يا بني أقم الصلاة»: فإقام الصلاة إدامتها والقيام بحدودها، وأداؤها في أوقاتها بشروطها .. وهي أساس كل خير، فإذا دخل المصلي محرابه وخشع وأخبت لربه، واذكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه ويراه صلحت لذلك نفسه وتذللت، وظهرت على جوارحه هيبتها ، ولم يكد يفتر من ذلك حَتَّى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة، وصلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون.. قال أبو العالية: «إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاص والخشية وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه».

لذا كان ابن عباس يقول: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله.

وقيل لعبد الله بن مسعود : إنَّ فلاناً كثير الصلاة فقال : إنها لا تنفع إلا من أطاعها ، وكان يقول : لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر.

إصلاح وصلاح

وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ»: وحين يقف المصلي بين يدي مولاه يتقلب بين جناحي الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، يدفعه ذلك للشفقة على العصاة وحب الإصلاح والصلاح لهم ليذوقوا أجمل ما تذوقه هو في الدنيا، القرب من الله ومناجاته، كما أنه يسعى لتغيير المنكر من حوله والصبر على ما يصيبه في سبيل ذلك، ألم يقل النبي ﷺ : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (رواه مسلم).

وليس لمن يقف أمام الله مصلياً ذاكراً أن يكون غافلا مع من غفل، بل إنه يغير المنكر قدر استطاعته، شريطة ألا يؤدي تغييره إلى منكر أكبر منه .

وكأن لقمان يعظ ابنه أن أصلح نفسك وحاول أن تصلح غيرك، كن يا ولدي مؤثراً، اترك أثرك الصالح وضع بصمتك الطيبة على كل ما حولك يا بني أقم الصلاة وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوف وَانْهَ عَنِ الْمُنكر (لقمان:۱۷)، إن التغيير إلى الأحسن دأب المؤمنين، ولا يتأتى ذلك التغيير بغير إصلاح النفس أولا، ومن بعده إصلاح الأسرة وإصلاح المجتمع.

باب عظيم للدعوة

وتغيير المنكر باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله عز وجل، وله مراتب أقلها تغييره وإنكاره بالقلب؛ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وسْعَهَا ﴾ (البقرة : ٢٨٦)، ويتفاوت فيه الناس، فما يجب على العالم قد لا يجب على غيره وما يقع على عاتق ولي الأمر أعظم وأكبر مما على عامة الناس، وعلى قدر المسؤولية يتعين التغيير ويُطلب، والله تعالى لا يرضى من عبده أن يستسلم للواقع بأمراضه وآفاته مغلوبا على أمره، دون أن يقدم أحسن ما عنده من دواء لا سيما إذا كان يملك ذلك الدواء، قد يقدمه بنفسه ويعالج بيديه، وقد يأمر بالتداوي ويحث عليه، وإلا تمنى من أعماقه الشفاء وذهاب الداء، كما أن الدعوة أيضاً لها أساليب، قال تعالى: ادْعُ إِلَى سبيل رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بالتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (النحل: ١٢٥)، إنها تحتاج لأطباء القلوب الذين يتوددون إلى عباد الله بحب ويمسحون على جراح ذنوبهم برحمة، ويداوون أمراضهم بصبر، يدعونهم بتلطف وَلِين دُونِ مُخَاشَنَة وَتَعنيف، وقد قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (طه)، وإذا ما رفضت بعض هذه النفوس النصح ولفظت الدواء فلا ضير؛ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الأمور (لقمان)، وإن بارزك بعضهم يا بني بأذى أو ضرر فلا تجزع، فإن من حقيقة الإِيمَانِ الصَّبْرِ عَلَى المكاره، وإِنَّ إِقَامَةِ الصَّلاة وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ مِمَّا عَزَمَهُ الله وَأَمَرَ بِهِ، وَإِن ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَعَزَائِم أَهْلَ الْحَزْمِ السَّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجَاةِ.

حب الخير للناس

ولا تصعر خدك للناس»: وإذا كان الإنسان مرتبطاً بربه، ذا أثر في محله مصلحاً في الأرض يحب الخير للناس، أمراً بالمعروف ناهيا عن المنكر، فإن من لوازم ذلك كله أن يكون متواضعاً هينا لينا، لا يستعلي ولا يتكبر على إخوانه من بني آدم، وهذا من حسن معاشرة الخلق، لذا فإن لقمان الحكيم لم يهمل ذلك الجانب حين وعظ ابنه، إنه يقول له : ﴿ وَلَا تُصَعَرْ حَدَكَ للنَّاس (لقمان:۱۸)، وإنه لخلق راق في التعامل مع الغير، إنه التواضع وخفض الجناح ولين الجانب.

إن لقمان ينهى ولده أن يكون أصعر، والأصعر هو المعرض بِوَجْهِهِ كِبْراً، يُقَال: أَصَابَ البعير صَعَر إِذَا أَصابه دَاء يَلْوِي منه عنقه، فكأنه يقول له لا تُمل خَدَّكَ عَن الناس تكبراً عليهم وإعجاباً، واحذر أن تلوي شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره، ولا تعرض بوجهك عنهم إذا كلمتهم أو كلَّمُوك احتقاراً منك لهم، بل أقبل عليهم متواضعاً مُؤْنِساً مُسْتَأْنِسِاً، وَأَلِنْ جَانِبِكَ وَابْسُطُ وَجَهكَ إليهم، وَإِذا حَدَّثَكَ أَصْغَرُهُم فَأَصْغِ إِليه حتى يُكْمِل حَدِيثه .

منظومة واحدة

إن منظومة الأخلاق واحدة ومتكاملة منذ خلق الله الإنسان، وهي ثابتة لا يدخلها التبديل، بل يجب أن تظل كما أرادها الله في أحسن صورة، وإن ما يحدث من أخلاق مغايرة لهذه الصورة قد تنعكس سلبا على الإسلام والمسلمين، وتكون سببا في الفتنة والصد عن سبيل الله تعالى، ولا أحد ينكر ما أحدثته الأخلاق الطيبة من دخول الناس في دين الله أفواجا عبر بوابة أخلاق الإسلام وأهله حين عضوا عليها بالنواجذ ولم تغيرهم الدنيا ولا التكالب عليها، حين فقه كل واحد دوره فعرف ما له وما عليه.. ألم يقل النبي : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق (الجامع الصغير صححه السيوطي)، «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (رواه مسلم)، تبسمك في وجه أخيك لك صدقة (صححه الألباني)، إنها قيم جميلة ناصعة حق لها أن تعود من جديد لننعم بها . نتيجة الكبر: «ولا تمش فِي الْأَرْضِ مَرَحا»: ويذكر لقمان لابنه نتيجة الكبر وعلاماته وتوابعه وأثره فيقول له: ولا تمش في الأَرْضِ مَرَحًا (لقمان : ۱۸) فرحاً متبختراً متكبراً جَبَّارًا عنيداً، في غَيْرِ شُغْلِ، مُخْتَالاً فخوراً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلِّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (لقمان)، وَالْفَخُورِ : هُوَ الَّذِي يُعَدِّد مَا أَعْطِيَ وَلَا يشكر الله تَعَالَى، ويختلف التفاخر والتعالي من إنسان لآخر، فقد يكون بالنسب والحسب، وبالجاه والمال والولد، وبالوظيفة واللباس والجمال.. وقد قال عليه السلام من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (رواه البخاري)، وقال: «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان» (صححه الألباني). واقصد في مشيك»: امْشِ مَشياً مقتصداً ليس بالبطيء المتثبط ولا بالسريع المفرط بل عدلاً وَسَطاً بين بين؛ واقصد فِي مَشْيك وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنْ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحمير (لقمان)؛ فلا تتكلّف رَفْعَه فَإِنَّ الجهر بأكثر من الحَاجَة يُؤْذِي وَإِنْ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ 19 فهو أقبحها وأوحشها ، وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وُجُوه الناس تهاوناً بهم أو بترك الصياح جملة.

وَالحِمَارِ مَثل في الذم البليغ، وكذلك نهاقه، ولو أن شيئاً يُهَاب لصوته لكان الحمار .. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَإِذَا سَمِعتم نهيق الحمير فتعوذوا بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانا».

يا بني: إذا أتيت نادي قوم فَارْمِهِم بِسَهُم الإسلام – يعني السلام – ثم اجْلِسُ فِي نَاحِيَتِهِمْ فَلا تَنْطِق حَتَّى تِرَاهُم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

110

الثلاثاء 02-مايو-1972

الأسرة "98"

نشر في العدد 358

100

الثلاثاء 12-يوليو-1977

من شذرات القلم (العدد 358)

نشر في العدد 453

112

الثلاثاء 10-يوليو-1979

الأســــــرة (العدد 453)