; المستقبل بين الوهم والحقيقة | مجلة المجتمع

العنوان المستقبل بين الوهم والحقيقة

الكاتب مولود عويمر

تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2003

مشاهدات 65

نشر في العدد 1559

نشر في الصفحة 45

السبت 12-يوليو-2003

يحاول البعض أن يقنع نفسه بالوهم بدل أن يجهد نفسه في البحث عن الحقيقة، ويحاول أن يجري وراء السراب الخادع، بدل أن يغوص في أعماق الأديم للبحث عن الماء.

نعم قد يكون الوهم وردي المظهر سهل المثال، ولكنه ضلال وخداع والسراب قد يكون ذا موج شفاف وبرق خلب، ولكنه يفتقد الري ويُهلك العطاش وهؤلاء البعض لا عزم لهم ولا جد عندهم، ولا خير يرجى من ورائهم وتراهم أسرى للشهوات وعبيدًا للأهواء والمطامع كل همهم لقمة لينة ومركب فاره وحلة جميلة وامرأة وضيئة ومظهر كاذب ولقب أجوف؟.

رَضُوا بالأماني، وَابتُلوا بحُظوظِهِم

وخاضوا بحارَ الحبِّ، دعوَى، فما ابتلّوا

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعسَ عبدُ الدينارِ، تعس عبدُ الدرهمِ، تعسَ عبدُ القطيفةِ، تعسَ عبدُ الخميصةِ تعسَ وانتكس وإذا شيك فلا أنتقش» وهؤلاء قد يكثرون في الأمم، ويتضاعفون في الشعوب البئيسة، ولهذا تكثر الظنون وتتضاعف الأخطاء وتعمي الأبصار، وتزيغ الأفهام، فينقلب الصالح طالحًا، والسقيم صحيحًا، والمعروف منكرًا، ويصبح البحث عن الحقائق من المستحيلات ويضحى البحث عن العقلاء من الأمنيات، وعن ذوي الأحلام والنهى من العبثيات، وتظل طاقات الأمم الفاعلة ضيعي بين ركام الكسالى وأصحاب الأوهام والخبال وتظل دعوات الإصلاح وأفكار الرواد سنين عددًا تلاط بالأوحال وتلطخ بالأقذار، وتلاك في أفواه الملتاثين، حتى تتغير هذه الشرائح الضالة، وينمحي هذا القطيع الأرعن ويقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

وسأقص مثلين إثنين كبيان للأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، وهما نظريتان مختلفتان في الحالة الشرقية الراهنة.

المثل الأول: يتعجب أشد العجب من عقول وأفهام ضالة تريد الإصلاح بالعبث والغباء فيقول المثل الغريب أن يستمر البعثيون رغم الكوارث في محاولاتهم ضم الناس وجذبهم إلى صفوف حزبهم في بلد مثل كذا وكذا، أو إلى أحزاب مكروهة الحكام ملفوظين، بغض النظر عن مؤهلات المطلوب ضمه إلى الكوادر الحزبية وكأن الغثاءات العددية ستقوم بإنشاء بلد إنشاء صحيحًا وتقوم بمعافاته وحمايته من الأخطار الخارجية، متناسين أنهم في العراق بلغوا أكثر من ثلاثة ملايين، وكانوا دخانًا وضاعوا سدى وقد رأيت أحد مرتزقة هذه الأحزاب يحاول دعوة رجل - لا علاقة له بالسياسة من بعيد أو من قريب - إلى الانتماء إلى الحزب، وصار يرغبه ويرهبه حتى رضخ لسلطانه وزج باسمه على رغم مشيئته، لقاء وعده بمكافأة مالية يتلقاها لقاء ضمه إلى قائمة المناضلين.

والحقيقة المُرة هي السعي إلى إلغاء إرادة الإنسان والقفز فوق وجوده وميوله، مدعيًا أنه يريد أن يمنحه وجودًا خاصًا يتمتع بالمميزات ولعله يزعم أنه يذهب به إلى أعتاب الجنة التي ستكون تحت أقدام هؤلاء الحزبيين، والمضحك المبكي في الأمر أن يحاول شاب بعثي أو سلطوي جاهل انتهازي حمل آخر على الانتساب إلى حزب لا يشعر نحوه بأي ميل إلى أفكاره، بل يكره تلك الأفكار، وحمل آخر. يمشي إلى جانب الحائط ويطلب الستر كما يقولون، وآخر أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف شيئًا عن ساس ويسوس -حزب سياسي مفروض أنه يقود أمة ونهضة!

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا تفعل هذه الأحزاب الساقطة الفاسدة بهؤلاء الناس الذين شاءت أقدامهم أن يكونوا أميين أو كارهين للسياسة وللعمل الحزبي على مختلف تنوعاته في بلاد لا تحترم أبدًا العاملين في هذا إلى الميدان؟

إن بعض الأنظمة يصر إلى الآن على كثير من حماقات الماضي، وعلى ممارستها جهرًا وعلانية دونما وازع من فهم أو عقل، كما أنهم لا يحسنون قراءة الأحداث أو فهم الدروس والعبر وصدق الله ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ ‏ (إبراهيم ٤٥).

 المثل الثاني: للباحثة الألمانية «إيفيزا لوين» التي تعيد اكتشاف الحركات الإسلامية في الشرق، تلك التي ينتظر لها أن تقود النهضة: تقول: الحركات الإسلامية في القرن العشرين تمحورت في حركة الإخوان المسلمين ذات الأصول الأربعة.

أوّلُ تلك الأصول: التحرر من الاستعمار الأجنبي على أساس منهج إسلامي في الإصلاح ينبع من عمق الأمة في حين أراد ضباط الثورة المصرية وغيرهم أن يكون التحرر في إطار قومي، فنجح الإخوان ورسب غيرهم.

ثاني تلك الأصول: عقلانية الهدف والفعل، فالأهداف تفهم من خلال أسبابها؛ إذ تحدد في سياق ايديولوجي شامل وتطوير إستراتيجية عقلانية قصيرة المدى وبعيدة المدى لأجل التغلب على تردي الواقع، وبروز خطاب إسلامي حديث يحمل الأمة.

 ثالث هذه الأصول: البعد الاجتماعي؛ حيث مثلت حركة الإخوان المسلمين أول حركة اجتماعية حديثة في تاريخ مصر سواء من حيث أساسها الاجتماعي أو من حيث طروحاتها ومبادئها، فقد كان حسن البنا يطمح إلى تأسيس نظام اجتماعي إسلامي يقوم على الأخوة والنهوض بالرجل والمرأة معًا، ولقد نما هذا النظام، وأصبح لدى الإخوان في كل أنحاء البلاد مراكز يضم كل منها مسجدًا ومدرسة وورشًا لتشغيل العاطلين مع فرق الكشافة، والرياضة ومراكز للصحة ودور للصحف، وشركات اقتصادية، كما وضعوا أنفسهم ضمن القوى المناضلة ضد الاستعمار، كما قاموا بأدوار مهمة في النقابات المهنية والمساجد والأعمال الإغاثية وغير ذلك. وعلى هذا أصبح الإخوان قوة سياسية واجتماعية ليس في مصر فقط، بل في العالم الإسلامي أجمع، وقد برزوا في جميع نواحي الحياة.

رابع هذه الأصول: النظر إلى المستقبل وبث روح الأمل في الأمة ووضع نظام تعليمي لرجل المستقبل؛ حيث إن قضية التقدم تنجز في مراحل متعاقبة، على أسس متينة يحدوها الأمل والجد؛ حيث كان يقول البنا «ولا تيأسوا فإن اليأس ليس من أخلاق المسلمين وحقائق اليوم أحلام الأمس وأحلام اليوم حقائق الغد».

ثم تقول الباحثة الألمانية: كيف يعمى الشرق عن هذه الحركة الإصلاحية، التي نبعت من الإسلام ومن لحمة الأمة وتستطيع أن تبعث الأمل فيها من جديد؟

أقول أيها الحبيب لقد عشت المثلين وشاهدت الواقعين، فأي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا؟ وهل نستطيع بعد ذلك أن نفرق بين الأوهام الحقائق؟

 

الرابط المختصر :