العنوان الإمام مالك والتغيير
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
مشاهدات 83
نشر في العدد 1122
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
ولد الإمام مالك رضي الله عنه سنة ٩٢هـ ومات سنة ١٧٩ هـ فأدرك بهذا العمر المديد المبارك الذي قارب التسعين سنة الدولتين الإسلاميتين التي اتسعت رقعة الإسلام في عهدهما ورأى وسمع عن الفتن وإراقة الدماء التي حصلت فى هذه الأثناء وأدرك خروج الخوارج وانتفاض العلويين وما ينجم عن ذلك من مضار تلحق بالأمة وينزل بها من محن من غير حق يقام ولا باطل يدفع، وتلقى من أفواه شيوخه الذين عاينوا الماضي وشاهدوه، وسمع منهم أخبار واقعة الحرة، وكيف استبيحت المدينة حرم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ولم تترك فيها حرمة من غير أن تهتك، وعلم ما كان بين عبد الله ابن الزبير وعبد الله بن مروان من وقائع استبيح فيها حرم الله، فرميت الكعبة بالمنجنيق، وكان الحجاز كله مباءة للعبث والفساد وهو مثابة الناس ويه مناسكهم ولكنها الفتنة لا تبقي ولا تذر.
ومن يعش في وسط ذلك الجو اليائس من أن يقوم حكم الشورى على وجهه الصحيح، كما كان الشأن فى حكم أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين فلابد أن يرضى بالحال القائمة لا على أنها الحكم الأمثل الذي ينبغي أن يكون والذي دعا إليه الإسلام، ولكن على أنها الأمر الواقع الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بالتعرض لضرر أشد، وفساد أعم.
والنتيجة غير مستيقنة بل غير مأمونة.
وقد دلت التجارب الواقعة على أنه ما من خارجة خرجت إلا وكان الانتقال إلى حال أشد ظلمًا وأكبر ضررًا، ومن المقرر في بدائه العقول أن العاقل إن تردد بين أمرين كلاهما فيه ضرر يختار أهونهما ضررًا وأقلهما شرًا.. وإنما قبل مالك أن يسكن وإن لم يكن السكون إقرارًا شرعيًا منه للحال الواقعة بل كان ذلك اعترافًا بوجودها وعدم القدرة على تغييرها.
لذلك لم يكن مالك يرى الخروج على الحكام وإن كانوا ظالمين لتيقنه من خلال التجارب الواقعة أن ذلك يسوق إلى الفتن وإباحة الدماء.
فكان مالك يرى أن في الخروج فوضى في الأمور واضطرابا للنظام وفسادًا الأحوال الناس، وهتكًا للمحرمات، وتعريض الأعراض والأنفس والأموال للانتهاك وفوضى ساعة يرتكب فيها من المظالم ما لا يرتكب في ظلم منظم سنين عديدة.
ولذلك لزم مالك الجماعة، ولم ير الخروج على الطاعة، فلم يدع إلى ثورة، ولم يؤيدها، ولم يدع أيضا إلى ولاة وخلفاء عصره أو يناصرهم، بل كان يرى أن يلتزم الحياد لا يدعو إلى أحد، إن قامت فتنة وليست رغبة مالك عن الفتن غريبة على المدينة في عهده بل كان علماؤها ينزعون نفس هذا المنزع.
فهو إن كان يلزم الجماعة والطاعة لا يرى أن سياسة السلطان في عصره هى الحق الصراح الذي يتفق مع أحكام الإسلام وهدى القرآن بل يرضى بالطاعة لأن فيها إصلاحًا نسبيا، وقد يكون الإصلاح فى ظروف هادئة بعيدة عن المشاكل والقلاقل تؤدي إلى نتائج أكبر تأثيرًا ، ولذا سلك سبيل الإصلاح بالموعظة الحسنة وقول الحق فى موضعه، وتصدى الهداية والإرشاد، وحرص على إصلاح الحاكم لأن بصلاحه صلاح للمحكومين.
لذا كان رأيه في طريقة الإصلاح التي سلكها أن لا يناصر أحدًا عند الفتن لأنه كان يرى أن الفريقين في إثم فلا يعاون أحدهما على الآخر.
وكذلك أجاب عندما سئل عن قتال الخارجين على الخليفة أيجوز قتالهم؟ فقال: نعم إن خرجوا على مثل عمر ابن عبد العزيز.
فقال: فإن لم يكن مثله فقال دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.
وكان مالك مع هذا الرأي لم يقطع صلته بالخلفاء والأمراء، بل كان يرى من الواجب عليه إرشادهم وإصلاحهم لأنه رجل ينظر إلى وقائع الأمور، ولا يقف عند الصور المثالية وحدها، وقد وجد أن وعظ هؤلاء يذهب ببعض ما يقعون فيه ويقلل من شرهم وربما حملهم على الصلاح المطلق، وصار منهم مثل عمر ابن عبد العزيز، لذلك كان يدخل على الأمراء والخلفاء ويعظهم ويرشدهم، ويدعوهم إلى الخير، وكانت له مواعظ حسنة مأثورة ومواقف جليلة محمودة مع أبي جعفر والمهدي وهارون الرشيد وغيرهم، وكان يحترم نفسه إذا لقيهم ليكون الموعظته أثر حسن، وكان أخشى ما يخشاه عليهم المدح الكاذب الذي يجىء على السنة الذين يعيشون حولهم فيزينون القبيح من أعمالهم فلا تتسع نفوسهم الإرشاد مرشد ولا هداية هاد. ولعل طبيعة الإمام مالك الهادئة المطمئنة، وميله إلى اختيار الأيسر في التغيير يرجح هذا المنزع عنده ويدعوه إلى هذا الاتجاه في التفكير فكان يرى في الاستقرار سبيل التغيير الإيجابي من غير الصالح إلى الصالح ومن الصالح إلى الأصلح ترقيا بالتدريج إلى ما يصبو إليه (1).
(1) الإمام مالك لأبي زهرة