العنوان نظرات في فقه العمل الإسلامي (الحلقة الثانية)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1977
مشاهدات 94
نشر في العدد 336
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 08-فبراير-1977
النشاطات الحالية المبنية على التجمعات العامة غير كافية لمباشرة عملية إعادة كلمة الإسلام وراية المسلمين.
ونؤكد في هذه الحلقة أن تجاهل تلك الحقيقة يؤدي إلى عدة سلبيات، من أهمها:
۱- الضعف التربوي والفكري لدى الإسلاميين.
٢- سهولة تسلل العناصر المخربة إلى العمل الإسلامي؛ بقصد افتعال الأزمات، وتحويل الدعاة عن العمل الإسلامي الجدي.
٣- عدم استقرار حيوية العمل الإسلامي؛ بسبب تغير عدد الحاضرين في التجمعات، حسب الأحداث والظروف السياسية والمرغبات المتنوعة.
٤- عدم توفر جهاز علمي كفء يسهر على تنفيذ القرارات والمشاريع، مما يؤدي إلى التردد في أخذ المبادرات التي يقتضيها التطبيق، فيصاب العمل الإسلامي بالضعف والانحلال والتخاذل، ولكل هذا أرى أن العمل الإسلامي المضبوط هو:
- الإطار القوي الذي يضمن القوة التربوية والفكرية، والوسائل المرنة التي تسمح بأداء واجبات العمل في كل الظروف، هذا الإطار هو الذي يمكن الحركة من تكوين تيار جماهيري يؤازرها ويمدها بالأعضاء.
هو البعد الثالث -بعد البعد التربوي والبعد الفكري- الذي يواجه مبادرات الخصوم بفعالية وسرعة.
لذلك، واعتبارًا لما للعمل العلمي المنظم من أهمية وحيوية، فإن من واجبنا -هنا- أن نلقي نظرات مبدئية تحدد بعض منطلقاته وآفاقه ووسائل إنجازه.
لكن هذا التحديد ما كان له، ولن يكون، أن ينطلق من فراغ.. لا بد له من أن ينطلق عبر الوضعية الحالية للعمل الإسلامي في أقطار الإسلام.
وإن هذه الوضعية كما أنشأتها ظروف القمع والتآمر على الإسلام، يمكن تلخيصها كما يلي:
١- هياكل رسمية متفتتة لنشاطات إسلامية فيها رواسب من بقايا عهد القهر والقمع والتشويه والإذلال.
٢- هياكل رسمية لمنظمات تنتسب للإسلام، أسست بإرادة خلفية لخدمة أغراض معينة.
٣- مبادرات فردية ناشئة طيبة حافزها الشعور بواجب الدعوة، ولكن دون استيعاب كاف لأساليب العمل الناجح.
٤- مبادرات لإعادة بناء حركات إسلامية أصيلة بذلت وتبذل، امتحنت وتمتحن، وهي مبادرات مخلصة محتاجة إلى المؤازرة والتشجيع؛ كي تضرب بجذورها بين جماهير الأمة من جديد، وتخترق حواجز المؤامرات والمعاكسات، وتعود إلى توجيه المجتمع وريادته.
هذه الظواهر تكاد تكون عامة، وتكتسي حدة متفاوتة باختلاف ظروف الأقطار وطبيعة المعارك العقائدية داخلها، ولهذا نستطيع تقسيم أقطار الإسلام من حيث وجود العمل الإسلامي وعدمه إلى ثلاث مناطق:
١- مناطق بها هيئات رسمية لها تاريخها المجيد، ولكن ظروفها الحالية لا تسمح لها بمواجهة التنظيمات الجاهلية المقامة لهدم الإسلام.
۲- مناطق بها جماعات منظمة ناشئة، ولكنها محاصرة بظروف وملابسات داخلية وخارجية لا مجال الآن لذكرها.
٣- مناطق الفراغ، وهذه حالة بعض الأقطار التي لا توجد بها هيئات رسمية ولا جماعات منظمة في القاعدة، وهي حالة لا يمكن اعتبارها سلبية، بل يمكن أن يكون العمل فيها أسهل مما هو عليه في الحالتين الأوليين.
ونظرًا لما للعمل الجاد من أهمية تجعله أداة ضرورية لتحقيق أهدافنا الإسلامية، فإنه من اللازم أن يحدد شكل لعمل إسلامي مضبوط يبنى على أسس شرعية، ويحقق الانسجام المطلوب بين الدعاة، ويجعلهم يصدرون في تحركاتهم عن نظرة واضحة محددة، وينطلقون إلى العمل بتناسق وتآزر وتكامل.
ونحن إذا ما استقرأنا سيرة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وجدنا أن عمله كان يسير على خطين:
أ- خط الدعوة المكثفة أو التربية المركزة والعمل الهادئ.. مثل الذي كان في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وقد تفضل الله -سبحانه- برسم أسلوب هذا الخط ومراحله ووسائله:
فجعل أول أسلوبه قراءة باسم الله، وتفكيرًا في أسرار خلق الله، واستكناها لعظمة كرم الله وبديع صنعه وواسع علمه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (سورة العلق: 1-2)، ثم مجاهدة وتهجدًا وتجردًا لله وتلاوة لكتابه، واستعدادًا لتكاليف الدعوة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (سورة المزمل:1-5)، ثم قيامًا بأعباء الدعوة إنذارًا وتبشيرًا وتعظيمًا لله وتوقيرًا، وهجرًا للرجز وتطهيرًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (سورة المدثر: 1-5).
وجعل الدعوة المكثفة والتربية المركزة في مراحلها: خاصة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفي بعض المساكن الأخرى، مثل بيت فاطمة بنت الخطاب: (جاء في مختصر سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -ص ۱۰۳-: إن عمر خرج متقلدًا سيفه، فلقيه رجل من بني زهرة، فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا، فقال: وكيف من بني هاشم ومن بني زهرة، وقد قتلت محمدًا؟ قال: ما أراك إلا صبوت، قال: أفلا أدلك على العجب، إن أختك وختنك قد صبوا، وتركا دينك، فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب، فلما سمع عمر توارى في البيت فدخل، فقال: ما هذه الهيمنة؟ وكانوا يقرأون «طه».. قالا: ما عدا حديثًا تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما صبوتما؟ قال ختنه: يا عمر إن كان الحق في غير دينك، فوثب عليه عمر فوطئه وطئًا شديدًا، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفخها بيده، فدمی وجهها، فقالت وهي غضبى: إن كان الحق في غير دينك، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرأه، وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل وتوضأ، فقام وتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ «طه» حتى إذا أتى قوله -تعالى-: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (سورة طه: 14)، قال عمر: (دلوني على محمد)، فلما سمع خباب قول عمر خرج... إلخ).
وفي رواية أخرى تصف إسلام عمر بن الخطاب أنه لما قرأ (طه) تعظم في صدره، فأسلم وسأل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت له أخته إنه في دار الأرقم بن أبي الأرقم، يقول عمر: فأتيته، فضربت الباب فاستجمع القوم، وقال لهم حمزة: ما لكم؟ فقالوا: عمر، قال: عمر، افتحوا له الباب، فإن أقبل قبلناه، وإن أدبر قتلناه، فسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخرج، فتشهد عمر، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قلت فيمَ التخفي؟ فخرجنا صفين... إلخ (المصدر نفسه ص ٨٥).
_ ثم جعل الله -سبحانه- الدعوة جهرية سلمية صامدة محتسبة، فإذا عذب آل ياسر لم يكن توجيههم إلا إلى الصبر (صبرًا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة).
وإذا أوذي الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له بد من الثبات والصبر: (في رواية البخاري عن عتبة، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم- يصلي، إذ أقبل عتبة بن أبي معيط فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أتقتلون رجلًا يقول ربي الله...؟).
وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف للدعوة، (فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرًا، ونالوه مع ذلك بأشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينل منه قومه.. وقالوا: اخرج من بلادنا، وأغروا به سفاءهم، فرجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضب نعلاه بالدماء)، ومع ذلك يقول الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- عندما أرسل إليه في أمر تعذيبهم (بل أستأني بهم؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئًا).
_ ثم أذن الله بالدفاع من أول عهد المسلمين بالمدينة (المرحلة المدنية الأولى)، وقد أذن بالقتال في هذه المرحلة بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (سورة الحج: 39).
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (سورة النساء: ٧٥-٧٦). ثم أمر الله المسلمين بالجهاد العام ضد أعداء الله، قال الله -سبحانه-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 216)، وقال رسول الله -صلى الله عليه سلم- بعد غزوة الاحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزونا.. نحن نسير إليهم...).
(ولما دخل الرسول -عليه الصلاة والسلام- المدينة حين انصرف من الخندق هو وأصحابه، ووضعوا السلاح، جاءه جبريل حين اغتسل وهو ينفض الغبار عن رأسه، فقال: وقد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناها، اخرج إليهم.
فقال: إلى أين؟ قال: ها هنا وأشار بيده إلى بني قريظة، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم-).. ثم عين الرسول -صلى الله عليه وسلم- الوسائل العملية للدعوة، فجعلها وسيلتين في أول الأمر: الوحدة الأولية: (الأسرة الجماعة).. وجعل على رأس كل وحدة نقيبًا، ودار الأرقم بن أبي الأرقم.
وقد أكدت التطبيقات النبوية شأن الوحدة العملية وأهمية تربية أعضائها، كما ثبت أن الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- كان في أول الدعوة يجمع أتباعه -رضي الله عنهم- في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأن بعض الصحابة كانوا يجتمعون في البيوت؛ للتعلم وتلاوة القرآن، ويخرجون جماعات إلى شعاب مكة للصلاة، وأنه عين للأنصار نقباء يوم البيعة الكبرى.
ب- خط العمل الموازي المعتمد على الدعوة العامة، والوسائل المساعدة على تخفيف ضغط الجاهليين، وكسر شوكتهم، وتخذيل صفوفهم، واقتحام تجمعاتهم، ومقارعتهم بالحجة والبرهان، والخروج إلى أحياء العرب وقبائلها، واتخاذها روافد للعمل الإسلامي، وكسب الأنصار؛ لإلحاقهم ببوتقة الانصهار (الجماعة)، والأدلة على ذلك كثيرة ومتنوعة لا مجال لحصرها، من ذلك:
۱- إرسال الرسول -صلى الله عليه وسلم- حذيفة بن اليمان إلى معسكر المشركين في غزوة الأحزاب يأتيه بأخبارهم.
٢- إرساله نعيم بن مسعود داهية الخندق الذي أخفى إسلامه، وتوجه إلى معسكر المشركين -الأحزاب- وخذل بينهم، وثبط قومًا عن قوم، فاختلفت كلمتهم.
وهكذا نرى أن العمل النبوي كان على واجهتين:
۱- واجهة العمل الرئيسي المرتكز على التربية المكثفة المركزة بواسطة الجماعة.
۲- واجهة العمل الموازي المرتكز على الدعوة العامة، ومحاولة كسب الأنصار لإلحاقهم ببوتقة الانصهار الإسلامي.
١- الجماعة في العمل الإسلامي
إن الجماعة أو الأسرة تمتاز على نظام التجمعات العامة المائعة بفعاليتها في جميع المراحل التي تواجه العمل الإسلامي: مرحلة التكوين والتربية والنشوء، ومرحلة الصمود والدفاع، ومرحلة اتخاذ المبادرات لنشر الإسلام والاستعلاء على الكفر.
وفي ظروفنا الحالية بتعقيداتها الاجتماعية ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والعلمية، وتنوع ضروب النشاط الإنساني نعتقد في ميدان التطبيق العملي أنه من الضروري استخدام الأسلوب النبوي في التكوين والبناء.
وفي مجال العمل العام نستطيع -وفق التصور الإسلامي الرحب- أن نجمع الأمة على عقيدة التوحيد وكرائم الأعمال ومقاصد الإسلام.
ولقد أتاح الله من الوسائل ما يعين على ذلك.