; السماحة الإسلامية (٢-٢) التطبيق النبوي | مجلة المجتمع

العنوان السماحة الإسلامية (٢-٢) التطبيق النبوي

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 01-مارس-2014

مشاهدات 57

نشر في العدد 2069

نشر في الصفحة 62

السبت 01-مارس-2014

خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود فقال: «نحن أحق وأولى بموسى منكم» «رواه البخاري ومسلم»، وقال عن عيسى عليه السلام: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة»، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «الأنبياء إخوة من غلات، وأمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبي» «رواه البخاري ومسلم».

السماحة في التطبيق النبوي تحولت إلى واقع معاش وأخلاق وسجايا قننها دستور دولة المدينة والعهود والمواثيق التي قطعها رسول الله ﷺ لغير المسلمين.

إبراهيم عليه السلام، هو أبو الأنبياء، الذي أقام مع إسماعيل عليه السلام قواعد البيت الحرام ليكون حرما آمنًا وقبلة دائمة لأمة خاتم الأنبياء، الذي أحيت شريعته مناسك ملة إبراهيم، وحنيفيته السمحة، التي تأسست عليها سماحة الإسلام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 161).

وفي أحاديث رسول الله ﷺ عن هذه السماحة التي جسدها الإسلام، نقرأ: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» «رواه البخاري والإمام أحمد» «وإني أرسلت بحنيفية سمحة» «رواه الإمام أحمد» «ودخل رجل الجنة بسماحته» «رواه الإمام أحمد» و« إن الله يحب سمح البيع سمح الشراء، سمح القضاء» «رواه الترمذي».

ولم يقف هذا التطبيق النبوي للسماحة القرآنية عند حدود السنة القولية، بل تحولت هذه السماحة في التطبيق النبوي إلى واقع معاش، وأخلاق وسجايا قننها وقعدها دستور دولة النبوة في المدينة المنورة وفي العهود والمواثيق التي قطعها وكتبها رسول الله لغير المسلمين.

ففي دستور دولة المدينة «الصحيفة أو الكتاب» أصبح الآخر الديني «اليهود» جزءًا من الذات.. ذات الرعية الواحدة والأمة الواحدة، مع حرية الاعتقاد بالعقيدة الجاحدة لشريعة الإسلام ونص هذا الدستور على أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومن تبعنا من يهود فإن لهم النصر والأسوة غير مظلومين ولا متنحر عليهم، وأن بطانة يهود ومواليهم كأنفسهم، وأن اليهود ينفقون من المؤمنين ما داموا محاربين على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر المحض من أهل هذه الصحيفة دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه (1).[1]

وعندما جاء وفد نصارى نجران عام ١٠هـ/ ٦٣١م إلى مدينة رسول الله ﷺ، فتح لهم أبواب مسجد النبوة، فصلوا فيه صلاة عيد الفصح، مولين وجوههم إلى المشرق، ثم تركهم وما يدينون(٢)[2]، وعقد لهم عهدًا عامًا ودائمًا لهم ولسائر من يتدين بالنصرانية عبر الزمان والمكان، ولقد جاء هذا الدستور الذي تفردت به سماحة الإسلام دون كل الأنساق الفكرية والمواثيق الدستورية:

و«لنجران وحاشيتها، ولأهل ملتها، ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها، قريبها وبعيدها، وفصيحها وأعجمها، جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله، على أموالهم وأنفسهم، وملتهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يُغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته.. وأن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا.. بما أحفظ به نفسي وخاصتي وأهل الإسلام من ملتي».

في الخلافة الراشدة

ولقد امتدت هذه السماحة بامتداد الفتوحات الإسلامية التي أقامت «الدولة»، وتركت الناس أحرارًا في الدين: فرأينا أبا بكر الصديق «٥١ ق هـ- ١٣هـ/ ٥٧٣- ٦٣٤م» يوصي أمير الجيش الذاهب إلى الشام يزيد بن أبي سفيان «١٨هـ/ ٦٣٩م»: « إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له رواه مالك في الموطأ».

ووجدنا الراشد الثاني عمر بن الخطاب «٤٠ ق هـ- ٢٣هـ/ ٥٨٤- ٦٤٤م» يكتب عهد الأمان العهد العمري لأهل القدس «أيليا» عند فتحها سنة ١٥هـ / ٦٣٥م الذي قرر فيه: «الأمان لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم، وصلباتهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، وأنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود -وفق ما طلبوا- وعلى أهل إيلياء أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن.. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وبيعهم وصلبانهم، حتى يبلغوا مأمنهم.. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين..»(٣).[3]

بل لقد امتدت هذه السماحة الإسلامية، من إطار التعامل مع أهل الديانات السماوية –اليهود والنصارى– إلى أهل كل العقائد والديانات، فشملت المتدينين بالديانات الوضعية من أهل البلاد التي دخلت في الدولة الإسلامية، وعندما فتحت فارس -وأهلها مجوس عبدة النار- سأل عمر بن الخطاب مجلس الشورى «مجلس السبعين» عن الموقف من أهل هذه الديانات غير السماوية، كيف أصنع بالمجوس؟ فوثب عبد الرحمن بن عوف «٤٤ ق هـ/٥٨٠– ٦٥٢م» فقال: أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: «سنوا فيهم سنة أهل الكتاب»(٤).[4]

إن الإيمان –في الإسلام وبالإسلام– تصديق قلبي يبلغ مرتبة اليقين لذلك استحال الوصول إلى هذا الإيمان بأي لون من ألوان الإكراه، فكانت القاعدة القرآنية المحكمة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ﴾ (البقرة: 256)، لذلك كان سبيل الإسلام إلى القلوب هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125).

فمن استجاب قلبه كان مؤمنًا بالإسلام ومن أعرض قلبه فـ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6) ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ﴾ (الكهف: ٢٩)، وحسابه في الآخرة إلى الله وعلى الله، أما في الدنيا، فإن «له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين».

ولهذه الحقيقة كان انتشار الإسلام سلميًا، بل ودون مؤسسة تبشيرية ترعى وتعمل على هذا الانتشار، وإذا كانت أغلب بقاع عالم الإسلام، وأكثر شعوب الأمة الإسلامية عددًا لم تجر فيها فتوحات ولا حروب إسلامية، فإن كل حروب الإسلام إنما كانت دفاعًا عن حرية الاعتقاد، وحرية الضمير، وحرية الوطن الذي يعيش فيه المسلمون، فكل غزوات عهد النبوة إنما كانت ضد الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم وفتنوهم في دينهم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 39-٤٠).

فلم يعرف الإسلام «حروبًا دينية»، لقهر المخالفين على الإيمان به وكل ضحايا غزوات عهد النبوة من الجانبين –شهداء المسلمين وقتلى المشركين– هم، على سبيل الحصر ٢٨٦ قتيلًا، ۱۸۳ هم جملة شهداء المسلمين و٢٠٣ هم جملة قتلى المشركين (٥)[5]، بينما ضحايا الحروب الدينية داخل النصرانية بين الكاثوليك والبروتستانت قد بلغت عشرة ملايين وفق إحصاء «فولتير» «١٦٩٤– ۱۷۷۸م»، أي ٤٠% من شعوب وسط أوروبا أبيدوا في هذه الحروب الدينية التي امتدت نحو قرنين من الزمان!

أما كل معارك الفتوحات الإسلامية، في القرن الهجري الأول، فإنها كانت ضد جيوش القوى الاستعمارية التي قهرت الشرق، سياسيًا واقتصاديًا، ودينيًا وثقافيًا، لأكثر من عشرة قرون، ضد جيوش القيصرية الرومانية والكسروية الفارسية، ولم تدر معركة واحدة بين جيوش الإسلام وبين أهل البلاد المفتوحة، بل وقف أهل تلك البلاد -وهم على دياناتهم القديمة- مع جيوش الفتح الإسلامي وشاركوا في هذه الفتوحات، ورأوا فيها تحريرًا لأوطانهم من القهر الاستعماري الروماني، وتحريرًا لضمائرهم وعقائدهم من القهر الديني والحضاري بل ورأوها إنقاذًا إلهيًا لهم -على يد المسلمين- وعقابًا إلهيًا للمستبدين الرومان.

   شهادة حق

شهد الأسقف «يوحنا النقيوسي» على سماحة المسلمين في الفتح الإسلامي لمصر– فقال: «إن الله الذي يصون الحق، لم يهمل العالم وحكم على الظالمين، ولم يرحمهم لتجرئهم عليه، وردهم على يد الإسماعيليين العرب المسلمين»، ثم نهض المسلمون وحازوا كل مدينة مصر، وكان «هرقل» «٦١٠– ٦٤١م» حزينًا، وبسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مدينة مصر، وبأمر الله الذي يأخذ أرواح حكامهم، مرض «هرقل» ومات، وكان عمرو بن العاص يقوى كل يوم في عمله، ويأخذ الضرائب التي حددها، ولم يأخذ شيئًا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئًا ما، سلبًا أو نهبًا، وحافظ على الكنائس طوال الأيام(٦).[6]

وشهد بذلك أيضًا الأسقف «ميخائيل السرياني» فقال: «لم يسمح الإمبراطور الروماني لكنيستنا بالظهور، ولم يصغ إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت، ولهذا، فقد انتقم الرب منه، لقد نهب الرومان الأشرار كنائسنا بقسوة بالغة واتهمونا دون شفقة، ولهذا جاء إلينا من الجنوب أبناء إسماعيل لينقذونا من أيدي الرومان، وتركنا العرب نمارس عقائدنا بحرية وعشنا في سلام».(٧)[7]

فالفتوحات الإسلامية كانت تحريرًا لأوطان الشرق من الاستعمار والاستعباد والاستغلال الروماني وكانت «إنقاذًا» لنصارى الشرق ونصرانيتهم من القهر الروماني حررت الأرض وحررت ضمائر الشعوب، ثم تركتهم وما يدينون في سلام، فكانت نصرانية الشرق بهذه الفتوحات «هبة الإسلام».

 



[1] (1)     «مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة»، ص ۱۷– ۲۱، جمعها وحققها: د. محمد حميد الله الحيدر آبادي، طبعة القاهرة سنة ١٩٥٦م.

[2] (2)     ابن القيم: «زاد المعاد في هدي خير العباد»، ج٣، ص ٤٥٩، ،٥٠٥ تحقيق شعيب الأرنؤوطي، عبد القادر الأرنؤوطي، طبعة بيروت سنة ١٤١٨هـ/۱۹۹۷م، ومحمد بن يوسف بن صالح الشامي: «سبل الهدي والرشاد في سيرة خير العباد»، ج 7، ص ٢٤٦، تحقيق إبراهيم الترزي، عبد الكريم العزباوي، طبعة القاهرة سنة ١٤١٨هـ/ ١٩٩٧م.

[3] (3)     «مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة»، مرجع سابق، ص ٣٤٥، ٦٤٣.

[4] (4)     البلاذري: «فتح البلدان»، ص ۳۲۷، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد، طبعة القاهرة سنة ١٩٥٦م.

[5] (5)     ابن عبد البر: «الدرر في اختصار المغازي والسير» تحقيق د. شوقي ضيف طبعة القاهرة، سنة ١٩٦٩م.

[6] (6)     يوحنا النقيوسي: «تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي» ص ۲۰۱، ۲۲۰ ، ترجمة ودراسة: د. عمر صابر عبد الجليل، طبعة القاهرة، سنة ٢٠٠٠م.

[7] (7)     د. صبري أبو الخير سليم: تاريخ مصر في العصر البيزنطي، ص ٦٢، طبعة القاهرة، سنة ۲۰۰۱م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1229

الثلاثاء 24-مارس-1970

أصول الاقتصاد من الكتاب والسنة

نشر في العدد 2112

119

الأحد 01-أكتوبر-2017

مار جرجس.. والإله حورس!

نشر في العدد 61

110

الثلاثاء 25-مايو-1971

لقاءات المجتمع