العنوان أحزاب الحكومة تنقلب عليها .. ومعركة كـسر عظم مع النقابات
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 62
نشر في العدد 1530
نشر في الصفحة 25
السبت 14-ديسمبر-2002
شتاء ساخن في الأردن
تتعرض حكومة المهندس علي أبو الراغب - التي تعد الحكومة الأردنية الأطول عمرًا في العقد الأخير - لهجمات وسهام نقد حادة من كل حدب وصوب، وإن كان أكثر تلك الهجمات إثارة للدهشة تلك التي أطلقتها الأحزاب السياسية الموالية لكل الحكومات التي وقفت على الدوام مع المواقف الرسمية في مواجهة أحزاب المعارضة.
منذ تشكيلها قبل عامين ونصف العام واجهت حكومة (أبو الراغب) أزمات متواصلة مع القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، لا سيما وأن سجلها يعد في نظر الحقوقيين الأردنيين الأكثر استهدافًا للحريات العامة في فترة ما بعد عام 1989 التي تم التعارف على تسميتها بالحقبة الديمقراطية نظرًا لأنها شهدت استئناف الحياة البرلمانية التي كانت معطلة قبل ذلك.
حكومة (أبو الراغب) دخلت في مواجهة شرسة مع القوى السياسية بخصوص القوانين المؤقتة التي أصدرتها بعد حل مجلس النواب وتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى مرتين متتاليتين. وخلال فترة غياب البرلمان أصدرت الحكومة أكثر من 110 قوانين مؤقتة ترى مؤسسات حقوق الإنسان أنها أتت على كثير من هوامش الحريات والديمقراطية. ولم تُجدِ الاحتجاجات نفعًا في إثناء الحكومة عن سياسة تغييب الحياة البرلمانية والاستفراد بسن القوانين المؤقتة.
ثم جاءت الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة معان جنوب الأردن وذهب ضحيتها عدد من المواطنين وقوات الأمن أواخر الشهر الماضي، لتلقي ظلالاً قاتمة على صورة الحكومة في الساحة الأردنية التي لم تتعود على مواجهات مشابهة.
وحين عرضت القوى والأحزاب المعارضة وساطتها من أجل حقن الدماء والتوصل إلى حل يحول دون تفاقم الأحداث في المدينة، ووجهت بصدود ورد غير جميل من الحكومة ووسائل إعلامها، إذ رفضت تلك الوساطة وهوجمت الجهات التي عرضتها، لا سيما الحركة الإسلامية.
على إثر ذلك أصدرت القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بيانًا هاجمت فيه موقف الحكومة الرافض للوساطة، وحملتها مسؤولية ما يترتب على الأحداث جراء اختيارها أسلوب التعامل بالقوة مع قضية معان.
انقلاب مفاجئ
وبصورة لم تتوقعها الحكومة أو أشد معارضيها، جاء الانقلاب في موقف الأحزاب المحسوبة على الموقف الرسمي مفاجئًا للجميع؛ إذ اجتمع آواخر شهر نوفمبر الماضي نحو مائة شخصية حزبية غير معارضة تمثل أحزاب (الوطني الدستوري والرفاه والخضر والأجيال، وحركة دعاء)، وأصدرت بيانًا هاجمت فيه الحكومة بقسوة واتهمتها بافتعال الأزمات وتهميش الأحزاب وإصدار سلسلة من القوانين المؤقتة في ظل تغييب المؤسسات الديمقراطية كالبرلمان والبلديات.
كما هاجمت الأحزاب الوسطية معالجة الحكومة لمشكلة معان، وحمل بيانها عنوان (إسالة دم الأردنيين قضية يجب التوقف عندها). وقال البيان إن البلد يسير على حد السيف. وفي إشارة مباشرة وغير مسبوقة إلى مطالبة هذه الأحزاب برحيل حكومة أبو الراغب تساءل البيان عن جدوى استمرار مثل هذه الحكومة في إدارة أمور البلاد في ظل سياساتها الحالية، وهددت الأحزاب الخمسة بحل نفسها في حال استمرت الحكومة في تهميش دور الأحزاب ومصادرة دورها الوطني، وفي حال لم يحدث انفراجًا سياسيًّا في الأوضاع المتأزمة التي يعيشها البلد.
وطرحت الأحزاب المنقلبة على الحكومة سبعة مطالب رأت فيها خروجًا من حالة الاحتقان القائمة.
النقابات في مهب الريح
ولم تكد زوبعة بيان الأحزاب الموالية تهدأ، حتى تفجرت أزمة جديدة، وهذه المرة مع النقابات التي كانت علاقاتها بالحكومة متأزمة أصلاً على خلفية اعتقال ثلاثة من نشطائها في لجنة مقاومة التطبيع لمدة 53 يومًا ولم يفرج عنهم إلا في آخر يومين من الشهر المنصرم.
فقد أصدر الديوان الخاص بتفسير القوانين في 25/11 وبناء على طلب الحكومة، قرارًا اعتبر فيه مجلس النقباء الذي يمثل النقابات المهنية الأردنية الناشطة في الساحة، مجلسًا غير شرعي كما اعتبر اللجان المنبثقة عنه -لا سيما لجنة مقاومة التطبيع النقابية- لجانًا غير شرعية.
وبناء على هذا القرار أصدر وزير الداخلية في 28/11 قرارًا يحظر فيه أي نشاط لمجلس النقباء أو للجنة مقاومة التطبيع النقابية، ويحظر كذلك الانتساب إلى هذه اللجان، معتبرًا ذلك جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات.
ورافق ذلك قرار أصدرته محكمة العدل العليا يقضي ببطلان نتائج انتخابات مجلس نقابة المهندسين التي جرت في شهر أبريل الماضي وفاز فيها الإسلاميون بشكل ساحق، وتعد نقابة المهندسين كبرى النقابات المهنية الأردنية، إذ يزيد عدد أعضائها على ثلاثين ألف عضو.
وكانت العلاقات بين الحكومة والنقابات المهنية قد شهدت تدهورًا حادًّا على خلفية تصعيد النقابات لنشاطها في مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني ومقاطعة البضائع الأمريكية، وهو ما أزعج الحكومة ودفعها للتحضير لحملة تستهدف تحجيم النقابات التي تعد الجهة الأكثر فاعلية في الحياة العامة الأردنية وبصورة تفوق بمرات نشاط الأحزاب السياسية.
أزمة من نوع آخر
وكان الأردن قد شهد أزمة من نوع آخر عقب اغتيال دبلوماسي أمريكي كبير في العاصمة عمان الشهر الماضي دون أن تقود التحقيقات إلى أي خيوط يمكن أن تكشف عن هوية الجهة المنفذة لعملية الاغتيال ونتيجة لذلك قررت الإدارة الأمريكية تقليص طاقم سفارتها في عمان إلى الحد الأدنى من الدبلوماسيين الضروريين بسبب الوضع الأمني.
كما دعت الإدارة الأمريكية مواطنيها في الأردن إلى اتخاذ قرار حول بقائهم أو المغادرة في ظل الخطر الذي يتهدد أمنهم، ووعدت من يرغب منهم بمغادرة الأردن في وقت قريب بالحصول على تذاكر سفر مجانية. وجاءت هذه الإجراءات في ضوء تحذيرات أطلقتها الاستخبارات الأمريكية من أن حياة الدبلوماسيين والمواطنين الأمريكيين في الأردن ستكون معرضة لخطر شدید حال شن هجوم على العراق.
وكان قد سبق الخطوة الأمريكية بتقليص طاقم سفارتها في عمان خطوة مشابهة اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في أعقاب اغتيال تاجر يهودي وتعرض دبلوماسيين صهاينة لمحاولة اغتيال في عمان.
ویرى كثير من المراقبين السياسيين في العاصمة الأردنية أن الشتاء الحالي سيكون شديد السخونة سياسيًّا في ظل الأزمات المتعددة التي لم تهدأ بعد على الصعيد الداخلي، وفي ضوء التوترات الإقليمية المتوقعة حال بدء الهجوم الأمريكي على العراق. ويربط بعض المراقبين بين الخطوات التي اتخذتها الحكومة في الساحة المحلية والحرب المرتقبة ضد العراق، ويعتقد أن الخطوات الحكومية تأتي في إطار تهيئة الأوضاع لمواجهة تداعيات واستحقاقات الهجوم المرتقب.