; وفاة المفكر المسلم مالك بن نبي.. رجل من رجال العقيدة.. ثار على التبعية الفكرية | مجلة المجتمع

العنوان وفاة المفكر المسلم مالك بن نبي.. رجل من رجال العقيدة.. ثار على التبعية الفكرية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1973

مشاهدات 20

نشر في العدد 175

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 13-نوفمبر-1973

ونحن نقف عند ذكرى الانطلاقة الأولى للثورة الجزائرية الظافرة.. إذا بظلمة من طليعتها وصفوتها تقضى.. وتسقط بعد أن تجاوزت الثورة في مسيرتها المباركة حواجز الاستعمار المنيعة ومضت في طريقها.. كذلك فقد صادفت وفاة مالك بن نبي في توقيتها رحيل الكاتب المصري الدكتور طه حسين.. انطلقت صحف العالم العربي تنعى الدكتور طه حسين وتعدد مآثره ووجوه عطائه للأدب العربي والفكر الحديث في حماس بالغ... حتى أنها ما وجدت مجالًا لتذيع على الناس خبر وفاة مالك بن نبي.. أو نعيه ناهيك عن الإشارة إلى فكره وأعماله. وإذا كان الموت قد اختار هذين الرجلين في لحظة واحدة.. فإن الحديث عن أحدهما يساعد كثيرًا في إلقاء الضوء على شخصية الآخر من حيث موقفه الفكري وإسهامه في حركة الثقافة العربية المعاصرة.

فالمفكر الجزائري نشأ في بيئة مدنية ودرس في صفوف الدراسة الفرنسية الحديثة.. وتخرج مهندسًا كهربائيًا.. يجهل اللغة العربية وكل شيء عن آدابها. في حين أن طه حسين بدأ منذ نعومة أظفاره في تعلم القرآن والعربية من كتاب الريف وحتى أروقة الأزهر وتخرج عالمًا أزهريًا مستظهرًا لمتون الكتب اللغوية وحواشيها وواجه الرجلان محنة الفكر العربي في تلك الفترة التي تميزت بالمواجهة الحرجة بين الثقافة الأوروبية الحديثة والثقافة الإسلامية الموروثة.. فكان رد الفعل لدى كل منهما مختلفًا عن الآخر.

ففي الوقت الذي استشعر فيه مالك بن نبي مأساة جيله الذي اجتاحه تيار الغزو الفكري الغربي.. فاعتملت في نفسه تلك الثورة الثقافية التي كانت أساسًا لثورة الجزائر العظيمة ثورة البحث عن الذات والشخصية الحضارية الأصيلة.. وفي حين امتلأ حسه بالرفض لتلك الهزيمة الفكرية التي جعلت من جيله.. جيلًا مزورًا مقطوع الصلة بلغته ودينه وتاريخه، ومستعمر التفكير والعقيدة نجد أن طه حسين - مثل الكثير من رصفائه - قد أصيب بهزة نفسية مريعة حينما وقف على مظاهر النهضة العلمية الماردة القادمة من الغرب.. فأخذ يتبرأ من كل ما استظهره في ساحة الأزهر ويتبنى ما تلقنه أساتذته الغربيون من أفكار.. خصوصًا فيما يختص بالدين الإسلامي والتراث العربي وأفكار البناء القومي.

وكلا الكاتبين نزح إلى باريس لمواصلة التحصيل العلمي.. ولكن كيف استقبل كل منهما وكيف عاد؟ لقد وجد طه حسين الطريق ممهدًا أمامه فبعد أن ألقى بلباسه الأزهري في عرض البحر الأبيض بعد إقلاع الباخرة وارتدى زي «الحضارة».. استقبله المستشرق الإنجليزي «مارجليوث» كما يستقبل الأب ابنه ورعاه طيلة وجوده في باريس.. ثم عاد طه حسين يحمل لقب الدكتوراه وشهادات التقريظ ترافقه زوجته الفرنسية أما مالك بن نبي فقد واجه اضطهادًا حاقدًا وأوصدت في وجهه جميع السبل.. وعاد هو الآخر إلى القاهرة ليبقى لاجئًا سياسيًا..

وفي حين ظل طه حسين يتقلب في مناصب الدولة من رئاسة الجامعة إلى الوزارة إلى العمادة ويتمتع برضاء المسئولين وغضب الجماهير الشعبية.. كان مالك بن نبي محرومًا بعيدًا عن السلطان ومحبوبًا من قبل القاعدة الشعبية لارتباطه بفكرها ودينها. لكن تورط طه حسين في الدفاع عن الإنجليز والاحتلال.. وجهاد بن نبي ضد الاحتلال الفرنسي.. لم يشفع كل ذلك للحقيقة حينما انبرت المؤسسات الصحفية لحظة وفاتهما.. فأصبح طه حسين هو المناضل في حين لم يذكر أحد بن نبي كأنه لم يكن! ولم تجد الصحافة العربية والأدباء العرب ما يقولونه عن طه حسين سوى قصة كتاب «الشعر الجاهلي»، وأفكار مستقبل «الثقافة في مصر».. ولولا مؤامرة التزوير التاريخية التي تقودها هذه «المؤسسات» الصحفية.. لكان على الصحافة العربية أن تسكت عن هذين الكتابين من باب «اذكروا محاسن موتاكم». لقد قالت الأمة كلمتها في هذين الكتابين.. وحوكم طه حسين بتهمة العداء للقرآن والعداء للشخصية العربية الإصلاحية والتنكر للتراث والتاريخ.. لكن «المؤسسات الصحفية» تريد اليوم - تحت ستار الانفتاح والتجديد والجرأة الفكرية أن تحول التهمة إلى مأثرة والتخريب الخطير إلى عطاء بناء.

لم يكن هذا موضوعنا.. ولكن استطراد اقتضته المناسبة.. فلنعد لمالك بن نبي نقف وقفة عجلى أمام الأثر الخالد الذي حفره بفكره الثاقب على جدار الفكر الإسلامي المعاصر. ولن ننصف بن نبي أبدًا إن لم نقل عنه إنه مجدد.. في هذا العصر الذي اتسم فيه الفكر الإسلامي منذ عهد الانحطاط: التقليد والتكرار. لقد برز بن نبي كمجدد حقيقي.. في منهجه وفي أسلوبه وفي أعماله.. وشخصية بن نبي.. شخصية مؤهلة لتحمل مسؤولية التفكير والعمل الفكري.. لأنها شخصية متكاملة. فإلى جانب ذهنيته الجبارة التي ساعدته على الاستيعاب والابتكار.. كانت تربيته الدينية القويمة التي أكسبته إيمانًا حصيفًا ساعده في استجلاء الأفكار وتقويمها.

إن دراسة بن نبي العلمية في الهندسة والكهرباء أثرت كثيرًا في تفكيره، فتطهرت أفكاره من الهوى العاطفي وجاءت موزونة علميًا وموضوعية تحليلًا..

كما أن معايشته لواقع الوطن الإسلامي عامة وواقع الجزائر خاصة قد أعطت لأعماله مزية التفكير العملي والتوجيه الواقعي البناء.. ولعل هذه هي المزية التي تفرد بها بن نبي بين جميع المفكرين المسلمين في العهود الأخيرة.

كذلك ففي الوقت الذي اقتصرت فيه ثقافة معظم العلماء المسلمين على اجترار التراث الفقهي القديم كما هو.. نجد أن مالك بن نبي كان ملمًا بحقائق عصره واسع الثقافة متجدد المعلومات ومطلعًا. وكان ملمًا بالكثير من فروع المعرفة القديمة والحديثة مما جعل ذخيرته من الثقافة والمعلومات متكاملة وغنية.

أما أعمال مالك بن نبي فكثيرة.. إلا أن أبرزها هي سلسلة مشكلات الحضارة.. تلك القضية التي كانت محور تفكيره.. وأكثر ما يستوقف الإنسان من أعماله، كتاب شروط النهضة. وهو مؤلف رئيسي.. ضمنه أفكاره وفلسفته في البناء الجديد.. ويمكن وصفه بأنه برنامج فكري كامل وضع كأساس علمي لنهضة العالم الإسلامي في العصر الحديث.

وفيه يقول إن عناصر الحضارة تتألف من:

«إنسان + تراب + وقت» وإذا كان الوقت هو عامل مشترك في كل الحضارات، والتراب «موارد العالم الإسلامي الطبيعية» متوفر عندنا، فإن الإنسان هو العنصر الذي يحتاج منا إلى معالجة دقيقة وواعية.. ثم يعرض فلسفته في الإنسان. وعلى الرغم من هذا التجديد والمجهود الفردي، فإن فكر مالك قد تميز بالارتباط التام بأصول الفكر الإسلامي العقائدية.

أما العمل الرئيسي الثاني الذي أضاف به بن نبي إلى الفكر الإسلامي.. فهو كتاب «الظاهرة القرآنية».. وهو تفسير على منهج جديد.. لم يسبق الكاتب إليه فيما نعلم.. وقد قصد بهذا المنهج هدفًا مزدوجًا:

1 - أن يتيح للشباب المسلم فرصة التأمل الناضج في الدين.

2 - وأنه يقترح إصلاحًا مناسبًا للمنهج القديم في تفسير القرآن.

وهذه المهمة في نظر بن نبي ترجع إلى سببين أولهما سبب تاريخي خاص بالتطور الثقافي في العالم الإسلامي الذي يمر بمرحلة خطيرة، إذ تتلقى النهضة الإسلامية وأفكارها واتجاهاتها الفنية عن الثقافة الغربية. وهذه الأفكار الفنية لا تقتصر على أشياء الحياة الفكرية الجديدة التي يتعودها الشباب المسلم شيئًا فشيئًا، بل إنها تمس أيضًا، وبطريقة غامضة، ما يتصل بالفكر، وما يتصل بالنفس، وفي كلمة واحدة: ما يتصل بالحياة الروحية، ثم نبه مالك بن نبي إلى خطورة الظاهرة الجديدة ظاهرة التلقي العقائدي من المستشرقين والمبشرين، وأشار بصفة خاصة إلى رسالات الدكتوراة التي يقدمها مصريون وسوريون إلى جامعة باريس. وقال في مقدمة كتاب «الظاهرة القرآنية»: ومن العجيب أن نذكر ما تتمتع به هذه الأفكار الحمقاء من مجاملة ولا سيما في مصر عندما تصدرها جامعات الغرب، وأصدق مثال على ذلك وبلا جدال - الغرض الذي وضعه المستشرق الإنجليزي مارجليوث عن «الشعر الجاهلي» فقد نشر هذا العرض في يوليو عام 1925 في إحدى المجلات الاستشراقية، وفي خلال عام 1926 نشر «طه حسين»، كتابه المشهور «فن الشعر الجاهلي» فهذا التسلسل التاريخي معبر تمامًا عن تبعية أفكار بعض قادة الثقافة العربية الحديثة للأساتذة الغربيين.

والسبب الثاني.. هو ما سماه بن نبي «تطور نظرتنا في مشكلة الإعجاز».. ويقول إن إعجاز القرآن يجب أن يكون صفة ملازمة له عبر العصور والأجيال وهي صفة يدركها العربي في الجاهلية بذوقه الفطري كعمر رضي الله عنه أو الوليد بن المغيرة، أو يدركها بالتذوق العلمي كما فعل الجاحظ من منهجه الذي رسمه لمن جاء بعده، ولكن المسلم اليوم قد فقد فطره العربي الجاهلي وإمكانيات عالم اللغة في العصر العباسي وبرغم هذا فإن القرآن لم يفقد بذلك جانب الإعجاز لأنه ليس من توابعه، بل من جوهره وإنما أصبح المسلم مضطرًا إلى أن يتناوله في صورة أخرى، بوسائل أخرى، فهو يتناول الآية من حيث تركيبها النفسي للموضوع، أكثر مما يتناولها من ناحية العبارة، فيطبق في دراسة مضمونها طرقًا للتحليل الباطن. ويرى بن نبي أن مفسر الغد سيكون بحاجة إلى معرفة لغوية وأثرية واسعة، فإن عليه أن يتتبع الترجمة اليونانية السبعينية للكتاب القديم والترجمة اللاتينية الأولى من خلال الوثائق العبرية، وبصورة أعم عليه أن يتتبع جميع الوثائق السريانية والآرامية ليدرس مشكلة الكتب المقدسة.

• وقد كتب مالك بن نبي في مشكلة العالم الثالث وخص العالم الإسلامي بدراسات مفصلة وعالج قضاياه السياسية والاجتماعية راسمًا الطريق لنهضة هذا العالم، الذي أطلق عليه محور «طنجة - جاكرتا» وبروزه كقوة عظمى توحدها العقيدة والثقافة والكيان المتماسك. وفصل ذلك في كتابه «نحو كومنولث إسلامي» وكتاب «الفكرة الآسيوية الإفريقية» كما قدم بن نبي كتاب «مشكلة الثقافة» الذي تعرض إلى تعريف الثقافة وقضاياها المختلفة فكان جديدًا في مادته شيقًا في تحليله وخطيرًا في أفكاره.

هذه بعض الخواطر العجلى أثارتها.. وفاته وفاة الرجل الذي ولد في العصر الذي احتاجه ومات قبل أن يشهد آماله في عالم إسلامي متحرر ثقافيًا وسياسيًا تتحقق في الواقع.. وهكذا جاء مالك بن نبي دون أن تسبقه الضجة المفتعلة التي خلقت المعدومين.. وذهب دون أن تتبعه الضجة فكأنما خافوه ميتًا.. فلا نامت أعين الجاحدين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل