; بعد جولة بوش الآسيوية.. النظام العالمي الجديد بين واشنطن وطوكيو | مجلة المجتمع

العنوان بعد جولة بوش الآسيوية.. النظام العالمي الجديد بين واشنطن وطوكيو

الكاتب أحمد الكاتب

تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992

مشاهدات 56

نشر في العدد 985

نشر في الصفحة 32

الأحد 19-يناير-1992

واجه الرئيس الأميركي جورج بوش عاصفة من الانتقادات من الصحافة الأميركية لدى عودته من جولته الآسيوية إلى واشنطن يوم الجمعة العاشر من يناير الماضي وقد شملت جولة الرئيس الأميركي كلا من أستراليا وسنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان حيث كانت محطته الأخيرة موضع الانتقاد الرئيسي من خلال ما حدث فيها من مفاوضات وما ترتب عليها من نتائج.

تعليق الصحف الأميركية

وقد علقت الصحف الأميركية الكبرى على الزيارة تعليقات تراوحت بين وصفها بالمرحلة التسويقية أو الإخفاق التام أو وليمة سياسية خالية أو التخبط والاستجداء، فتحت عنوان: «ضاع في طوكيو» كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» تقول: «الديبلوماسية الشخصية هي إحدى مكامن قوة بوش كرئيس، ومن الواضح أن تسويق السيارات ليس إحداها، وزيارته إلى اليابان التي تخللتها إصابته بالتهاب المعدة والأمعاء كانت إخفاقا تاما».

أما صحيفة واشنطن بوست فقد وصفت رحلته وأحداثها بأنها تخبط، وقالت: «إن بوش حاول لأسباب سياسية داخلية تطبيق حل سطحي لمشكلة جوهرية هي الاقتصاد ولكن المحاولة لم تنجح».

أما وول ستريت جورنال، فكانت أقسى من غيرها وتساءلت عما كان بوش يأمل من تحقيقه من مهمة توفير الوظائف للأميركيين، وقالت: «إذا كانت غاية بوش هي إثبات زعامة الولايات المتحدة لعالم ما بعد الحرب الباردة فإنه لم ينجح.. والرئيس الذي نظم تحالفا ضد صدام حسين نزل إلى درجة بدا معها وكأنه يستجدي اليابان لشراء مزيد من قطع غيار السيارات الأميركية، ولابد أن رئيس وزراء اليابان كيشي ميازاوا الذي أربكه هذا التحول قد تأثر لدرجة أنه رد بالقول إن اليابان ينبغي أن تظهر إشفاقا أكبر تجاه الأميركيين، ورسالة بوش الضمنية كانت أن الحرب الباردة قد انتهت ولكن اليابان ربحت».

استقبال الآسيويين لبوش

رغم أن الرئيس بوش حظي بترحيب رسمي جيد في كل الدول التي زارها إلا أن زيارته قد لاقت انتقادا ورفضا شعبيا في معظم تلك الدول فقد خرجت المظاهرات التي تندد بالزيارة وترفضها على اعتبار أن الولايات المتحدة ستجني بعض الثمار الاقتصادية من هذه البلاد التي يعتبر أهلها أنهم أحق بها، وقد استقبل بوش في إحدى محطات جولته بصرخات ترفض استقباله لاسيما من اليابانيين الذين اعتبروا زيارة بوش غزوا اقتصاديا لبلادهم، لاسيما وأن الرئيس قد صحب معه رؤساء أكبر عشرين شركة أميركية في الصناعات المختلفة، منهم رؤساء ثلاث شركات سيارات، وربما كان هؤلاء الثلاثة مثار انتقاد اليابانيين الذين اعتبروهم قد جاءوا لـ«يبيعوا الماء في حارة السقايين»، نظرا لتفوق اليابان العالمي في إنتاج السيارات ونجاحها في غزو الأسواق العالمية بما فيها أسواق الولايات المتحدة.

نظرة يابانية جديدة لأمريكا

كاد يجمع المراقبون على أن زيارة الرئيس يش لليابان قد غيرت نظرة اليابانيين للولايات المتحدة على اعتبارها القوة العظمى الأولى على مستوى العالم الآن، وأنها هي التي تتحكم في مسار النظام العالمي الجديد وأصبحت صورة الولايات المتحدة لدى اليابانيين هي أنها قوة عظمى ضعيفة، وذلك حسبما جاء على لسان كثير من اليابانيين بعد متابعتهم لزيارة الرئيس بوش والوفد المرافق له، فقد ذكرت صحيفة نيهون كينداي شيمبون الناطقة بلسان الأوساط المالية اليابانية قائلة: «الرئيس بوش الذي تصرف بصورة رائعة في حرب الخليج قضى في خطاب ألقاه في متجر لألعاب الأطفال على الأسطورة التي كان كثير من اليابانيين لايزالون يكونونها عن أميركا والأميركيين، وإذا كانت هذه هي بداية الرئيس النظام الدولي الجديد، فلابد من أن يقلق المرء على مستقبل العلاقات بين اليابان والولايات المتحدة».

أما وكالة رويتر فقد نقلت عن موتوفومي آساي هو ديبلوماسي ياباني سابق ويعمل الآن أستاذا جامعيا قوله: «الولايات المتحدة لاتزال قوة عظمى عسكرية ولكنها اقتصاديا ميؤوس منها».

وقد اعتبر كثير من المدافعين أن زيارة بوش لليابان قد خطت باليابان خطوة إلى الأمام، شعر اليابانيون من خلالها أنهم قوة أصبحت على قدر أكبر من المساواة مع الولايات المتحدة، لذلك ارتفعت أصوات الكثيرين منهم لتقول لماذا ينبغي ان نصغي دائما إلى أمريكا.. أفلا ينبغي أن تصغي أمريكا إلينا؟

الربح والخسارة بين الطرفين

يكاد يجمع المراقبون على أن أرباح اليابان من زيارة بوش كانت أكثر من أرباح الولايات المتحدة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، فتركيبة الوفد الذي صحب بوش كانت منتقدة منذ البداية على اعتبار أنه وفد تسويقي، ولا يليق بدولة عظمى أن تتحرك بهذه البهرجة، كما أن حصيلة الزيارة لليابان تكاد لا تسمن ولا تغني، وأنها لا تتعدى وعوداً حسنة وسخية من قبل اليابانيين، وإن المائتي ألف فرصة عمل التي حمل الرئيس بشراها إلى العاطلين عن العمل في أميركا قد قابلها ارتفاع عدد العاطلين ثلاثمائة ألف عاطل خلال شهر واحد، مما جعل سقف البطالة في الولايات المتحدة يرتفع إلى ما يقرب من تسعة ملايين عاطل، وعاد الرئيس إلى الولايات المتحدة مختتما زيارة أثارت مخاوف كثيرة بشأن مقدرته على إنعاش الاقتصاد الأميركي الضعيف.

ورغم أن شعبية الرئيس بوش مازالت مرتفعة، إلا أن استطلاعات الرأي قد أظهرت هبوطا ملحوظا في تأييده للترشيح في الجولة الرئاسية القادمة لاسيما وأن مشهد الرئيس وهو مطروح أرضا أمام قدمي رئيس الوزراء الياباني قد زادت مخاوف الأميركيين حول قدرات الرئيس الصحية خلال الفترة القادمة.

أما اليابانيون فقد كانت أرباحهم عالية على المستويين الاقتصادي والسياسي واستطاعوا بقوتهم الاقتصادية أن يجعلوا كثيرا من الأميركيين يعتقدون أن اليابانيين أشد خطورة على الولايات المتحدة من الاتحاد السوفياتي السابق، كما أن رئيس الوزراء الياباني ميازاوا الذي كان يبحث عن فرصة يرفع من خلالها أسهمه في العلاقات الخارجية قد جاءته الفرصة على طبق من ذهب من خلال زيارة الرئيس الأميركي حيث جعل بلاده على قدم المساواة مع الولايات المتحدة حينما شدد على ضرورة توحيد جهود البلدين لإقامة النظام العالمي الجديد.

وقال ديبلوماسي ياباني: لقد قدمنا مساعداتنا للاقتصاد الأميركي، وإدارة بوش وافقت على مساعدة اليابان وعلى القيام بدور سياسي أكبر على الساحة الدولية وأن هذا الأمر يشكل بداية شراكة فعلية بين البلدين.

من الحرب الباردة إلى الحرب الاقتصادية

لقد أكدت زيارة الرئيس الأميركي بوش إلى اليابان والشرق الأقصى لاسيما زيارته لليابان على حقيقة مهمة هي أن الحرب التي تدور رحاها الآن بين الأقطاب الدولية الكبرى هي حرب اقتصادية بالدرجة الأولى، فبعد زوال الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة أصبحت المشاكل الاقتصادية تطغى على القضايا العسكرية والسباقات النووية وأصبحت الكيانات الاقتصادية القوية هي القوة التي يمكن لها أن تتحكم في كثير من قضايا العالم ومشاكله الكبرى، ولعل هذا يفسر مساعي المحور الاقتصادي الأوروبي الذي تقوده ألمانيا وفرنسا، والمحور الاقتصادي الآسيوي الذي تقوده اليابان مما يهدد قوة المحور الاقتصادي الأميركي.

وقد أكدت جولة بوش حقيقة مهمة هي أن القوة العسكرية ليست وحدها كفيلة بالبقاء دائما على قمة السلطة وخير دليل على ذلك انهيار الاتحاد السوفياتي وأن الدول ذات القوة الاقتصادية ستلعب دون شك دورا أساسيا وبارزا في صناعة الأحداث العالمية الكبرى خلال الفترة المقبلة، ولعل هذه الحقيقة هي التي دفعت كثيرا من المراقبين أن يتساءلوا في ختام جولة بوش وبقوة عمن سيحرك النظام الدولي الجديد: واشنطن أم طوكيو؟

الرابط المختصر :