العنوان من أعلام مدرسة النبوة: عثمان بن عفان رضي الله عنه (الحلقة الثالثة)
الكاتب الدكتور محمد الشويعر
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1976
مشاهدات 74
نشر في العدد 295
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 13-أبريل-1976
ثالث الخلفاء الراشدين يلتقي نسبه مع الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- في الجد الخامس عبد مناف.. له فضائل في الإسلام وذو منزلة في قومه طوال حياته. وقبيل بزوغ نجم الإسلام كانت مكة تعمر برجال الاقتصاد والتجارة.. فكان أبو بكر وعثمان-- رضي الله عنهما- من الرجال المعدودين فيها بالحنكة التجارية وصدق المعاملة والمكسب الحلال.. لم تستهوهما الأرباح الربوية التي يتعامل بها أهل مكة.. وما تزيده في المال من نماء.. وما تضاعفه من الرصيد الحسابي من أرقام.. حيث كانتنفساهما الخيرتان وروحاهما المتفتحتان مهيأتين لتعاليم الإسلام قبل إطلالته.. ولتقبل الدعوة المحمدية قبل ظهورها.
وما إن بدأ نبي هذه الأمة يدعو الناس سرًّا لهذا الذي أمره ربه بنشره حتى كان أبو بكر أول من بادر بالانضواء تحت لواء هذه الدعوة بنفس متعطشة وإقبال منقطع النظير لأنه لم يعهد من صديقه الكذب في شأن من شؤون الحياة؛ فكيف يفتري على خالقه؟! ويبتدع شيئًا من ذاتية نفسه.. وتحمل أبو بكر عبء الدعوة من جانبه.. وكان من البديهي أن يختص بها أقرب الناس إليه وألصقهم به.. ومن عسى أن يكون من هؤلاء إلا قرابة النسب.. وقرابة الاتصال بالمهنة.. فقد تختلف الآراء.. وتتفاوت الاتجاهات في أقرباء النسب.. ولكن من تربطهم عواطف الهدف.. واتحاد المهنة تكون رابطتهم الروحية ألصق.. وعاطفتهم المصيرية أقرب.. وهذا واقع حال أبى بكر.. فمع خطورة الدعوة المحمدية في مجتمع قريش الكافر بالمثل والقيم.. والمنكر لدعوة محمد- صلى الله عليه وسلم- الجديدة ومبادئها.. والحاسد لاختصاص محمد بن عبد الله بهذه الرسالة دون غيره من سادة قريش وأشرافها... فقد أختط لنفسه نهجًا ورسم لجهوده طريقًا ذلك الهدف هو جزء من الرسالة المحمدية.. ورأى أبو بكر وهو أول مستجيب لهذه الدعوة لزامًا عليه أن يبدأ بالتعريف بهذا الدين الجديد الذي جاء من عند الله صافيًا نقيًّا لينقذ الناس من ظلم الناس.. وتسلط القوي على الضعيف.. فبدأ شركاء المهنة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وهو من عهد عنه نظافة المعاملة وحسن الوفاء فكان أول من استجاب له عثمان بن عفان-- رضي الله عنه-- الذي انضم للجامعة المحمدية منذ أن بدأ محمد- صلى الله عليه وسلم- يبلغ فيها تعاليم السماء للاهتداء بهداها والسير على طريقها الممهد.
منذ ذلك التاريخ بدأ المال يساهم في انتشار الدعوة.. ويمدها بما يرسي دعائمها.. ورغم ضعف الموارد وقلة ما في أيدي الصفوة الأولى من المال.. ومقاطعة قريش لهم في المعاملة وهو ما يسمى في عصرنا الحاضر بالحصار الاقتصادي.. وفي هذا الجو القرشي المعاند.. والعنجهية السافرة ضد محمد وأتباعه فقد صمد أولئك النفر صمود الجبال الرواسي.. فهانت عليهم نفوسهم. وبذلوا أموالهم سخية.. نظير سلامة معتقد.. ودفاعًا عن مبدأ... وحماية لقائد كريم هو رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وهكذا دخلت الحرب الاقتصادية التي يثقل كفتها عثمان بن عفان- رضي الله عنه- معتركًا جديدًا يقف فيه توأمًا للحرب النفسية والصراع من أجل تغيير مجتمع الجزيرة الوثني.. وتطهير مكة من أدران الشرك وزيغ الضلال. عثمان بن عفان- رضي الله عنه- شهيد الحق وصهر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقف في هذا المعترك إلى جانب نبي الله يكافح عن دعوته بما يستطيع لا لأن قرابة النسب والرحم جمعت بينهما.. فذاك أبعد ما يفكر فيه، ولكن لأن هدى الله ومحبته لرسوله قد ملكا عليه مشاعره.. وناله في هذا السبيل من أذى قريش ما نال غيره من الرجال الأوائل.. فهاجر إلى الحبشة فارًا بدينه بعد أن اشتدت عداوة قريش وحربها لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.
ثم بدأت المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام بعد هجرة الرسول وأصحابه إلى المدينة تلك البلدة التي أصبحت معقلًا جديدًا للإسلام.. وقاعدة تنطلق منها معارك السيف والسنان.. معارك البطولات والتضحيات فاشتد ساعد المسلمين وهبوا خلف قائدهم الأمين- صلى الله عليه وسلم- أن تلقى من ربه أمرًا بمجالدة المشركين بالقوة ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج:39).
فكان طبيعيًّا أن يسهم المال بجانب الجهد الشخصي في إعداد الجيوش وتجهيزها. كيف لا؟ ورسالة السماء تحثهم على البذل والعطاء في سبيل الله ليجدوها أضعافًا مضاعفة عند من لا تنفد خزائنه.. ولا ينقص ما لديه- سبحانه وتعالى- مهما كان هذا العطاء.
تعاليم السماء تنزل وحيًا يتلى في كتاب الله الكريم.. تفسرها أحاديث المصطفى ليمتحن الله بها قوة إيمان عباده واستجابتهم لأوامره.. وطاعتهم لرسوله: ﴿وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ (فاطر:29).
﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (البقرة:245).
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (البقرة:195).
لقد كانت الأوامر تترى والحث يتوالى ففي القرآن الكريم أكثر من مائة آية تأمر بإرخاء اليد في سبيل الله وكسب رضاه.. والدفاع عن دينه.. ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحث في كل مناسبة ويدعو لكل معركة بالبذل والسخاء.. ويحبب في ذلك بما يوضحه من جزاء ومثوبة لمن يستجيب.. فكان من المسارعين في تلبية هذا النداء ذو النورين- رضي الله عنه- الذي وضع ما يملك من مال قربانًا لله فاستحق منزلة رفيعة عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين قال: «لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان» ([1]).
هذا هو عثمان بن عفان- رضي الله عنه- المثل الفذ للرجل الذي حباه الله قوة العقيدة.. ونقاء الضمير وصفاء النفس.. الذي يستجيب لأمر الله ويبادر لأمر رسوله فيجود بما ترغبه النفس.. ويسخو بما يرنو إليه الفؤاد.. فمع ما وهبه الله من مال.. فإنه ينفقه في أوجه الخير طمعًا فيما ادخره الله للباذلين من أجر لأنه يسمع ويعي ما يقوله الرسول.. ويتفهم ما حث عليه الباري في محكم التنزيل من ترغيب في الإنفاق فيبادر للاستجابة عن طواعية ورضا.. ذلك أن الإيمان قد وقر في قلبه فانجذب لأمر الله وأيقن بوعد الله لعباده المنفقين فهانت لديه العاجلة ورضي بما عند الله من الأجر والمثوبة.
ومع إننا لا نريد التعرض لجوانب الحياة التاريخية في حياة عثمان أو نحصر فضائله العديدة.. إلا إننا نضعه أمامنا من جانب واحد.. وفي خصلة واحدة من خصاله التي استقاها من المدرسة المحمدية ذلك وهو تسخيره ماله في سبيل الله.. ومسارعته لكل أمر محبب إلى الرسول.
وسنورد من سيرة عثمان الشهيد- رضي الله عنه-: بعض الحالات التي بادر فيها للمساهمة والبذل مع أن حياته كلها بذل وعطاء.. لنأخذ طريقته أسوة للاقتداء في البذل في سبيل الله.. فالإسلام في حاجة إلى السخاء والجود والنية الصادقة الهادفة.. لرفع راية الحق ونصر جند الله.. ومؤازرة عباده المؤمنين في أي مكان على
وجه الأرض.. لأنهم إخوة يسعى بذمتهم أدناهم و «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم» ([2])
ولنتعرف على أوجه المجد التي ساهم فيها عثمان- رضي الله عنه- ومثله في رجال المدرسة المحمدية كثير حيث كانوا يترصدونها واحدًا واحدًا.. ليتأسى بها أبناء الإسلام اليوم: إن التشتبه بالكرام يزين ([3])
1- عندما قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المدينة لم يكن بها مياه عذبة يستقي منها الناس إلا بئرًا تسمى رومه يملكها رجل يهودي.. فكان يتحكم في مياهها ويغلي ثمنه على سكان المدينة ومنهم المسلمون الذين نالهم الجهد في تحصيل الماء الكافي لثمنه.. ويقل ما في أيديهم عن الوفاء بالثمن المستمر.. فكان ذلك شق على رسول الله صلى الله عليه وسلم- حيث قال: من يشتريها ويجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير منها في الجنة» ([4])فبادر عثمان- رضي الله عنه- كعادته في السبق لكل خير واشتراها من صلب ماله بعد أن دفع لليهودي ما أطمعه في بيعها. وأوقفها- رضي الله عنه- على المسلمين.
2- بعد أن تزايد عدد المسلمين في المدينة وضاق بهم مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأراد أن يلمح لأصحابه عن رغبته- صلى الله عليه وسلم- في توسيعه حين قال: «من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له» ([5]) وكان هذا المربد ملاصقًا لمسجده عليه الصلاة والسلام.. فأدرك عثمان- رضي الله عنه- بفطنته ما يرمي إليه هذا القول فبادر لهذا النداء الصادر عن معلم البشرية- صلى الله عليه وسلم- فابتاعه بعشرين أو خمسة وعشرين ألفًا. وأتى النبي- صلى الله عليه وسلم- وأخبره بذلك فقال له: اجعله في مسجدنا وأجره لك. وكانت هذه أول زيادة تلحق بمسجد الرسول- صلى الله عليه وسلم.
3- في السنة الثامنة من الهجرة كان الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- يعد العدة لغزوة تبوك.. تلك الغزوة التي امتحن الله-سبحانه وتعالى- بها قلوب رجال يبرز إيمانهم.. تجهز الرسول في أشد أيام السنة حرارة.. وينادي منادي بالجهاد.. فيصعد- عليه الصلاة والسلام- المنبر كعادته عندما يحز به أمر فيحث المسلمين ويؤكد على تجهيز الجيش وفي موقفه هذا يكون أشد تأكيدًا لعدة عوامل: كاشتداد الحرارة وبعد المسافة ولعل أهمها عسرة أهل المدينة المالية.. وكما هي عادة عثمان- رضي الله عنه- تسخير المال في الملمات.. يبادر مرخيًا يده بما وهبها الله بنفسه تجهيز ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها ليوقفها في سبيل الله فتتجلى أسارير وجه الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتبتهج نفسه الطاهرة بهذا العطاء لوجه الله.. وتبرز ضخامة هذا العدد إذا عرفنا أن واحدًا كعثمان بن عفان- رضي الله عنه- يتحمل تجهيز نصف الجيش بكل ما يحتاجه من عدة وعتاد.. في وقت لا يوجد للدولة الإسلامية خزينة ثابتة ولا جند مفرغون للقتال.. أراد عثمان- رضي الله عنه- أن يبعث السرور في نفس الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو لا يزال على منبره.. فلم يكن يقصد الرياء في عمله.. وكأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد علم خبيئة نفس عثمان فنزل من المنبر وهو يردد بشائر القبول والمثوبة لعثمان ليبهج نفسه بالجزاء كما أراج ضمير الرسول إذ قال- عليه الصلاة والسلام: «ما على عثمان ما عمل بعد هذه.. ما على عثمان ما عمل بعد هذه» ([6])
4- وفي خلافة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- نزل بالمسلمين من البلواء والجهد والجوع ما ألحق بهم الضرر في عام المجاعة فيممت جموعهم شطر المدينة. حيث مقر الخلافة الإسلامية.. ومستوطن الصفوة الأولى من أمة محمد وأصحابه علها تجد طريق الإنقاذ وما يخفف وطأة ما حل بهم.
وكان لعثمان بضائع ضخمة من الأطعمة والمتاع.. وفدت على المدينة في قافلة كاملة تزلزل الأرض بثقلها وتتطلع الأنظار إليها.
ولكن نفسه العارفة بربها تأبى أن تتكسب بعرض من أعراض الدنيا وعباد الله يتضورون جوعًا فأضمر في ذاته خيرًا.. وما انطوت نفسه إلا على الخير منذ أن تغلغل الإيمان إلى صدره.. واصطبغ بدمه حب الله وحب رسوله وما جاء به من الحق واليقين.
فخرج مستقبلًا هذه القافلة.. والتجار يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم.. ليعطوه الأرباح المضاعفة.. ويرغبوه في إنجاز البيع.. وهو يقول لهم لقد أعطيت أكثر من ذلك.. وكلما زادوه ربحًا أجابهم بذلك الجواب المسكت.. حتى ضاقوا ذرعًا.. وقالوا من ذاك الذي يزيد عما أعطيناك ولا تجار في المدينة غيرنا.. فقال لهم بنفس راضية مطمئنة: إن الله يضاعف الحسنة بعشر إلى سبعين ضعفًا إلى أضعاف كثيرة.. اشهدوا أني وهبتها للمسلمين.
نعم، إن هذه هي التجارة الرابحة التي جعلت أولئك السلف الصالح يترفعون عن مزالق الحياة ويطلبون المال من أوجهه المشروعة لينفقوه في أبوابه المطلوبة.. أناس طلبوا الدنيا للآخرة فأتتهم راغمة وهم يهربون منها حيث لم تتدن نفوسهم إلى التكالب عليها.. والتكاثر غير المشروع. لأن كثرة المال لديهم تعني كثرة العطاء ولم تشغلهم عن طاعة الله وعبادته ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (النور:37).
وما أحوج المسلمين اليوم إلى التأسي بأمثال عثمان- رضي الله عنه- ذلك الرجل الذي سمت نفسه عن مطالب الحياة.. وجادت يده ندية بكل ما حباها الله يتلمس أوجه الخير تلمس من ينشد ضالة.. ذلك الذي يستحي منه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولما سئل لماذا؟. قال: «كيف لا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»
وما أجدرهم بالسير على طريقته التي هي تطبيقات عملية.. وتجسيد مجسم لما تلقاه من دروس في المدرسة المحمدية.. ففي مثل حياته عبرة.. وفي احتذاء سيرته إنقاذ لمجتمعات الإسلام من الانحدار إلى الهاوية والركون إلى الماديات التي نخشى من تغلغها في أمة الإسلام.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[1]حديث شريف رواه الترمذي بسنده عن طلحة بن عبد الله
[2]حديث شريف رواه البيهقي عن أنس ورواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية.
[3]عجز بيت وشطره الأول: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم.
[4]من حديث تمام بن حزين الذي خرجه الترمذي والنسائي.
[5]من حديث عبد الرحمن بن جناب الذي أخرجه الترمذي.
[6]من حديث عائشة- رضي الله عنها- الذي رواه مسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل