; الظاهرة الإسلامية المحيّرة.. هل يفهمونها؟ | مجلة المجتمع

العنوان الظاهرة الإسلامية المحيّرة.. هل يفهمونها؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 17-فبراير-2012

مشاهدات 64

نشر في العدد 1989

نشر في الصفحة 38

الجمعة 17-فبراير-2012

الظاهرة الإسلامية يوم أن ظهرت فاعلة على الساحة، وهي محيرة لكثير من المحللين الذين كانوا قد نفضوا أيديهم من الإسلام ودعوته، لأن موجة قوية جارفة، وتيارًا شديداً دفاقًا من المبادئ والدعوات والنظم والفلسفات والحضارات والمدنيات الدخيلة على بلادنا قد نافست كلها فكرة الإسلام في نفوس أبنائنا، وغزتنا في عقر دارنا، وأحاطت بنا في كل مكان، واحتلت قلوب الكثيرين منا ومشاعرهم وتهيأ لها من أسباب الإغواء والإغراء والقوة والتمكن ما لم يتهيأ لغيرها من قبل، وانخدعت بها أمم كانت في الصميم من دول الإسلام، وارتفعت أصوات دعاة هذه الفكرة الطاغية: أن خلصونا مما بقي من الإسلام، واطرحوا بقية فكرته البالية من رؤوسكم ونفوسكم، وفرح المستعمرون وأذنابهم بالمد الطاغي، واستبشروا بهذا الانقياد الأعمى.

وإذا بالفكرة الإسلامية تنهض من ثباتها، وتهب من رقدتها، وتنبعث عملاقة مدوية، تقود الجموع، وتحيي الهمم، وتنير الدروب وتغزو الدول، وظهرت مارداً ملأ المشرقين وأفزع المغربين، فحير الأغرار، وأذهل الجاهلين وأرعب المتربصين وكبت الحاقدين، وأثلج صدور المخلصين، وكانت حيرة للكثيرين وذهولًا للمراقبين بحجم عظمة الإسلام وقوة دعوته، وإرجافهم واختلافهم بقدر زخمه وسطوته، ولهذا عجبت كما عجب غيري بمقدار اختلافهم وكثرة انشعابهم حتى في تسميته أو وصف ظواهره، وإليك شيئًا مما أحصى بعض المراقبين، في بيان هذه الحيرة غير المسبوقة على نطاق العالم كله في المفاهيم المستخدمة لوصف الإسلام في الدراسات الغربية التي حيرتهم قبل وما زالت تحيرهم إلى اليوم، رغم انكشاف الأجواء واتضاح الأمثال.. ومنها على سبيل المثال:

1- الإسلام السياسي (Political Islam): ويقصد به منطلقات وأساليب وآليات توظيف الإسلام لتحقيق أهداف سياسية سواء من قِبَل الحكم أو المعارضة.

2- الإسلام التقدمي (Progressive Islam): وهو الذي يتضمن إمكانية تطبيق الإشتراكية التي كانت تدعي التقدم ولا يتعارض مع التحديث.

3- الإسلام الشوري (Revolutionary Islam): وهو الذي يسعى إلى إحداث تغيرات جذرية في الهياكل السياسية والفكرية السائدة في العالم الإسلامي، انطلاقًا من المبادئ والمقومات الشورية التي يتضمنها الإسلام، ويقترب من نفس المعنى السابق.

4- الإسلام الراديكالي (Radical Islam): من المفاهيم التي تضمنتها تلك الكتابات أيضًا.

5- الإسلام الشعبي (Popular Islam).

6- إسلام الجماهير (Islam of Masses).

7- الإسلام من أسفل (Islam from Below): ويعني به التصور السائد لدى العامة عن الإسلام.

8- الإسلام الرسمي (Official Islam).

9- الإسلام من أعلى (Islam from UP): ويعني به بعض المنطلقات والأساليب والمؤسسات التي تستخدمها النظم الحاكمة لتوظيف الإسلام كمصدر لاكتساب الشرعية السياسية.

١٠- الإسلام التحديثي (Modernist Islam): وهو في الحقيقة أقرب إلى الإسلام التقدمي، حيث يتضمن مقومات للحداثة، ولا يرفض ما هو وافد منه.

۱۱ - الإسلام المسلح أو النضالي أو القتالي (Militant Islam): ويشير المفهومان إلى الجماعات والتنظيمات الإسلامية التي تتبنى فكرًا انقلابيًا قوامه تكفير النظم الحاكمة ووصفها بالجاهلية، بل إن بعض تلك الجماعات تكفر المجتمعات أيضًا، وتستخدم القوة والعنف كأسلوب للإطاحة بالنظم القائمة وبناء مجتمع إسلامي جديد.

وهكذا تصنف الكتابات الغربية للإسلام في ثنائيات طبقا لمعايير لا تنبع من داخله، بل هي من خارج إطاره.

المفاهيم المستخدمة للتعريف بالظاهرة موضع الدراسة:

استخدمت الكتابات الغربية العديد من المفاهيم لتعريف الظاهرة المعنية، ولقد حاول بعض الكتّاب الغربيين تحجيم الظاهرة والتقليل من شأنها، فبرزت تعبيرات ومفاهيم مثل الغضب الإسلامي (Islam Anger) والهبّة الإسلاميةIslamic( Rumble، والتطرف أو الهوس الديني (Religious Extremism)، وهناك من نظر إلى الظاهرة باعتبارها نوعًا من الإصلاح الجديد (New Orthodxy)، أو هي مجرد عودة جديدة للإسلام (Return of Islam)، أو إحياء للتعاليم الإسلامية (Revival of Islamic Teaching)، أو زيادة في الوعي الديني والهوية الذاتية بالمصطلحات الإسلامية (Self Identification in Religous)، وهناك من قصر الظاهرة الإحيائية على مستوى الشعوب أو الجماهير فقط، ولذلك فهي مجرد صحوة دينية شعبية ( Popular Rellgious Revival) ، وهناك من نظر إليها بإعتبارها ظاهرة سياسية تتضمن زيادة لجوء كل من النظم الحاكمة والقوى المعارضة إلى الإسلام بحثًا عن أسانيد للشرعية ومصادر للقوة في إطار الصراع السياسي على السلطة، ولذلك فهي صحوة سياسية إسلامية (Islamic (Political Revival ، والتبس الأمر على بعض الباحثين الغربيين، فتساءل: هل هي صحوة إسلامية، أم نبوءة جديدة يدعيها بعض عناصر النخبة Islamic Resurgece or New Peohelhood؟

وهكذا، فإن الحيرة التي تعتري هؤلاء المنظرين للتوصيفات المختلفة تدل على إهتمام غير مسبوق بهذه الصحوة وبرجالها، وعلى قصد اختراع الأسماء والمسميات التي ربما تعوق وتلوث سمعة القائمين على الحركة الإسلامية، ولكن كل هذا في الحقيقة لا يخفي ما وراءه من إنزعاج وخوف وتيه يحتاج إلى تفهم أفضل وإلى دراسة أعمق، وإخلاص أشمل، لعل البشرية تنعم بالأمن والاستقرار في ظل تعايش بلا إكراه أو أحقاد أو نزاع واستعباد، وهذه هي الظاهرة الإسلامية اليوم تعود بقوة إلى الإبهار بعد زمان طويل، لتظهر هوية أمة كانت رائدة للحضارة الإنسانية، لترفع أعلامها من جديد وتجمع شمل الإنسانية.

وبعد.. فهل من مجيب إلى الفهم الصحيح والفقه الواعي والإخلاص الوفي بحق الرسالة الناهضة، وإن لم يكن فإن كتيبة الله سائرة والركب يتابع الخطو والرواد قادمون.. ﴿ولَيَنصُرَنَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيَ عَزِيزٌ (الحج:٤٠).

 

 

                                      

الرابط المختصر :