; موقف المسلم عند الكوارث | مجلة المجتمع

العنوان موقف المسلم عند الكوارث

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004

مشاهدات 55

نشر في العدد 1583

نشر في الصفحة 44

السبت 03-يناير-2004

﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ﴾ (سورة الأنعام: 18)
خلال ٢٤ ساعة حدثت کارثتان هزنا كل إنسان ذي ضمير حي:
الأولى: كارثة طائرة البوينج، في بنين التي راح ضحيتها أكثر من 130راكباً أغلبهم من اللبنانيين مسلمين ومسيحيين كانوا وعائلاتهم في طريقهم إلى لبنان لقضاء موسم الإجازات، وبدلاً من الترحيب والأشواق والأحضان التي كانت في انتظارهم من الأهل، إذا بالوجوم والحزن والدموع في استقبال التوابيت والجثامين.
الثانية: وهي أشد وأقسى كارثة زلزال كرمان بإيران الذي دمر مدينة «بم» الأثرية وقلعتها التاريخية التي صمدت الفي عام وراح ضحيته حتى الآن أكثر من ٢٠ ألفًا ومن السكان غير المصابين ٥٠٠ ألفًا.
فما موقف المسلم أمام مثل تلك الكوارث التي أصبحت خبرًا دائمًا علينا، لا يمر أسبوع أو شهر إلا ونفاجأ بها- كأننا لم نتعود عليها- تطل علينا من نشرات الأخبار وشاشات التلفاز وعبر شبكات الإنترنت؟
إن مقتضى الإيمان أن يتصور كل منا أنه يبيت أمنًا مطمئنًا ويعد نفسه ليوم عمل طويل وتشغل باله أمان عريضة لمستقبل واعد، فإذا به اليوم قبل أن يستيقظ من نومه تحت الأنقاض أو في أعماق البحار.
ما الذي يعنيه ذلك؟
- باختصار أن تكون مستعدًا للقاء الله تعالى، لأن الموت يأتي بغتة ويأتي من حيث لا تحتسب وليس شرطًا أن يسبقه مرض أو نذير.
- أن تبيت كل ليلة على نية الطاعة والإخلاص لله تعالى، على الأقل ألا تبيت شرًا لأحد أو تنوي غدرًا لإنسان، وأن تنام كل ليلة سليم الصدر تجاه الناس، قانعًا بما قدمت من طاعة الله، لم تدخر وسعًا في تقديم المزيد لثلا تندم ساعة اللقاء.
- أن تحب لقاء الله، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
- أن مقتضى الإنسانية أن تحزن لفقدان الأرواح وموت البشر في الكوارث بغض النظر عن معتقداتهم أو أديانهم أو ألوانهم.
- لقد قام رسول الله صلى الله علية وسلم لجنازة، فقيل له إنها ليهودي فكان رده البليغ الله أليست نفسًا؟
إن المسلم يتألم لعدم إيمان الناس ويكاد يزهق نفسه ابتغاء هدايتهم ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء :  3).
فما بالك إذا ماتوا بالآلاف ضحايا الكوارث بالزلازل أو الأمراض؟
إننا في حاجة إلى إيقاظ مشاعرنا وأحاسيسنا تجاه أرواح البشر التي حرم الله قتلها إلا بالحق وفي أضيق الحدود.
﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة:  ٣٢) إننا في
حاجة إلى تذكير أنفسنا على الدوام بهذه الحقائق لأننا أدمنا- عبر الإعلام- رؤية الكوارث ومشاهد الأشلاء فتبلدت مشاعرنا وماتت أحاسيسنا أن مقتضى الواجب الإنساني أن تسارع بتقديم يد العون والإغاثة إلى المنكوبين على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي، وأن تنظم هذه الجهود حتى تؤتي ثمارها وتساعد على إنقاذ الأرواح وتضميد الجروح وعلاج النفوس ولا تستقل جهداً تستطيع أن تقوم به.
أول المطلوب أن تلجأ إلى الله، ونتضرع إليه بالدعاء أن يخفف عن المنكوبين وأسرهم.
وثاني الواجبات أن تذكر ونعظ ونرشد كل من حولنا وتبين له واجبه كي يقوم به.
وثالث المهام أن نعمل جاهدين لدعم وغوث الضحايا، وأن نحاول قدر ما نستطيع تنظيم الجهود لتعظيم المردود وذلك عبر منظمات الإغاثة التي يجب أن نكونها وتنظمها ونقويها وندعمها كي تكون مستعدة لمثل هذه النكبات.
هذه الهيئات تحتاج أن تكون على قدم الأستعداد فالضحايا لا ينتظرون التبرعات، بل يجب أن تكون الأموال متوافرة، والمتطوعون رهن الإشارة للتحرك العاجل في مثل هذه الكوارث التي تحتاج إلى فرق طبية وخيام، وأغطية وأدوية وأغذية، وأدوات للإعاشة الطارئة.
وعن الواجب الحكومي ينبغي محاسبة المسؤولين بعد إنتهاء الكوارث عن دور الحكومات عبر البرلمانات والمجالس المحلية، فهل ما قامت به كان كافيًا لتلافي أو تقليل الخسائر وهل ما قدمته لإغاثة الضحايا يتناسب سرعة وكمية وأداء وتنظيمًا- مع حجم الكارثة وهل بعد ذلك ما تنفقه الدول والحكومات على المستوى الدولي على البشر لإتاحة حياة أفضل وأكثر أمنا يتوازى مع ما تنفقه على أسلحة الدمار، وما تكدسه في خزائن الأغنياء من دماء الفقراء؟!
أين إنسانية هؤلاء الذين يعملون على غزو الفضاء وتسليح النجوم بينما لا يأمن البشر على الأرض من المرض الفتاك «الآيدز» أو الكوارث؟
إن المحاسبة على المستويين المحلي والحكومي لا تغني عن المحاسبة على المستوى الدولي، وإن الأمم المتحدة التي ينادي أمينها العام- بمناسبة العام الجديد- بضرورة محاربة الفقر والمرض والجوع يجب أن تقف في جمعيتها العمومية موقفًا حاسمًا أمام الدول الغنية التي تهدر ثرواتها التي امتصتها من دماء شعوب أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية على مدار قرون على برامج التسليح وغزو الفضاء والحروب الاستباقية والبحث عن المجهول؟!!
إننا نحزن لفقد كل نفس بشرية بغير حق، بل نحزن لمجرد إفساد الأرض التي خلقها الله تعالى صالحة للبشر وذللها لهم بينما هم الذين أفسدوها.
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: ٤١)
ولكننا نتذكر هنا أن الموت الذي: منه فإنه ملاقينا، وأن العاقل هو الذي يختار الميتة الشريفة التي يحيا بها وبعدها أبد الآبدين ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:  169)
فالذين ماتوا في زلزال إيران أضعاف الشهداء الذين قدمهم شعب فلسطين من أجل حريته والدفاع عن مقدساته، فلماذا تتأخر عن التضحية؟
إن شهداء فلسطين أحياء عند ربهم يرزقون ماتوا ليصنعوا الحياة لشعبهم والأمان لأمتهم من أجل تحرير مقدسات المسلمين.
ولذلك فإن الأمة التي تحسن صناعة الموت توهب لها الحياة الحرة الكريمة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجمعة: 8) صدق الله العظيم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 120

113

الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

محليات (120)