; بعد تصريحات القاضي « جارثون » المثيرة حول المغرب حملة إسبانية قوية ضد مسلمي سبتة ومليلية المحتلتين | مجلة المجتمع

العنوان بعد تصريحات القاضي « جارثون » المثيرة حول المغرب حملة إسبانية قوية ضد مسلمي سبتة ومليلية المحتلتين

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر الجمعة 06-أغسطس-2004

مشاهدات 89

نشر في العدد 1612

نشر في الصفحة 28

الجمعة 06-أغسطس-2004

أثارت تصريحات القاضي الإسباني باتاسار جارثون يوم الخميس ١٥ من يوليو الجاري أمام اللجنة البرلمانية للتحقيق في تفجيرات مدريد يوم 11 من مارس الماضي بشأن المغرب عاصفة قوية من الاحتجاجات من قبل كل المكونات السياسية والدينية المغربية، وكان أبرز تلك الانتقادات ما تضمنه بيان صادر عن حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي رأى أن التصريح المذكور جاء خارج السياق وليس له من دور إلا التشويش على التطورات الإيجابية التي يعرفها المحيط الجهوي في الآونة الأخيرة .. كما نددت الحكومة بتلك التصريحات واعتبرتها تشجيعًا للتيار المتطرف في إسبانيا.

أما التصريحات التي أثارت المعركة مجددًا بين الرباط ومدريد فقد قال فيها القاضي جارثون في شهادته أمام اللجنة التي شكلها البرلمان الإسباني للتحقيق في التفجيرات: إن هناك ما بين ۹۰۰ إلى ألف «انتحاري» موجودين في المغرب ومستعدين لتنفيذ تفجيرات جديدة على غرار تفجيرات مدريد التي خلفت ۱۹۱ قتيلًا ومئات الجرحى، واعتبر فيها أن المغرب يشكل الخطر الرئيس لأوروبا وإسبانيا، كما طالب الحكومات الأوروبية بمزيد من التنسيق فيما بينها من أجل التصدي لأية أعمال إرهابية محتملة يمكن أن يقوم بها مغاربة.

ورغم تخفيف القاضي من حدة لهجته بعد حملة الاعتراضات التي واجهها سواء من المغرب أو الداخل الإسباني ذاته وأثنى على دور السلطات المغربية في ملاحقة الإرهابيين.. واعتقال ومحاكمة أكثر من ألفي شخص لهم علاقة بالإرهاب - على حد قوله - إلا أنه لم يعتذر عن تصريحاته السابقة.

اليمين الإسباني المتشدد - ممثلًا في الحزب الشعبي وعناصر من جهاز المخابرات الوطنية الإسبانية - استغل تلك التصريحات وأطلق حملة قوية ضد المغرب، لكن هذه المرة بالتركيز على مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين حيث عمد اليمين إلى نفض الغبار عن تقارير سابقة كانت حكومة أزنار اليمينية السابقة قد أعدتها في فترات المواجهة مع المغرب، والتي شهدت أوجها مع حادث إنزال القوات العسكرية الإسبانية في جزيرة ليلى المغربية في مايو عام ٢٠٠٢.

هذه الحملة جاءت متزامنة أيضًا مع نشر الوقائع الأولى لجلسات لجنة التحقيق البرلمانية حول تفجيرات مدريد والتي زعمت أحزاب اليمين فيها وجود بصمات إسلامية، خلف التفجيرات رغم أن القضاء الإسباني برأ ساحة ثلاثة مغاربة كان يشار إليهم على أنهم الرؤوس المدبرة للتفجيرات بعد التحقيقات التي قادها القاضي جارثون نفسه، مما أكد أن توجيه الاتهامات إلى المسلمين منذ البداية كان نتيجة ثقافة سائدة عمل الحزب الشعبي اليميني على نشرها بين الإسبان طيلة سنوات حكمه الثماني الماضية (١٩٩٦-٢٠٠٤)، ولم يكن نتيجة بحث وتحقيق.

من الاتهام إلى المحاصرة

اتجهت أنظار الدوائر الأمنية الإسبانية بعد وقوع الانفجارات إلى أماكن تجمع المسلمين وخاصة المساجد وأماكن العبادة، حيث بدأ نطاق الحصار يشتد حولها، وفي شهر يونيو الماضي نشرت يومية «لاراثون» المقربة من المؤسسة العسكرية تقريرًا مطولًا أعده المركز الوطني للمخابرات عن عدد المساجد في الفترة من ۱۹۹۲ إلى ۲۰۰٤ قال فيها: إن عدد المساجد في مدريد ارتفع من ثلاثة فقط عام ۱۹۹۲ إلى 55 مسجدًا اليوم، وعلى مستوى مدن إسبانيا ارتفع عددها من ٤٠ إلى ٢٣٠ مسجدًا خلال نفس الفترة، يزعم التقرير أن تمويلها يحاط بكثير من التعتيم، ومن بين ٥٥ مسجدًا في مدريد قال التقرير إن المخابرات الإسبانية حددت ۱۳ مسجدًا تشهد حضورًا كبيرًا لمن أسماهم متطرفين مغاربة أو ذوي ارتباط بجماعات إسلامية متشددة تنشط فوق التراب الإسباني، وزعم التقرير أن الجماعات الإسلامية المتشددة، تلك هي جماعة الإخوان المسلمين المصرية وحركة حماس الفلسطينية، وجماعة المرابطون ذات الأصل الجزائري وجماعة العدل والإحسان المغربية وجماعة التبليغ ذات الأصول الباكستانية، ونصح الدوائر الأمنية الإسبانية بتشديد المراقبة على بناء المساجد والحد منها، وملاحقة المصلين لمعرفة ميولهم السياسية والدينية. 

وامتدت هذه الحملة إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين شمال المغرب حيث اتهمت سلطات الاحتلال الإسباني فيهما الحكومة المغربية خاصة وزارة الأوقاف بالتدخل في تعيين أئمة المساجد في المدينتين وتوجيه الخطباء فيها، وأصدرت تلك السلطات مؤخرًا قرارًا يقضي بأن يلقي الخطباء خطب الجمعة باللغة الإسبانية بدلًا من العربية مما فجر عاصفة من الغضب في صفوف مسلمي المدينتين، رغم أن خطبة الجمعة في المدينتين تلقى بداية باللغة العربية ثم تجري ترجمتها فيما بعد إلى اللغة الإسبانية.

في قفص الاتهام 

أيضًا سارع اليمين الإسباني بإخراج ثلاثة تقارير سابقة أعدها جهاز المخابرات وأعاد نشرها لصب المزيد من الزيت على النار وإذكاء نيران الحقد ضد المسلمين في سبتة ومليلية وضد المغرب، وهذه التقارير تم إعدادها في الفترة ما بين ۲۰۰۰ و ۲۰۰۲ في مرحلة حكم الحزب الشعبي، وقد تم تحضيرها في ذلك الوقت بهدف إقناع المؤسسة العسكرية بصواب الخيارات المتشددة للحكومة تجاه المغرب، والتي توجت بأزمة جزيرة ليلى المغربية.

التقرير الأول: يتكون من ٢٥ صفحة ووضع في نوفمبر ۲۰۰۰ تحت عنوان التمييز العنصري والأعمال المعادية لإسبانيا في سبتة... وهو يطالب الحكومة بتشديد المراقبة بالمدينة المغربية المحتلة وتوظيف المزيد من موظفي المخابرات في المدينة التي لا تتوفر - حسب التقرير - شخصًا مختصًا في قضايا الإرهاب، ويقول التقرير إنه ينبغي منع الأئمة غير الإسبان والذين لا يمتلكون معرفة واسعة بالدين الإسلامي والمنع من ممارسة أي نوع من التجارة انطلاقًا من المساجد، في إشارة إلى المخدرات، مضيفًا أنه في فترات المواجهة بين الاحتلال الصهيوني والفلسطينيين كانت بعض المساجد مراكز لنشر الشعارات المعادية للأجانب والدعاية للحرب ضد اليهود، وأن الشعارات المنادية بـ الجهاد، كانت تكتب على جدران المساكن والبيوت المجاورة لتلك المساجد.

أما التقرير الثاني: فهو يعود إلى عام 2002 وأعدته سلطة الاحتلال المحلية التابعة لحزب الشعب ويقول: إن كل المساجد وعددها ٢٤ مسجدًا مبنية خارج القانون، ويضيف التقرير أن من بين ٤٠ - ٦٠ مشتبهًا في تورطه في تفجيرات مدريد يحملون الجنسية المغربية وغالبيتهم قاموا بزيارة مدينة سبتة في أوقات مختلفة بل يزعم التقرير أن جل هؤلاء تحولوا إلى متطرفين، بعد استقرارهم في المدينة المحتلة.

أما التقرير الثالث: فهو يتعلق بمدينة مليلية المحتلة في تاريخ ٢٦ أبريل الماضي، أي بعد شهر من تفجيرات مدريد وزعم فيه أن المدينة المحتلة أصبحت المركز الأهم لتجارة المخدرات وتبييض الأموال، وأنها المدينة الأوروبية الوحيدة التي يجري فيها مثل هذا الحجم من التجارة، وقال التقرير إن المغرب هو المنتج الرئيس للمخدرات ويشكل مصدرها الرئيس نحو أوروبا عبر المدينة المحتلة، وحسب معدي التقرير، فإن الحكومة الإسبانية في مدريد تعتبر مليلية المحتلة من بين أولوياتها في محاربة التهديد الإرهابي الإسلامي...

تخوفات اليمين الإسباني

اليمين الإسباني يرى اليوم - بعد وصول الاشتراكيين إلى الحكم - أن سياسات الحكومة مع المغرب مجرد رزمة من التنازلات والتراجعات عما كان عليه الأمر مع الحكومة السابقة، خاصة بعد زيارة ثباتيرو للمغرب مارس الماضي بعيد انتخابه بأيام قليلة وتأكيده أن زمن أزمة جزيرة ليلى قد ولى.

ویرى أقطاب اليمين الإسباني أن قرار الحكومة بسحب قواتها العسكرية من العراق، مع ما يعنيه ذلك من الطلاق بين مدريد وواشنطن وإعطاء الأولوية للاتحاد الأوروبي، يشكل تحولًا جذريًا في السياسة الخارجية الإسبانية، ويسيء إلى اليمين المحافظ الذي كان يسعى إلى فك الارتباط مع أوروبا والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على حساب مصالح إسبانيا وعلاقاتها وعضويتها في الاتحاد الأوروبي.

وقد استغل اليمين التقارب الذي حصل مؤخرًا بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية. ليوجه تحذيرات إلى الحكومة، زاعمًا أن هذا التقارب موجه بالدرجة الأولى إلى إسبانيا قبل غيرها، وأن حل قضية الصحراء سيشجع المغرب على المطالبة بسبتة ومليلية المحتلتين وقد عبر وزير الخارجية السابق والناطق الرسمي باسم حكومة الحزب الشعبي - سابقًا - جوزيف بيكي عن هذه التخوفات التي تسيطر على اليمين عندما صرح في لقاء مطول مع جريدة  أبي سي، يوم 26/6/2004 قائلًا: «إنني أتساءل هل تراجعنا في الأشهر الأخيرة أم تقدمنا فيما يخص موقعنا الاستراتيجي؟ وأطرح السؤال بطريقة مغايرة في حال ما إذا قرر المغرب الضغط من أجل سبتة ومليلية، من سوف يساعدنا؟  في إشارة إلى تخلي واشنطن عن مدريد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل