; أربعون عامًا على وفاة العقاد | مجلة المجتمع

العنوان أربعون عامًا على وفاة العقاد

الكاتب صلاح حسن رشيد

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2004

مشاهدات 69

نشر في العدد 1589

نشر في الصفحة 52

السبت 21-فبراير-2004

قبل ثلاثة أرباع القرن العقاد يخاطب الغرب في عبقرياته في حوار حضاري لم يسبق له مثيل أربعون عامًا مرت على وفاة أديب العربية ومفكرها الأبرز في القرن العشرين، وجاحظ العصر الحديث عباس محمود العقاد ۱۸۸۹- ١٩٦٤م، العصامي الذي اعتمد على نفسه وكون ثقافته الذاتية بعيدًا عن المدرسة والجامعة، والموسوعي الذي قرأ في كل شيء؛ بداية من الأدب والفلسفة والمنطق والتاريخ والاجتماع والنفس، مرورًا بالتشريح والحيوان والنبات والحشرات والطيور والصواريخ والطب والفلك، ولا ننسى البلاغة والشعر واللغة والتراث العربي الإسلامي، وهضم كل ما وقعت عليه عيناه من أجل المعرفة الإنسانية والاهتداء إلى كل ما هو جديد ونافع للبشرية الحديث عن العقاد محاولة لإيقاد جذوة تجديد الفكر في الرقعة العربية بالاعتماد على ما تمثله من ذخيرة حية استطاعت أن تبني وتؤسس منهج التفكير والبحث العلمي، وكيفية الكتابة التي تقينا من سموم الاستشراق وأباطيل الغزو الفكري، لا سيما في اللحظة المصيرية التي تعيشها الأمة العربية الإسلامية اليوم، وتكالب سهام الأعادي باتجاهها مرة باسم الإرهاب، وأخرى باسم التخلف والرجعية!!

 العبقريات نموذج حي للقدوة الصالحة

 من حسنات هذا الرجل، وتصاريف الأقدار أنه اختط نمطًا جديدًا وصعبًا في كتابة تراجم عظماء الإسلام من أمثال سيد الخلق محمد ، والصديق أبي بكر، وعمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب وخالد بن الوليد ويعجب المرء ويحتار كثيرًا عندما يتساءل لماذا لم تمتد عبقريات العقاد لتشمل آخرين على أن هذه الحيرة سرعان ما تتلاشى إذا عرفنا أن المصطفى كان مثال التفرد في ميدان الرسالة والنبوة والجنس البشري أما الصديق فهو الرجل الذى كانت عبقريته عبقرية مواجهة الفتن والخصوم، وقت أن كان الإسلام فتيًا بينما تبرز عبقرية عمر في ميادين الإدارة الحديثة، وفنون الحرب والفتوح وتدوين الدواوين، وتصريف شؤون الدولة أما عبقرية علي فتتجسد في فروسيته والمعيته وعلمه وتقواه وذكائه الحاد وفراسته وزهده في حين تبدو عبقرية خالد في فنون الغزو والعسكرية فإذا ما جمعنا هذه العبقريات بجوار بعضها البعض، وضممناها معًا ألفينا صورة جميلة بارزة للعيان، تصلح دليلًا على حيوية هذا الدين وعلى أنه دين الفطرة الصحيحة والعلم والمدنية والحضارة والروح معًا، وأنه صالح لكل الأزمان والأوطان والبيئات والنفوس كذلك نستفيد من منهج العقاد غير المسبوق في التراجم هذه كيفية تقديم النموذج القدوة الصالح للسير على نهجه، سواء في التربية أو في الإدارة أو في السياسة، أو في والتشريع العصري أو في العلم والبحث المعرفي أو في العسكرية أو في رجل الدولة الذي لا يغفل عن ماضيه، ولا يتناسى حاضره ومستقبله، وكيف أن الإسلام دين المراقبة للحاكم والمحكوم بشرط مراعاة الله في كل شيء، وعدم الخروج على حقوق الرعية أو إهدارها عن عبقرية محمد الله يقول العقاد التاريخ هو فيصل التفرقة بين محمد وشاننيه حكمه أنفذ من حكم الشانئين والأصدقاء، وأنفذ من حكم المشركين والموحدين، وأنفذ من حكم المتدينين والملحدين لأنه حكم الله وقد حكم له أنه كان في نفسه قدوة المهذبين، وكان في عمله أعظم الرجال أثرًا في الدنيا، وكان في عقيدته مؤمنًا يبعث الإيمان، وصاحب دين يبقى ما بقيت في الأرض أديان وسيطلع في الأفق هلال ويغيب هلال وسيذهب في الليل قمر، ويعود قمر وتتعاقب هذه الشهور التي كأنها جعلت لتاريخ ما بين الصدور : لأن الناس لا يؤرخون بها مواسم الزرع، ولا مواعد الأشغال ولا أدوار الدواوين والحكومات ولا ينتظرونها إلا هداية الظلام، وسكينة مع الليل أشبه بهداية مع حقاب العقيدة في غياهب الضمير وعن عبقرية الصديق يقول: مات وهو صاحب الدعوة الثانية في الإسلام، فكان الثاني بعد النبي في كل شيء من قبول الإسلام إلى ولاية أمر الإسلام إلى تجديد دعوة الإسلام، بعد أن نقضت الردة دعوته الأولى وأوشكت أن ترجع بها إلى الجاهلية الجهلاء ثاني اثنين وأول مقتد وأول مجيب.

أما عبقرية عمر فتظهر من خلال قول العقاد ولنا أن نفسر العبقرية بمعناها الذي يفهمه الأقدمون أو بمعناها الذي نفهمه نحن المحدثين فكلا المعنيين مستقيم في وصف عمر بن الخطاب أتراها على كلا المعنيين شيئًا غير التفرد والسبق والابتكار؟ كلا، ما للعبقرية مدلولًا يخرج عن صفة من هذه الصفات، ومن يكتب تاريخ عمر فقد يجد في النهاية أنه يكتب تاريخًا الأول من صنع كذا وأول من أوصى بكذاء حتى ينتهي بسرد هذه الأوليات إلى عدد العشرات وتلك هي عبقريته التي لا يفري فريها أحد كما قال صاحبه وأعرف الناس به صلوات الله عليه أما في جانب الأدب والنقد فقد أقام العقاد مدرسة أدبية ذات سمات خاصة متأثرة بالأدب الإنجليزي في مضمونها وجوهرها وكانت تتجه وجهة جديدة بالشعر العربي، وطمح أن يبلغ بها شأوًا بعيدًا لكنه تعرض لسياط من النقد الموجع الذي أظهر عوار مدرسته!! وفي جانب الشعر أخرج العقاد أحد عشر ديوانًا، التزم فيها المبادئ التي نادى بها، إلا أن شعره على العموم يقف في منتصف المسافة بين فحول الشعراء وشعاريره ولا يعيب العقاد خمول ذكره في دنيا الشعر فتكفيه تراجم عظماء الإسلام وقادته وقد أخرج نفائس فكره بتحليله الدقيق وتصويباته الموفقة، وتخريجاته الصائبة، التي رأي فيها حوادث الإسلام بعين البصيرة المجتهدة، وليس بعين المؤرخ الذي يسرد الأحداث فحسب، ويكفيه أن كان مبدع الكتابة الجديدة عن الإسلام ضد أباطيل مناوئيه بأسلوب عقلاني علمي، حاور فيه الغرب حضاريًا قبل ثلاثة ارباع القرن وفي ذكرى وفاته الأربعين نلتفت اليوم يمينًا وشمالًا، لعلنا نجد كاتبًا في حجم وضخامة فكر وعبقرية العقاد، لأن الحاجة ماسة إلى من يسد مسده ويقينًا حراب الصهيونية المتجبرة والإمبريالية الطاغية وعنفوان المادة المسيطرة على الألباب والعقول ويكتب للامة تاريخ عظمائها من جديد، وتاريخ وقايتها من آفات الضعف والخور التي تحياها في ذل ومهانة!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 117

75

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

أكثر من موضوع (117)

نشر في العدد 743

95

الثلاثاء 26-نوفمبر-1985

ثقافة (العدد 743)