; الموقف الروسي والفرنسي من المسألة العراقية.. نغمات في مقطوعة أمريكية | مجلة المجتمع

العنوان الموقف الروسي والفرنسي من المسألة العراقية.. نغمات في مقطوعة أمريكية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 16-ديسمبر-2002

مشاهدات 55

نشر في العدد 1527

نشر في الصفحة 36

الاثنين 16-ديسمبر-2002

  • المصالح تتلاعب بالمواقف وتصبغها باللون الأكثر نفعًا.

استقر الوضع الدولي - حتى الآن- بشأن العراق عند حلحلة الموقف الأمريكي وتخلي واشنطن عن استخدام القوة التلقائي ضد العراق.. فبعد مناقشات استمرت أسابيع داخل مجلس الأمن تخلت واشنطن عن مطلبها تضمين القرار بشأن العراق إمكانية اللجوء تلقائيًا إلى القوة في حالة عرقلة بغداد عمل مفتشي نزع الأسلحة.. لكن قبل التوصل لتلك الصيغة حفلت الساحة الدولية بمواقف وقرارات متباينة تجاه قضية التهديدات الأمريكية بضرب العراق.. وكان أبرز تلك المواقف... الموقفين الروسي والفرنسي اللذين حفلا بتناقضات ومتغيرات لافتة للانتباه. 

لذا كان من الضروري قراءة التغيير في الموقفين الروسي والفرنسي، وعلاقة ذلك بالضغوط الأمريكية على مجلس الأمن والأمم المتحدة للحصول على تفويض باستخدام القوة. بعدما فشلت واشنطن في جر العالم خلفها بعيدًا عن المنظمة الدولية لمواجهة العراق. 

وقد شهدت السياسة الأمريكية حيال العراق موجات من الرفض الدولي، جسدتها موسكو في إعلانها حق النقض في مجلس الأمن ضد فرض العقوبات الذكية على العراق، وظهرت في الأفق بوادر جديدة للتقارب بين موسكو وبغداد عززها لوبي بغداد في روسيا الذي يجمع بعض شركات إنتاج النفط الروسية العاملة في العراق أو التي تسعى للحصول على عقود وامتيازات، فضلًا عن ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو ٢.٥ مليار دولار عام ۲۰۰١م، كذلك راهنت موسكو أن يؤدي تقاربها مع العراق إلى إفشال الحصار، مما يتيح لبغداد تسديد عشرة مليارات من الديون المستحقة لموسكو .

ودفعت هذه الخطوات المتقاربة بين موسكو وبغداد إلى توقيع بغداد عقود مبدئية مع روسيا بقيمه ٤٠ مليار دولار في مجال إعادة الإعمار والتنقيب، وهي عقود كان يتوقف تنفيذها على إنهاء العقوبات المفروضة على العراق، وأشار بعض الخبراء إلى أن شركات النفط الروسية كانت تتوقع تحقيق أرباح تبلغ قيمتها نحو عشرين مليار دولار من تنفيذ عقود استثمار النفط والغاز في منطقة غرب القرنة العراقية وحدها.

    تراجع روسي مستمر

وهذا يدفع إلى التساؤل عن أسباب التضحية الروسية بمصالحها الضخمة في العراق لصالح الولايات المتحدة، إضافة إلى مصالحها الاستراتيجية؟ والإجابة عن هذا التساؤل المهم تفتح ملف التراجع الروسي عن أغلب مناطق نفوذها في العالم تاركة المجال للنفوذ الأمريكي، فموسكو تدرك أنها عاجزة عن التعامل مع واشنطن من موقع الندية التي كانت طاغية على علاقة البلدين إبان وجود الاتحاد السوفييتي، وتدرك أيضًا أنها ستقف عاجزة عن أي مواجهة سياسية مع السياسة الأمريكية التي تسعى لفرض هيمنتها على العالم ودفع روسيا للعلمة ما تبقى لها من نفوذ ومصالح خارج أراضيها. والبقاء خلف حدودها الملتهبة تنتظر المساعدات والمعونات الغربية وأدى هذا إلى محاولة موسكو العمل على كسب بغداد دون أن تخسر واشنطن، وتعاملت في بعض مراحل الأزمة بمنطق الرفض المتزن أي رفض الموقف العراقي في عدم السماح بالتفتيش الدولي على الأسلحة، وفي المقابل رفض منطق الحرب الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على الجميع.

وفي المقابل تحركت الولايات المتحدة فأخرجت «الجزرة» التي أسالت لعاب الروس بانتظار الاستثمارات الأمريكية في مجال النفط فكان اجتماع هيوستن لمناقشة هذه القضايا، بل يبدو أن واشنطن ذهبت بعيدًا في إغراء الروس، حتى إن البعض يتحدث عن اتفاق أمريكي روسي لضرب منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» وتحقيق سيطرة مشتركة على سوق النفط العالمية.

غير أن هذا الرفض المتزن اتجه بقوة نحو الاقتراب من الموقف الأمريكي، بل كانت مواقف الرئيس الروسي بوتين تبدو وكأنها تدفع واشنطن من الخلف إلى تبني خيارات متشددة ضد العراق، وحصره في خيارات مغلقة، إما السماح بالتفتيش دون قيد أو شرط وإما استخدام القوة تحت ستار من الشرعية الدولية. 

فقبل وصول الأزمة العراقية إلى النقطة الحرجة الحالية، رفض بوتين استقبال طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي مادام أنه لن يأتي إلى موسكو حاملًا موافقة بغداد على عودة المفتشين الدوليين، ثم توالت التصريحات من جانب المسؤولين الروس، ومن بينهم وزير الخارجية إيفانوف التي تطالب بغداد بقبول المطلب الأمريكي بعودة المفتشين، وأخذت الأصوات الروسية المناهضة لضرب العراق تختفي مع زخم الداعين للاقتراب من واشنطن حتى ولو على حساب العراق، لقد صرح بوتين لجريدة وول ستريت جورنال في فبراير الماضي بأن استعمال القوة ضد العراق يجب أن يكون مبررًا، كما كانت الحال بالنسبة لطالبان، وينبغي تقديم براهين يقر بها الجميع وكانت هذه التصريحات كافية لالتقاط واشنطن الخيط وتوسيع هذا الثقب في الموقف الروسي، ليتسع الخرق، وتصبح أمام موقف روسي جديد يتحدث بلغة جديدة. 

وقد عمق من التغيير في الموقف الروسي ضعف قيادة الكرملين في مواجهة التحديات التي فرضتها واشنطن على موسكو بعد 11 سبتمبر واستطاعت الولايات المتحدة أن تغفر بعدها قفزة كبيرة، وتقيم قواعد عسكرية في بعض جمهوريات آسيا الوسطى، وتقترب من المناطق المحرمة روسيًا، والعراق - أقل نسبيًا من الناحية الاستراتيجية - لروسيا من هذه المناطق، ومع ذلك صمتت روسيا طمعًا في الوعود الأمريكية بالمساعدات التي لم تقدم حتى الآن. 

  توجه نحو واشنطن

وتأسيسًا على ذلك بدأ الاتجاه الروسي نحو البيت الأبيض، فالتقى وزير الدفاع سيرجي إيفانوف، ووزير الخارجية إيجور إيفانوف الرئيس الأمريكي بوش ووزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين، وكان العراق هو الملف الساخن في اللقاء بعد مكاشفة بين الجانبين عن حدود ما تريده واشنطن من موسكو، والمقابل الذي ستحصل عليه روسيا مقابل السكوت أو التأييد لأن ميزان المصالح هو الذي يحكم العلاقة بين الدول الكبرى.  

وأفصحت اللقاءات عن تطور في الموقف الروسي، إذ ربط وزير الدفاع موقف بلاده بالمعطيات التي ستقدمها الإدارة الأمريكية والتقت وجهتا النظر الأمريكية والروسية على ضرورة عودة عمل المفتشين الدوليين، وقال إيفانوف في تصريحات له في واشنطن عقب لقاء بوش إن موسكو وواشنطن متفقتان على ضرورة تطبيق العراق حرفيًا لقرارات مجلس الأمن وبدأت التصريحات الروسية تتوالى فأعلنت موسكو أن موقفها من الخطط الأمريكية ضد العراق سيعتمد على أدلة مقنعة تقدمها الولايات المتحدة، وأعلنت الخارجية الروسية أن المرجعية الوحيدة بالنسبة للمسألة العراقية يجب أن تكون التقرير الشامل الذي سيقدمه المراقبون الدوليون بعد انتهاء عمليات التفتيش.

 التحولات التي توالت على الموقف الروسي تجاه العراق، تؤكد فشل الرهانات العراقية على الموقف الروسي، وقللت مصادر غربية من شأن هذه المراهنة العراقية بعد النظر إلى التطور الحاصل في العلاقات الثنائية بين واشنطن وموسكو، ومواقف بوتين التي تتحاشى الاعتراض على الرغبات الأمريكية، واحتمالات بدء تقاسم المصالح العراقية بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.

ويبدو أن ذلك كان دافعًا لموسكو لأن تعلن أنها ستوقع اتفاقًا اقتصاديًا تقدر قيمته بأربعين مليار دولار مع العراق في حالة عودة المفتشين الدوليين إلى بغداد، وصرح أحد كبار المسؤولين الروس، فإنه على الرغم من معارضة روسيا لمطلب أمريكا إصدار قرار جديد من مجلس الأمن، فإنها ستناقش هذا القرار، وقال أحد المسؤولين «نحن نفهم أن أمريكا ستحصل على كل شيء على أي حال»، والواضح أن هذه الكلمة توضح حالة العجز الروسي الذي تغلغل في إدراك قيادة الكرملين وجعلها تتراجع في أغلب المواقف الدولية أمام واشنطن، حتى لو جاء ذلك على حساب مصالح اقتصادية واستراتيجية حيوية لها، وهو ما يؤسس لنمط جديد في العلاقة بين موسكو وواشنطن. 

  منهج فرنسي

أما فرنسا التي وصفها بعض المسؤولين العراقيين «باللعوب»، إبان مناقشة مشروع العقوبات الذكية التي كانت الولايات المتحدة تسعى لتطبيقه على بغداد، فإنها في هذه المرة سعت إلى الاقتراب من واشنطن بتقديم مواقف تصب في خانة الولايات المتحدة، فاعتبر الناطق باسم الخارجية الفرنسية أن طلب بوش التفويض من الكونجرس الاستخدام القوة ضد العراق شأن سياسي داخلي أمريكي، ويندرج هذا الموقف الفرنسي في سياق المنهج الحالي الذي يحكم السياسة الفرنسية تجاه الأزمة العراقية منذ بدايتها، ويقضي بتجنب أي نقد أو تباين مع الولايات المتحدة والتركيز على النقاط الإيجابية سعيًا لتطويرها، لهذا قررت فرنسا ضرورة تولي مجلس الأمن القضية العراقية لضمان إيفاء العراق بالتزاماته، وأعلنت باريس أن هدفها هو ضمان فاعلية التفتيش وصدقيته وصون وحدة مجلس الأمن وتجانسه، وإبقاء الضغط الدولي على العراق، حتى ولو اقتضى ذلك تعزيز القرار ۱۲٨٤ بقرار جديد يذكر بغداد – بحزم- بالتزاماتها في مجال نزع الأسلحة المحظورة، وهو ما حدث بالفعل ووافقت عليه فرنسا. 

ورفض المتحدث الفرنسي الحديث عن وجود تمايز بين الموقفين الأمريكي والفرنسي إزاء إصدار قرار مجلس الأمن، مشيرًا إلى أن واشنطن تريد تقوية مضمون القرا. 

وكان العراق رفض طلبًا فرنسيًا لقبول عودة المفتشين الدوليين من دون شروط، وأصرت بغداد على أن يتم ذلك توازيًا مع وقف العقوبات، إلا أن وزير الخارجية الفرنسي دوفيلبان قال لنظيره العراقي إن على بغداد الامتثال الإرادة المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وأوضح أنه لا وقت للمراوغة ولا المناقشة.

وأعلنت فرنسا أنها لا تعارض استصدار قرار جديد من مجلس الأمن شريطة أن يقتصر على نزع التسلح، وتنظيم عودة المفتشين، وهو ما يعتبر تغييرًا في الموقف الفرنسي الذي لم يكن يرى ضرورة لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن، وأعلن دو فيلبان - بخصوص الضربة المتوقعة ضد العراق - أن هذا الأمر متوقف على قرار العراق وقال إن صدام حسين لم يحترم تعهداته على مدى سنوات، وذكر أن موقف فرنسا من العمل العسكري ينبغي أن يكون في إطار جماعي. 

غير أن فرنسا أكدت اعتراضها على تضمين القرار الجديد أي بند عن اللجوء التلقائي إلى القوة ورأت أن أي قرار جديد ينبغي أن يشكل مرحلة أولى تهدف إلى حشر العراق في الزاوية وإذا لم يصدق في مواقفه يكون اللجوء إلى القوة ممكنًا بمجرد إذن من مجلس الأمن.

وأشارت فرنسا إلى أن المناقشات المتعلقة بالقرار الجديد تثير مخاوفها في نقطتين:

 الأولى: كيفية التشدد في صلاحيات المفتشين وظروف عملية التفتيش نظرًا لصعوبة التكهن بما ستؤول إليه المداولات في هذا الصدد.

الثانية: الاحتكاكات التي قد يتسبب فيها الاختلاف في المواقف من الاستخدام التلقائي للقوة، وحرصت فرنسا على عدم إعطاء العراق أي ذريعة للتلاعب عبر أي ثغرة في الموقف الدولي.

وعمومًا نستطيع أن نؤكد أن فرنسا تسعى لتحقيق مصالحها أولًا مع واشنطن وأوروبا. وتريد ألا تصبح الدولة التي تواجه الولايات المتحدة في قضية تعتبرها واشنطن حيوية بالنسبة لها.

الرابط المختصر :