; عفوًا أهل البوسنة.. نحن أسلمناكم | مجلة المجتمع

العنوان عفوًا أهل البوسنة.. نحن أسلمناكم

الكاتب أمل زكريا الأنصارى

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993

مشاهدات 26

نشر في العدد 1045

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 13-أبريل-1993

نعم، نحن من ترك لهم الحبل على غاربه كي يفعلوا ما فعلوه في إخواننا وأخواتنا في البوسنة والهرسك، نحن من قدم لهم الفرصة ليتمادوا في التفنن في القتل والتمثيل بالجثث والاغتصاب والإرهاب الذي لم يسلم منه حتى الأطفال والعجائز؛ وها هم يرقصون رقصات الانتصار بعدما سلبوا الابتسامة من وجه الصغار، وعبثوا بالأعراض، وأجهضوا الحوامل وفتكوا بالأجنة قبل أن تتنسم الهواء.

ها هم يرقصون على أشلاء ممزقة وبيوت مدمرة وشوارع خربة، وأرض تصرخ واإسلاماه واإسلاماه ولا من مجيب.

نحن من قدم للصرب الفرصة كهدية لم يحلموا بها، فيها الجرأة وقد امتزجت بالذل والخنوع، وفيها الأسى وقد امتزج بالراحة والرضا، وفيها التهاون واللامبالاة.. نعم، نحن من أسهم في هذا المصاب الجلل للمسلمين في البوسنة والهرسك، نتلمس في ذلك التبرير تلو التبرير، نحاول به إقناع أنفسنا اختلط بضعفنا وهواننا وتعلقنا لإرضاء القوى التي باتت تتحكم في مقدراتنا وخيراتنا. أما الذين مازال حس الإسلام في قلوبهم، وهمُّ المسلمين في نفوسهم، فإنهم يشاركون إخوانهم في البوسنة والهرسك ببكاء ورجاء وهم يعتصر القلوب، غير أن هذا وحده لا يجدي ولا يغير الحال. ومن هنا فلابد من ممارسة هذه المشاعر ممارسة عملية إيجابية، وهو ما يمليه علينا إسلامنا وإيماننا؛ هذه الممارسة ينبغي ألا تقتصر على صناديق توضع للتبرعات أو في صورة الاستقطاعات، نسعى إليها ونحث عليها ما إن نسمع أو نشاهد ما يحدث لإخواننا هناك.

ينبغي أن نعيش الحياة التي يعيشونها والمعاناة التي يعانونها، فإننا على عهد قريب بها ومازال الجرح منها يدمي. وها أنذا أفكر مليًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠).

لذا كفانا أناشيد وأشعارًا واستنكارًا ولنخط خطوة الإيمان والعمل فقد دقت ساعته، وها هي لحظة انتصار المسلم لأخيه المسلم قد حانت؛ فمن خلال استقبال الدول الأجنبية أهل البوسنة والهرسك أسأل نفسي عن الدافع والسبب! فرأيت أنها خطوة فيها من الذكاء في استغلال الظروف ما فيها، أقلها تنصير أبناء المسلمين؛ فلم لا نقوم نحن باستضافتهم واحتضانهم؟ لم لا تتقاسم دول المسلمين هذا العمل العظيم، فيعيشون بين ظهرانينا يتعلمون الإسلام وعلومه ويتعلمون اللغة ويمارسونها في مراكز التعريف بالإسلام ولجان أخرى تقوم بهذا الغرض؟ فإننا ننفق عليهم من تبرعات واستقطاعات ما يعادل تكلفة إيوائهم إن لم يزد عليه. فما يصرف عليهم وهم في الخارج، يصرف عليهم وهم معنا وبيننا لنحقق معًا في صورة عملية معنى الهجرة والنصرة، فهم المهاجرون ونحن الأنصار؛ تأويهم عمارات كثيرة خالية، وشقق سكنية هجرها ساكنوها، لن يعجز أهل الخير والتبرع من تسديد إيجاراتهم ونفقاتهم. فقد كنا بلا مأوى ولا سكن فآوانا المسلمون وفرجوا عنا وخففوا من معاناتنا وضمدوا جراحاتنا.

وقد جاء الدور علينا في القيام بشيء من حقوق إخواننا المسلمين التي جعلها الله في أعناقنا، فلا نسلمهم ونقدمهم لقمة سائغة لبنادق ومدافع الصرب ونساهم في إراقة دمائهم بيد عدو حاقد متغطرس ظالم.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فلابد أن تأخذ اللجان الخيرية دورها الحقيقي في أن تكون لهم مساهمة فعالة في قضية المسلمين اليوم، وذلك أولًا في التنسيق التام والتعاون فيما بينهم بتبني وتأسيس بعض المشاريع الخيرية والاستثمارية مثل مشروع الوقف الخيري، في بناء مركز إسلامي صحي تجاري به من الأجهزة العلمية المتطورة مثل أجهزة التشخيص الدقيقة التي تفتقر إليها مستشفياتنا، فيضطر الكثير من الناس السفر إلى الخارج طلبًا لها. وكم هو رائع أن يستعان بأطباء وممرضين ومتخصصين فنيين من أهل البوسنة والهرسك بالإضافة إلى أهل الخبرة من الدول الأخرى، فإنه أولى من الاستعانة فقط بالخبرات من دول النصارى وغيرهم.

ريع هذا المشروع الخيري لفقراء المسلمين والمحتاجين في الداخل والخارج وسيكون صدقة جارية لا ينقطع أجرها ولا يقف ثوابها لكل من أسهم فيه.

عفوًا أهلنا في البوسنة والهرسك، فإني امرأة ضعيفة لا أقوى على شيء أقوم به وحدي، وحسبي أنني أقدم شيئًا ينفع الله به الناس، ويأتي الدور بعد ذلك على من يستطيع أن يترجم هذه الصفحة إلى عمل. وسأنتظر، ولعل الله أن يبارك في أهل الخير والصلاح والغيرة الإسلامية، عندئذ نكون في طريق الصحوة الإسلامية الحقيقي؛ ولعل الأوان لم يفت بعد.

اقرأ أيضًا:

  • جرائم الصرب تزداد أمام الصمت العالمي
الرابط المختصر :