; وسطية القرآن في الموازنة بين الروح والمادة (١ من ٢) | مجلة المجتمع

العنوان وسطية القرآن في الموازنة بين الروح والمادة (١ من ٢)

الكاتب عبد الكريم

تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2004

مشاهدات 69

نشر في العدد 1629

نشر في الصفحة 56

السبت 04-ديسمبر-2004

د. عبد الكريم حمدي[1]      

من المسلمات شرعًا وعقلاً أن تحقيق صلاح الإنسان هو المقصد الأعلى لجميع الأديان والشرائع السماوية. وقد كان صلاح الفرد جوهر اهتماماتها؛ لكونه اللبنة التي يبنى عليها المجتمع والعالم الإنساني، من هنا اهتم به علماء الدين ورجال الفكر والتربية والإصلاح، غير أن الطرق والمناهج التي سلكتها تلك المذاهب الإصلاحية اختلفت فيما بينها وتباينت إلى حد التنافر والتناقض؛ بسبب اختلاف الرؤى والتصورات لحقيقة الإنسان والمناهج الإصلاحية. وكذا الغلو والتطرف الذي أدى إلى بروز ظواهر فكرية واجتماعية مصادمة للفطرة والعقل والدين السمح، الذي جاء رحمة للعالمين.

_ فالبعض نظر إلى الجانب الروحي في الإنسان، وغالى في تقديسه والعناية به دون التفات إلى بقية الجوانب المكونة لشخصيته، فاقتصر في إصلاحه على هذا الجانب مما أدى إلى انعدام التوازن في إصلاح الإنسان، وهؤلاء هم أصحاب الاتجاه الروحي.

_ والبعض نظر إلى الجانب المادي في الإنسان، فاقتصر في إصلاحه على إشباع المتع واللذات المادية، وإغفال الجوانب الأخرى، مما أدى إلى طغيان المادة على الروح وهؤلاء هم أصحاب الاتجاه المادي.

_ وبين الاتجاهين المتنافرين جاء القرآن بمنهج إصلاحي مغاير، حيث اعتنى بجميع مكونات الإنسان الروحية والمادية. فأعطى الروح حقها والجسم حقه في العناية والرعاية، واعتمد على الموازنة بين البعدين الروحي والمادي.

_ وما تزال ظاهرة التطرف في الميدان الديني والفكري والاجتماعي تطرح نفسها بقوة خاصة في العصر الحديث، حيث فتحت المجال واسعًا أمام أعداء الإسلام للتدخل في خصوصيات الشعوب الدينية والثقافية بدعوى محاربة الغلو والتطرف.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل أفلحت تلك الاتجاهات الفلسفية والاجتماعية القائمة على التطرف والغلو في تحقيق صلاح الإنسان؟ وهل استطاعت أن تكون بديلاً عن هدي القرآن؟ وهل التدخل في شؤون الدول والشعوب هو الحل والعلاج للظواهر السلبية التي أفرزتها المفاهيم الخاطئة للدين، والممارسات المعوجة للسلوك؟

هذا ما يحاول هذا المقال بيانه وذلك بكشف مفاسد وأضرار الاتجاهين الروحي والمادي وإبراز محاسن المنهج القرآني.

أولاً: الاتجاه الروحي

حقيقته: يقوم هذا الاتجاه على المبالغة في العناية بالروح وإهمال الجسم، معللين ذلك بالأسباب الآتية:

_ أن الروح هي حقيقة الإنسان وجوهره، بخلاف الجسم، فما هو إلا أداة تستعملها الروح.

_ أن الروح هي الحقيقة الباقية بخلاف الجسم، فهو معرض للزوال والفناء.

_ الروح والجسد لا يجتمعان معاً ولا يلتقيان؛ لأن مطالبهم مختلفة، فالجسد والعالم المادي هما بمنزلة السجن للروح والدنيا بما فيها من متع ولذائذ، هي بمنزلة الأصفاد والأغلال التي تقيد الروح، وكذلك طرق العمل والكسب والإنتاج هي العقبات والحواجز التي تعيق الروح عن انطلاقها نحو الرقي والصفاء والنقاء (۱).

وبناء عليه، لابد من تقديم العناية بالروح على الجسم بتطهيرها وتزكيتها من كل العلائق المادية والنوازع الشريرة، وبذلك تتحرر من قيود الجسم وأغلاله ومتطلباته، وهذا لا يتم إلا بإهمال المطالب المادية؛ لأن الاهتمام بها يقوي النوازع المادية فتتسلط على الروح فتشقى، والطريق إلى تزكية الروح عند أصحاب هذا الاتجاه هو المبالغة في التعبد والتنسك، والغلو فيهما إلى حد تعذيب الجسم وأسره وإنهاك قواه بالجوع والعطش، أو بالعبادة الشاقة، ظنًا منهم أن ذلك هو سبيل السعادة (٢).

ومن دعاة هذا الاتجاه وأنصاره، أتباع النصرانية المحرفة، التي تدعو إلى إهمال الدنيا بزعم أنها المنفى الوحيد للإنسان، وأن السعادة الحقة تكمن في تعذيب الجسد، وإنهاك قواه، والتقشف والزهد وتحريم الطيبات، وكبت الغرائز، وترك الزينة. (۳)

وكذلك من دعاته فلاسفة «البراهمة» وخاصة «البوذية»، حيث يرى أصحابها أن السعادة الحقيقية تتحقق عن طريق التخلص من الحياة الدنيا لأنها مصدر الآلام والأحزان والشقاء والكآبة (٤). وقد سلك بعض المسلمين في فترات من التاريخ الإسلامي، ولا يزالون إلى اليوم يعتقدون هذه الحقيقة، وهم جماعة من المتصوفة والزهاد الذين ساروا في هذا الاتجاه، بدعوى تهذيب الروح وتزكية النفس، فأعرضوا عن الدنيا، واتجهوا إلى العزلة والتبتل دون زواج، والصيام دون إفطار والقيام دون نوم، وحرفوا معاني النصوص القرآنية التي يفيد ظاهرها تحقير الدنيا والتقليل من شأنها، فأولها تأويلاً بعيدًا عن الحق والصواب، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥) وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (الأنعام)، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).

مفاسد وأضرار هذا الاتجاه

لقد أدى الغلو في الجانب الروحي للإنسان والتضييق في جانبه المادي إلى مفاسد وأضرار عديدة أهمها:

_ الهروب من السعي في آفاق الأرض والمشي في مناكبها، والانتفاع بخيراتها، وبذلك ضاعت إحدى حكم الخالق من خلق الإنسان والكون والحياة (٦)

_ إرهاق الجسد وتعذيبه بأنواع الحرمان والتكاليف الشاقة، مما تسبب في إلحاق الضرر به.

_ اعتزال الناس والحياة والمجتمع، باتخاذ مساكن في المغاور والكهوف.

_ الكسل والتواكل وسيطرة الهم واليأس والاكتئاب وأوهام الخيال في تحقيق السعادة الروحية (٧).

_ تعطيل قوى العقل في التفكير والإبداع والبحث لاستخراج منافع الكون وأسراره (۸).

_ تحريف نصوص القرآن والسنة عن معانيها الصحيحة في تفسير ماهية الإنسان وفلسفة الخلق والكون والحياة (٩).

_ الابتداع في الدين بزيادة رياضات بدنية شاقة على النفس بدعوى تزكيتها وتطهيرها كما وصفها الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (الحديد: ۲۷). وبذلك هيمن نظام الرهبنة على الروح وغالى في حرمان النفس من المتع المادية، كأنواع الزينة والطيبات من الرزق (۱۰).

_ الفصام بين التصور والواقع، فتكون لذلك جيل ضعيف العقل والفكر، وتأخر عن التقدم العلمي والنهضة الحضارية (۱۱).

 هذه أهم مفاسد وأضرار الاتجاه الروحي، المصادم للفطرة والمقصد من خلق الإنسان والكون والحياة.

ثانيًا: الاتجاه المادي.

حقيقته: يقوم هذا الاتجاه على العناية بالجانب المادي في الإنسان، وإهمال جانبه الروحي للأسباب الآتية:

_ أن الدنيا خلقت لأجل الإنسان لإشباع

·    اعتنى القرآن بجميع مكونات الإنسان الروحية والمادية

غرائزه وحاجاته المادية، فإهمالها بدعوى تهذيب الروح بعد عن الواقع وتكذيب للحقيقة.

_ أن منع الجسم مطالبه المادية يؤدي إلى الكبت والحرمان، مما يتسبب في العقد النفسية والأمراض الصحية.

_ أن العناية بالجانب المادي هي التي تحقق للإنسان سعادته كفرد ومجتمع (۱۲).

ومن أنصار هذا الاتجاه أتباع «اليهودية» المحرفة، الذين غالوا في عبودية المادة وسخروها لأغراضهم الشهوانية، حتى لا تكاد تجد أثرًا للروحانية، ولا للآخرة مكانًا في كتبهم الدينية، حيث إن الوعد بالسعادة والوعيد بالشقاوة قاصران على العمل لأجل الدنيا وحدها. فالصحة، والثراء، وطول العمر، والنصر على الأعداء، ونحوها من اللذات المادية الحسية العاجلة، هي جزاء من عمل بالتوراة والجدب، والمرض، والوباء، والفقر، والهزيمة، ونحوها .. عقاب من يعرضون عن العمل به (۱۳). كما يمثل هذا الاتجاه أنصار مذهب «الفورنيائية» من أتباع «أرستبوس» تلميذ سقراط الذين فسروا السعادة بأنها اللذات الحسية العاجلة، بدلاً من الآجلة، وكان من وصاياهم الإسراع في إشباعها في وقتها؛ لأن تأجيلها يؤدي إلى الشعور بالحرمان والكآبة والشقاء النفسي. وكذلك يمثل هذا الاتجاه أنصار مذهب «الأبيقورية» أتباع «أبيقور» الذين عرفوا باهتمامهم الزائد باللذات الحسية المادية (١٤). وفي العصر الحديث يميل إلى هذا الاتجاه أتباع «الشيوعية والرأسمالية» المادية الذين غالوا في الإفراط في اللذات المادية والتفريط في اللذات الروحية (١٥).

مفاسد وأضرار هذا الاتجاه

أدى الغلو والإفراط في الجانب المادي وإهمال الجانب الروحي في الإنسان إلى أضرار متعددة بالفرد والمجتمع أهمها :

_ خواء الروح وفراغ النفس من سلطان الدين، مما أدى إلى تزايد حدة الصراع حول المتاع المادي الرخيص، الذي تحول فيما بعد إلى دمار للحضارة الإنسانية، بسبب النزاعات والحروب التي يغذيها الجري وراء الشهوات والتكالب المادي (١٦).

_ عبودية المادة ونسيان الله المعبود الحق، فعطلت شرائع السماء، واستبدلت بها قوانين وضعية منسلخة عن القيم والتعاليم الروحية فشجعت الرذيلة وإشباع الغرائز الجنسية والحاجات المادية، فساد بذلك الظلم والجور والفسوق والعصيان (۱۷)

_ زيادة مظاهر الإسراف والتبذير والغرور والاستكبار والعجب والخيلاء، عند حصول النعمة، واليأس والقنوط عند اليأس والشدة (۱۸).

هذه أهم مظاهر الفساد والضرر الذي ألحقه الاتجاه المادي بالحياة الإنسانية التي حولها إلى ما يشبه حياة الأنعام، والذي ماتزال البشرية تعاني منه إلى اليوم.

الهوامش

١_ المودودي : نظام الحياة في الإسلام، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط / ١٤٠٤هـ . ١٩٨٤م، ص: ٧٥ فما بعدها.

٢_ عمر عودة الخطيب: المسألة الاجتماعية بين الإسلام والنظم البشرية، مؤسسة الرسالة ط/٥ ١٤٠٠هـ - ۱۹۸۰م، ص: .۲۱۳

٣_  يوسف القرضاوي: العبادة في الإسلام، دار الشهاب باتنة الجزائر، ص: ١٧٦

الخصائص العامة للإسلام، دار الشهاب، باتنة الجزائر، ص: ۱۲۷.

٤_ مقداد يالجن: الاتجاه الأخلاقي في الإسلام مكتبة الخانجي، مصر، ط۱ / ۱۳۹۲هـ - ۱۹۷۲ م ص: ٥٩. ٥٨. ٥٧.

٥_ شلتوت: من توجيهات الإسلام، دار الشروق، بيروت لبنان ط٧ ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م ص:

١٠٣,١٠٤.

٦_ شلتوت: المرجع السابق، ص: ٨٥

٧_ الخطيب: المرجع السابق، ص: ۲۱۳

٨_ أحمد شلبي: الإسلام مكتبة النهضة المصرية مصر، ط٨/ ١٩٨٥ م، ص: ١٤١.

٩_ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي : صيد الخاطر، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان ط ١ / ١٤١٢هـ - ۱۹٩٢ م ص: ۲۸ , ٢٧.

١٠_ المودودي: المرجع السابق، ص: ۷۷.

١١_  شلتوت: المرجع السابق، ص: ١٠٤.

١٢_ الخطيب: المرجع السابق، ص ۲۱۲.

١٣_ القرضاوي: المرجع السابق، ص ١٧٥.

١٤_ مقداد يالجن: المرجع السابق، ص: ٦۲.

١٥_ أحمد شلبي: المرجع السابق، ص: ۱۳۳.

١٦_ محمد قطب: منهج التربية في الإسلام دار الشروق – القاهرة، مصر – ط٦ / ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢م، ج۱ / ص: ۱۹.

١٧_ المودودي المرجع السابق، ص: ٧٦.

١٨_ القرضاوي الخصائص العامة للإسلام، ص: ١٢٦.

[1] كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية – جامعة باتنة – الجزائر 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 45

105

الثلاثاء 26-يناير-1971

هوية الأمة

نشر في العدد 116

210

الثلاثاء 05-سبتمبر-1972

الصفحات الأخيرة من حضارتنا