العنوان ادخلوا مسكانكم
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1547
نشر في الصفحة 44
السبت 19-أبريل-2003
حين تكون قصور الحاكم حرامًا على الشعب يسلط الله عليه من يخرجه منها، ويسمح للشعوب برغبة أو بغير رغبة أن يدخلوها وينهبوها ويسلبوها في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع من العالم!
حين يتترس الحاكم بالأجنبي، ويستأسد على شعبه، يأتيه الأجنبي بقوة تفوق قوته ليخرجه من عرينه الوهمي، ويعيده إلى سابق عهده مجرد هر له مواء.
حين تكون ثروات البلاد حكرًا على مجموعة أو قل «عصابة» تحرم الشعب من مجرد لذة النظر إليها، يسلط الله من يستحلها بلا أدنى مقاومة.
كتبت يومًا أن الطغاة حين يزولون لا تبكي عليهم السماء ولا الأرض، وأنهم أضعف من أن يواجهوا الشعوب حين تثور، ثم شاهدت بعض العراقيين يضربون صورة الزعيم بالحذاء ويصرخ أحدهم وكأنه بالفعل يضرب الطاغية لماذا كممت الأفواه وصودرت الحريات ونهبت الثروات لماذا أيها الطغاة؟ سنظل نرددها حينًا من الدهر قبل أن نسمع الإجابة أو.. تراها على شاشات التلفزة.
أثناء الحرب كنت أراجع بعض الملفات عن البنتاجون والخطط العسكرية، وعثرت على مقابلة صحفية مع ريتشارد بيرل أحد صقور الإدارة الأمريكية وأحد المنادين بفرض الديمقراطية على العالم العربي! كانت المقابلة في منتصف أكتوبر ۲۰۰۱م أي بعد شهر من أحداث سبتمبر، وأثناء إعداد العدة لدخول أفغانستان، قال الرجل إنه لابد من إزالة صدام. ولما سئل عن المبررات قال: لا نحتاج أكثر مما هو موجود ولما قيل له: لابد من تحالف قال لا حاجة لتحالف. وماذا بعد العراق؟ قال: ليس بعد العراق من بعد.
قد تصدق مقولة بيرل، ولا يكون بعد العراق من بعد، ولن تحتاج أمريكا أن تدخل إلى أي بلد بعد العراق، ولكن كيف؟
هناك طريقان:
الطريق الأول: أن تتجه الحكومات ذات السجل الأسود في معاملة شـعـوبهـا- والتي اشتهرت بالفساد والإفساد والبقاء في السلطة بغير إرادة شعوبها، والتي تسعى إلى البقاء أطول فترة ممكنة مستخدمة قوانين استثنائية وفرض أحكام تعسفية لضمان استقرارها أو تلك التي تعمل على تحويل نظام الحكم الجمهوري فيها ليكون بالضبط على مقاس الذرية «الصالحة»- أن تتجه إلى شعوبها وإلى قوى المجتمع الأهلي فيها لإحياء دورها وربما تسمح لبعض التيارات التي طالما حاريتها أن تمارس دورًا لتلافي غضب العم «سام» واللورد «بلير» ولامتصاص غضب الشارع العربي الذي وجد في إزاحة صدام والصور المصاحبة له من غضب العراقيين وضربهم لصور وتماثيل رئيسهم بالأحذية ما يشفي غليله، أقول: قد يكون بعض تلك الأنظمة لديه بقية من ذكاء فيسارع بالعودة إلى الوطن والمواطنين بدلًا من الاحتماء بالأجنبي الذي خذل صديقهم وزميلهم في السلطة المطلقة.
لو فعل أولئك ذلك، فستشهد المنطقة خيرًا كثيرًا، فلا مصلحة الشعوب في الدخول في صدام مع حكومات بطشية وقمعية، ولا مصلحة لها في استدعاء الأجنبي لتزيل «ابن البلد» فكلفة ذلك وفاتورته يمكننا حسابها ببساطة من خلال النظر إلى الفوضى الحاصلة في العراق الآن والتي ستتركه في ركب التخلف حينًا من الدهر.
الطريق الثاني: أن يكون قصد ريتشارد بيرل أن الحكومات المتمردة على الولايات المتحدة ستدخل «بيت الطاعة» وستظهر من المبادرات الحسنة ما يجعلها تقريبًا في وضع «انبطاح كامل»، وهذا سيعفيها بالطبع من العقاب المحتمل ولو مؤقتًا، وهنا قد يثور سؤال: وهل ستسكت الولايات المتحدة على انتهاكات تلك الحكومات لحقوق الإنسان وغياب الديمقراطية وتقبل بخضوع تلك الحكومات لإرادتها بغض النظر عن الشعوب؟
الإجابة هي بسؤال آخر:
لماذا ننتظر أن تقوم الولايات المتحدة أو غيرها بما يتوجب علينا عمله؟
وهنا قد يظهر سؤال آخر: وماذا يمكننا أن نفعل؟ فنحن شعوب مغلوبة على أمرها، خصوصًا أمام حكومات لديها جيوش من الشرطة والأمن تحاصر وتطارد المعارضين وتحارب حتى الأفكار؟
هل نتوجه إلى الولايات المتحدة لنحرضها على حكوماتنا وهل نستعين بالأجنبي لنحمي أوطاننا المهددة بالتفكك إذا استمرت أوضاعنا الداخلية على ما هي عليه؟
والجواب: هل كان صدام وغيره في حاجة إلى وساطة من أحد لكي يتفاوض مع شعبه ويتنازل عن نسبة المائة في المائة؟ أم كان في حاجة إلى ضغط من الخارج لكي يحترم مواطنيه ويعتبرهم بالفعل مواطنين؟
أعرف أن الوقت ليس مناسبًا لوضع حلول أو افتراض فرضيات، فيما لا يزال البعض يفرك عينيه ويحاول فهم حقيقة ما يدور، لكننا يجب ألا نتوقف عند حدود إلقاء اللوم على الأمريكيين والبريطانيين، فذلك لن يغير من الأمر شيئًا، بل لست مبالغًا إذا قلت: إن التركيز على لوم أمريكا واتهامها بالإمبريالية ورغبتها في السيطرة على العالمين العربي والإسلامي هو بالضبط ما تريده أمريكا التي تفضل لنا أن نكون هكذا دائمًا أمة تجيد فن الكلام والنقد لأعدائها ثم بعد فترة وجيزة تجد من بين «نخبنا السياسية والثقافية» من يفتح لهم ذراعيه وعقله ترحابًا، لأنه ببساطة سيكون على قمة السلطة، ثم تبدأ دورة جديدة من التنديد، بينما العجلة تدور.