العنوان (50) عامًا على اغتصاب فلسطين.. القدس سكان وعمران
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1299
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 12-مايو-1998
صدر الكتاب في مدينة القدس المحتلة في شهر نوفمبر الماضي عن مركز القدس للإعلام والاتصال، وهو من إعداد الدكتور وليد مصطفى، ويقع الكتاب في (١٢٣) صفحة من القطع الكبير وبطباعة فاخرة احتوت تسع خرائط مختلفة ملونة للمدينة المقدسة القديمة منذ سنة ١٨٥٠م وحتى عام ١٩٩٤م، كما احتوى الكتاب (۱۱) جدولًا مختلفًا يرصد النمو السكاني لمدينة القدس خلال المائة والخمسين سنة الماضية، كما توثق الجداول الأراضي العربية المصادرة في القدس الشرقية وفق تاريخ المصادرة والموقع، والعمران، والسكان في الأحياء العربية للقدس الشرقية، وحجم المستوطنات اليهودية في القدس الشرقية.
قسّم المؤلف الكتاب إلى خمسة فصول، واختتمه بملحق قيّم بعنوان «القدس في التاريخ سنوات مهمة» احتوى على تسلسل لأهم الأحداث والتواريخ التي مرت على المدينة المقدسة منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا.
يتناول الفصل الأول: موضوعي العمران والسكان في مدينة القدس قبل عام ١٨٥٠م، وكشف الباحث عن وجود دلائل أثرية على استيطان في منطقة القدس يعود إلى العصر الحجري النحاسي ما بين (٤٠٠٠ إلى 3200) قبل الميلاد، تحول إلى موقع مدني سكنه الأموريون في العصر البرونزي المتوسط سنة (٢٠٠٠ إلى ١٥٠٠) قبل الميلاد، وأطلقوا عليه اسم أورسالم.
يؤكد الدكتور مصطفى على أن مدينة القدس حتى عام ١٨٥٠م ظلت تطابق بشكل كبير المدينة الرومانية التي أقامها الإمبراطور هدريان في ذلك المكان الذي كان محصورًا داخل أسوار، مما يعني أن المدينة لم تكن تتوسع، وأن المباني كان يقام بعضها على الآخر على الرغم من الدمار الذي لحق بها بسبب الزلازل، كما شهدت المدينة استقرارًا نسبيًا في العهدين المملوكي والعثماني، وهو ما جعل الصبغة السائدة للعمران في البلدة القديمة تعود للعهدين المذكورين، ويسرد الكتاب أهم المعالم العمرانية في المدينة التي تعود لعهود مختلفة، وأبرزها ما بعد الفتح الإسلامي للمدينة.
لم تكن هناك معطيات إحصائية عن سكان القدس قبل العهد العثماني إلا أن أرقامًا سجلها رحالة زاروا المدينة خلال عهود مختلفة دلت على أن عدد سكان المدينة داخل الأسوار كان يتراوح بين (20 – 40) ألفًا، وفي العصور الإسلامية ازدهرت المدينة واستقرت، وارتفع عدد سكانها وخصوصًا في العهد المملوكي، ويشير الكاتب إلى أن العنصر العربي كان هو السائد في القدس ما بين عامي ۱۳۹ - ١٨٥٠م ميلادية، أما اليهود فقد ظلوا أقلية (3 عائلات يهودية عام ۱۱۷۱م ارتفع إلى ١١٥ عائلة عام ١٥٧٢ (75) فردًا) ثم وصل إلى (۱۷۹٠) فردًا، أو ما يعادل (١٥,٣٪) من مجموع سكان القدس عام ١٨٤٩م.
الفصل الثاني: تناول العمران والسكان في القدس بين عامي ١٨٥٠م - ١٩١٤م، وشهدت القدس فيها إصلاحات وتنظيمات عثمانية في أنظمة الأراضي والضرائب والإدارة، ومنحت فيها حقوق أوسع للطوائف غير الإسلامية (النصرانية واليهودية) كما تم فيها تشكيل بلدية القدس عام ١٨٦٣م؛ حيث كانت القدس المدينة الثانية بعد إسطنبول التي يكون لها بلدية خاصة بها، وتطورت وسائل المواصلات والطرق في فلسطين خلال تلك الفترة نتيجة افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩ حيث زاد تدفق الحجاج على القدس مع زيادة حركة البواخر على مينائي يافا وعكا، وخلال الفترة نفسها دخل العامل الصهيوني بعد نضوج فكرة إقامة وطن قومي لليهود داخل الحركة الصهيونية، وبدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين بمساعدة من بريطانيا، لكن العنصر العربي ظل مسيطرًا على سكان المدينة حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
ووفقًا لبعض الإحصاءات وصل عدد السكان العرب في قضاء القدس (وليس المدينة وحدها) عام ۱۹۱۱م إلى حوالي (۱۰۳) آلاف، فيما بلغ عدد اليهود (۱۸) ألفًا، لكن المؤلف يشير إلى عدم وجود إحصاءات دقيقة وموضوعية بهذا الخصوص، وأن الباحثين الأجانب الذين قدموا تقديراتهم وإحصاءاتهم فعلوا ذلك وفق اجتهادات شخصية، أو وفق بيانات قدمها لهم هذا القنصل الأجنبي أو ذاك، وغالبًا ما كانت متأثرة بالعواطف والمصالح التي يمثلها صاحب الاجتهاد، وقد ازداد عدد سكان القدس في الفترة من ١٨٤٩ - ١٩٢٢م بحوالي خمسة أضعاف، العرب زادوا (۲,۸) ضعف، وهي زيادة طبيعية، أما اليهود فقد زادوا (۱۹) ضعفًا بسبب الهجرة ولم تكن زيادة طبيعية، وظلت مدينة القدس خلال تلك الفترة هي الوحيدة بين المدن الفلسطينية التي تجاوز عدد سكانها الخمسين ألفًا، ويعرض المؤلف لمحاولات بعض الباحثين اليهود تضخيم عدد سكان مدينة القدس بهدف تضخيم عدد السكان اليهود فيها، كما يؤكد على أن الأرقام التركية حول عدد السكان هي الأقرب إلى الصحة، ويوضح الدكتور مصطفى بأن مساحة حارة اليهود في القدس القديمة قبل توسيعها ومصادرة أحياء عربية فيها وهدم أحياء عربية مجاورة- لم تكن تتجاوز (5%) من المساحة الكلية للبلدة القديمة قبل عام ١٩٦٧م، وبحسبة بسيطة فإن مساحة حارة اليهود لم تكن تستوعب الـ(٤٥) ألفًا التي يزعم الباحثون اليهود أنه كان عدد السكان اليهود في المدينة عشية الحرب العالمية الأولى.
وفي الفصل نفسه يتحدث الباحث عن تطور العمران في المدينة بين عامي ١٨٥٠م و١٩١٤م، والذي تميز بانتقال البناء خارج أسوار القدس، وبداية البناء ذي الطابع المدني والذي وضع اللبنات الأولى لتشكل مدينة القدس الجديدة المعروفة الآن، ورأى الباحث أن حركة البناء الحديث داخل البلدة القديمة من القدس خلال تلك السنوات كانت مرتبطة في معظمها بالنشاط الأوروبي المتزايد، وكذلك النشاط الكنسي، حيث أقيم العديد من الكنائس والمدارس والمتاجر خصوصًا في حارة النصارى وباب الخليل، ومن المعالم الحضارية التي أقيمت في تلك الفترة كنيسة وبطريركية اللاتين أنجزت عام ١٨٦٤م، ومدرسة الفرير (عام ١٨٧٦م).
ويتناول الفصل الثالث وضع القدس السكاني والعمراني من عام ١٩١٧م وحتى عام ١٩٤٨م، وهي التي شهدت الانتداب البريطاني، وقد تأثر هذا الوضع بعوامل جديدة غيرت من معالم القدس السكانية والعمرانية، مما جعل المدينة المقدسة في النصف الأول من القرن العشرين مختلفة تمامًا عما كانت عليه في بداية هذا القرن، وقد توسعت مساحة القدس لتصل إلى (٢٠٤٣٠) دونمًا، ووصل عدد السكان عام ١٩٤٧م إلى (١٦٤) ألفًا، وأصبح العنصر اليهودي هو السائد من حيث نسبة عدد السكان حيث ارتفعت هذه النسبة إلى (60,4%) إلا أن ملكية العرب للأرض في حدود بلدية القدس بقيت هي الأكبر، حيث كانوا يملكون عشية حرب عام ١٩٤٨م ما يوازي (40%) من الأراضي مقابل (26%) عادت ملكيتها لليهود -كما يقول الباحث- بينما النسبة الباقية من الأراضي كانت مِلكًا لمؤسسات أجنبية وحكومية.
ويشير الباحث إلى أهم العوامل التي أدت إلى التغير الجذري في وضع القدس منها التزام سُلطات الانتداب البريطانية بتأمين الظروف لإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، والذي ترجم عمليًا بفتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين التي وصلها ما بين عامي ۱۹۱۹ م - ١٩٤٨م حوالي (٤٨٣) ألف مهاجر، وصل القدس منهم حوالي (15) ألفًا، ومن العوامل الأخرى تطور مدينة القدس العمراني وفق معايير وقوانين بلدية أصدرتها سُلطة الانتداب، كما أن حكومة الانتداب البريطاني أعلنت القدس عاصمة لفلسطين، وأقامت فيها الدوائر الحكومية الأساسية أهمها المقر الرسمي لحكومة فلسطين على جبل المكبر عام ١٩٣٤م، وتطورت الأحياء العربية في القدس خلال تلك الفترة نحو شمال وشمال شرق المدينة، بينما تركز العمران اليهودي وتوسع باتجاه الغرب وبالنسبة للنمو السكاني في المدينة لاحظ الباحث أن السكان اليهود قد حافظوا طوال فترة الانتداب البريطاني على أغلبيتهم في القدس (أعتبر الباحث هنا ما عرف فيما بعد بالقدس الغربية أو اليهودية ضمن مدينة القدس، وليس فقط القدس الشرقية أو البلدة القديمة التي ظل العرب فيها حتى اليوم هم الأغلبية) ويضيف الباحث أن اليهود حافظوا على هذه الأغلبية (60,4%) بسبب الهجرة المستمرة إلى فلسطين والقدس على وجه الخصوص، ويورد جدولًا بنمو السكان من عام ١٩٣٢م وحتى عام ١٩٤٧م، ففي البلدة القديمة من القدس ارتفع تعداد العرب من (١٦٦٠٨ إلى 33600) بينما تراجع عدد اليهود من (٥٦٣٩ إلى ٢٤٠٠) أما في البلدة الجديدة فقد ارتفع تعداد العرب من (١١٥١٠ إلى ۳۱٥٠٠) واليهود من (۲۸۳۲۲ إلى ٩٧٠٠٠) وركز الباحث في هذا الفصل على أهم المشاريع التي حاولت تقديم حلول للصراع الفلسطيني اليهودي، منها مشروع الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية بتاريخ 7 / 1 / 1932م الذي يقسّم مدينة القدس إلى قطاعين عربي ويهودي، وقد رفضت الحكومة البريطانية ذلك الاقتراح باعتباره سابقًا لأوانه، ومن الحلول أيضًا مشروع لجنة بيل البريطانية بتاريخ 7 / 7 / 1937م والذي كان يدعو إلى إقامة دولتين عربية ويهودية في فلسطين مع بقاء القدس وبيت لحم والناصرة تحت حماية وسيطرة الانتداب البريطاني، وقد رفضت القيادة السياسية الفلسطينية هذا المشروع في حينه، وأصرّت على قيام دولة مستقلة واحدة، ومنها أيضًا قرار التقسيم (۱۸۱) الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 29 / 11 / 1947م، وهو القرار الذي مازال وفق القانون الدولي يشكل الأساس والمرجعية لتطبيق الشرعية الدولية في فلسطين، وأساس هذا القرار إقامة دولتين متجاورتين في فلسطين للشعبين العربي واليهودي مع قيام روابط اقتصادية بينهما، ورفضت القيادة الفلسطينية قرار التقسيم، ونشبت حرب عام ١٩٤٨م دون تطبيق هذا القرار.
▪ من عام ١٩٦٧ حتى ١٩٩٧م: مصادرة (33,4%) من أراضي القدس الشرقية وبناء (١٦) مستوطنة يهودية، وهو ما يُسهم في تغيير هوية الأرض ونسبة السكان.
تناول الفصل الرابع: وضع القدس في الفترة بين عامي ١٩٤٨م و ١٩٦٧م، حيث احتلت القوات اليهودية (78%) من الأراضي الفلسطينية في حرب عام ١٩٤٨م، وقامت عليها دولة إسرائيل، وشهدت تلك الفترة هجرة حوالي (٧٥٠) ألف فلسطيني من أرضهمـ وأزيلت (٤٧٢) قرية وموقعًا سكنيًا فلسطينيًا عن الوجود، ومقابل ذلك أقامت الحكومة الإسرائيلية (٤٤٦) مستوطنة جديدة معظمها على أنقاض القرى العربية المدمرة، واستقطبت دولة إسرائيل في الفترة نفسها (۱,۲۷) مليون مهاجر يهودي جديد، ورأى الباحث أن القوات اليهودية في عام ١٩٤٨م كانت تخطط لاحتلال القدس بأكملها بما في ذلك القدس القديمة، لكن أعمال المقاومة الفلسطينية (بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني) ووصول الكتيبة السادسة الأردنية إلى القدس بقيادة عبد الله التل مكنّهم من الدفاع عن البلدة القديمة والأحياء شمال المدينة حالت دون احتلالها، كما ساعد وجود القوات المصرية في بيت لحم في الدفاع عن المناطق الجنوبية الشرقية للقدس، وأخلى العرب منازلهم في أحياء القدس الغربية بعد احتلال القوات اليهودية لها، وتم فرض واقع جديد في القدس وهو تقسيمها إلى مدينتين شرقية وغربية، وقد بلغت المساحة التي احتلها اليهود من القدس الموحدة عام ١٩٤٨م حوالي (80,5%) من المساحة الإجمالية التي كانت تبلغ (20430) دونمًا، ولم تتعد مساحة القدس الشرقية (15,3%) بينما ظلت (4,3%) خاضعة لإشراف الأمم المتحدة أو أرضًا حرامًا، وقد تطورت القدس، ونمت خلال العشرين عامًا التي أعقبت قيام دولة الكيان الصهيوني كمدينتين منفصلتين مازالت ملامحهما واضحة حتى اليوم، وركز الباحث دراسته خلال تلك الفترة على تطور مدينة القدس الشرقية دون الغربية، حيث نمت حركة العمران فيها وفي ضواحيها بمعدل (303,7%) بين عامي ١٩٥٣م و١٩٦٧م نتيجة استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، وبرز التطور العمراني في الضواحي أكثر من نموه في حدود البلدية، وظهرت أحياء جديدة في بيت حنينا الفوقا وضاحية البريد ومطار قلنديا، وتوسعت شعفاط على طول القدس -رام الله- أما سكان القدس الشرقية فقد ارتفع عددهم من حوالي (٤٦,٧) ألفًا عام ١٩٥٢م إلى (٦٠,٥) ألفًا عام ١٩٦٧م.
أما الفصل الخامس والأخير فقد تناول الوضع السكاني والعمراني للقدس الشرقية بين عامي ١٩٦٧م - ١٩٩٦م، وهي فترة خضوعها التي مازالت مستمرة للاحتلال اليهودي، ويشير الباحث إلى أن القدس الشرقية لم تشهد عبر التاريخ أحداثًا درامية أسهمت جذريًا في تغيير طابعها الديموجرافي والعمراني والاقتصادي والاجتماعي كتلك التي شهدتها في هذه الفترة، وتطرق الباحث إلى أهم الإجراءات التي اتخذتها سُلطات الاحتلال اليهودي في هذا المجال كقرار ضم القدس الشرقية إلى إسرائيل عام ١٩٦٧م، وحل مجلس أمانة القدس المنتخب عام ١٩٦٣م، والبدء بمصادرة الأراضي العربية الواقعة في حدود البلدية الموسعة، وإغلاق مساحات أخرى من الأراضي بحجة الأماكن الخضراء والمناطق العسكرية لتتحول فيما بعد لمصلحة الاستيطان اليهودي في المدينة، ويشير الدكتور مصطفى إلى أن السُلطات الإسرائيلية صادرت خلال تلك الفترة ما مجموعه (٢٣٥٤٨) دونمًا، أو ما يعادل (33,4%) من مجمل مساحة القدس الشرقية، إضافة إلى مصادرة (٣٧٣٤٨) دونمًا أخرى خارج التنظيم، وبدأت معالم القدس الشرقية العمرانية والسكانية تتغير منذ عام ١٩٦٨ بإقامة (١٥) مستوطنة يهودية في حدود القدس، والبدء عام ۱۹۹۷ بإقامة المستوطنة السادسة عشرة على جبل أبو غنيم، وقد أدت هذه المستوطنات إلى إحداث تغيير جذري في نسبة السكان اليهود والعرب في القدس الشرقية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل