العنوان من عوامل الارتقاء بالنفس (2 من 2)
الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1993
مشاهدات 34
نشر في العدد 1063
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 24-أغسطس-1993
الشوق إلى الجنة والعمل لها
قال رجاء بن حيوة: أمرني عمر بن عبد العزيز أن
أشتري له ثوبًا بستة دراهم فأتيته به فجسه وقال: هو على ما أحب لولا أن فيه لينًا.
قال: فبكيت. فقال: وما يبكيك؟ قال: أتيتك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم، فجسسته
وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه خشونة، وأتيتك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة
دراهم فجسسته وقلت: هو على ما أحب لولا أن فيه لينًا.
فقال: يا رجاء، إن لي نفسًا تواقة، تاقت إلى
فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة
فأرجو أن أدركها، إن شاء الله عز وجل.
فمجدُ
العلا ما ناله غيرُ ماجدٍ يخاطر
بالروح الخطير فيظفرُ
إذا
ذُكرت جناتُ عدنٍ وأهلُها يذوبُ اشتياقًا نحوها ويُشمّرُ
العامل الأول: «تجديد النية» (الله غايتنا)
وانطلاقًا من صحة المقصد كان لا بد للداعية من
استحضار النية وتجديدها، والسعي إلى تخليصها من الشوائب المكدرة من طلب علو أو جاه
أو الاستزادة من مكسب أو ثناء، والتذكر دائمًا لحديث المصطفى ﷺ: «إنَّما
الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ
ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو
امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ» (البخاري: 54).
إذ إن النية هي التفريق بين عمل المؤمن
المقبول وغير المقبول، والنية فيصل بين العادات والعبادات، كما أنها تميز الفرض عن
المندوب، وصلاح الأعمال لا تكون إلا بخلاص النيات، وقد جاءت الأخبار المستفيضة أن
قبول الأعمال بصوابها وإخلاصها وهما مقتضى شهادة التوحيد، فالإخلاص أن يكون العمل
لله وحده، والصواب أن يكون وفق شرعه الذي شرعه للناس. وقد تواتر النقل عن الأئمة
في تعظيم هذا الحديث، وليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا
الحديث. واتفق بعض العلماء على أنه ثلث الإسلام، ومنهم من قال: ربعه، وقال بعضهم:
يدخل في ثلاثين بابًا، وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابًا.
ولأن حديث النية يحدد ركن العمل الأساسي وهو
الإخلاص؛ لذلك كان التذكير به لكل مؤمن لا بد منه، وعلى الداعية أن يكون أشد تذكرًا
واستحضارًا لهذا الحديث وأن يعلم أن: «النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا
لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالًا أو مالًا، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو
العمل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه. والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي
ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل».
ذكر الغزالي عن أحد الذين كانوا يعنون بفعل
الخير أنه كان يطوف على العلماء يقول: «من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملًا لله
تعالى، فإني لا أحب أن يأتي عليّ ساعة من ليل أو نهار إلا وأنا عامل من عمال الله،
فقيل له: قد وجدت حاجتك فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فترت أو تركته فهمّ بعمله فإن
الهامّ بعمله كعامله». ويقول عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي -رحمه الله-: «وددت
أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد
إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع
ذلك».
قال الثوري -رحمه الله-: «كانوا يتعلمون النية
للعمل كما تتعلمون العمل». وقال بعض العلماء: «اطلب النية للعمل قبل العمل وما دمت
تنوي الخير فأنت بخير».
تنقية النية من الشوائب
الداعي إلى الرياء عظيم وكبير؛ وذلك بسبب أن
النفس مجبولة على حب الرئاسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلم الله، وقد أحسن
الشاعر حيث قال:
يهوى
الثناء مبرز ومقصر حب
الثناء طبيعة الإنسان
يقول المحاسبي -رحمه الله-: «وهو يقرر أن
النفس الإنسانية تطلب لذتها دائمًا، وأن شهوة النفس خفيفة كامنة كمون النار في
العود، فإذا منع المسلم نفسه شهوتها بإلزامها بالعبادة والطاعة حاولت أن تجد لذتها
بسبيل آخر وهو التزين بالطاعة لتنال حمد الناس».
- عن
أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قالَ اللَّهُ
تَبارَكَ وتَعالَى: أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ
عَمَلًا أشْرَكَ فيه مَعِي غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ» (رواه مسلم).
- عن
أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال:
«ألَا أُخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيحِ الدجالِ؟ فقلنا بلى يا
رسول الله. قال: الشركُ الخفيُّ أن يقومَ الرجلُ يُصلي فيزيد صلاتَه لما يرى
من نظرِ رجلٍ» (ابن ماجه). قال محقق المشكاة: حديث حسن.
- روى
الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى
صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ» (رواه
مسلم).
يبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله
لو أراد أحدنا أن يحصي ما يستطيع تحقيقه من
الإرادات التي تثور في قلبه، لوجد أن الذي يتحقق منها نسبة ضئيلة بجانب ما لا
يستطيع تحقيقه. ولا نريد بالنيات التي تدخل في الإحصاء تلك الخواطر العابرة
وأحاديث النفس المارة، بل نريد تلك النيات التي بلغت مرتبة العزم والتصميم. والسبب
في قلة الإرادة التي نستطيع تحقيقها: أن الأعمال التي نروم تحقيقها لا تتوقف على
مجرد إرادتنا لها، فهناك حوائل ذاتية وخارجية تمنعنا من تحقيق ما نعزم على فعله.
فالأجساد قد تضعف عن تحقيق المراد بسبب عظم
المراد كما قال الشاعر:
وإذا
كانت النفوس كبارًا تعبت
في مرادها الأجسام
وقد يمنع المرء من تحقيق مراده مرض مسهد أو
هرم مقعد أو فقر مجهد أو عدو قاطع للطريق أو ظالم يحبسه في داره.. هذه الموانع
والحوائل الذاتية والخارجية التي تمنعنا من كثير من الأفعال الخيرة التي تقربنا
إلى ربنا، وترفع منزلتنا عنده لا تمنع النية من التحقق والوجود؛ إذ النية طليقة من
القيود التي تكبل الأجساد.
النية عمل القلب والقلب لا سلطان عليه لغير
صاحبه:
إن
يسلب القوم العدا ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب
بين ضلوعه لم تُسلم القلب الضلوع
فمهما ضعفت الأجساد ومهما اشتد ظلم الظالمين،
فقلب الإنسان يبقى حرًا طليقًا يتوجه إلى الله في السراء والضراء راغبًا راهبًا
يريده بالخير ويقصده بالطاعة(1).
العامل الثاني: «المبادرة الذاتية»
المبادرة بفعل الخير قبل وجود الموانع: ومن
ظواهر قوة الإرادة المبادرة بفعل الخير قبل وجود الموانع، وهذا ما أرشد إليه
الإسلام في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بادِروا بالأعمالِ سبعًا: هل
تنظرون إلَّا فقرًا مُنسيًا، أو غنىً مُطغيًا، أو مرضًا مُفسدًا، أو هِرمًا
مُفنِّدًا أو موتًا مُجهزًا، أو الدَّجَّالَ، فشرٌّ غائبٌ يُنتظرُ، أو السَّاعةُ
فالسَّاعةُ أدهَى وأمرُّ» (رواه الترمذي بإسناد حسن). لأن هذه السبع التي أمر
الرسول ﷺ بمبادرتها بالعمل هي مجموعة أعراض في حياة الإنسان صارفة له عن العمل أو
مقعدة له عنه أو قاطعة له عنه قطعًا كليًا.
ليس في
كل ساعة وأوان تتهيأ
صنــــائع الإحســــــــــــــــــان
فإذا
أمكنت فبادر إليها حذرًا
من تعذر الإحسان
ذاتية أبي عقيل الأنصاري
في معركة اليمامة وفي بدايتها أصيب أبو عقيل
الأنصاري بسهم في كتفه الأيسر، فأصيب بالشلل، فأُخذ إلى مكان بعيد عن ساحة المعركة
حتى يُعالج، وكان ذلك في أول النهار، فلما انتصف النهار كانت الغلبة لصالح
الأعداء، عندها صاح منادي الأنصار فقال ياللأنصار، حتى يجتمع الأنصار في مكان واحد
وتحت راية واحدة؛ وذلك لزيادة الحماسة وتقوية الروح المعنوية عندهم. كان ممن سمع
هذا النداء أبو عقيل -رضي الله عنه- فأراد أن يقوم من مكانه، فرآه عبدالله بن عمر
-رضي الله عنهما- فقال له: إنه لا ينادي الجرحى! فقال أبو عقيل: كأن المنادي نوه
باسمي لأنني من الأنصار وأنا أجيبه ولو حبوًا.
نعم أخي الحبيب: إن المؤمن تكفيه الإشارة،
وغيره لا تكفيه حتى العبارة.
العامل الثالث: الاستمرار في العطاء
الاستمرار في الخير مطلب شرعي قرآني، قال الله
تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99).
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها وإنْ
قَلَّ» (البخاري). وليس من أمر يحفظ المسلم من الانزلاق كالعمل الصالح، فهو
نمو للمسلم وحصن له من العادات الجاهلية؛ لذلك نرى أن الأعمش بقي قريبًا من سبعين
سنة لم تفته التكبيرة الأولى، والاستمرار طريق العز والإنتاج، وهو عنوان الجد
والمثابرة والبعد عن الإسفاف والمهاترة.
قال ابن المديني: قيل للشعبي من أين لك هذا
العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور
الغراب. وهذا سمة المجدين، وقد وُصف أبو جعفر أحمد بن عبد الله المهدي القيرواني
بقولهم: «كان في الدراسة والمطالعة آية، لا يكاد يسقط الكتاب من يده حتى عند
طعامه»(2). وسئل أحد العلماء إلى متى تطلب العلم؟ قال: لعل الكلمة التي
فيها نجاتي لم تُكتب بعد.
صدقة الاختيار لا صدقة الاضطرار
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل
إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تصدق وأنت
صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا
ولفلان كذا وقد كان لفلان» (البخاري).
وفي هذا الحديث من التربية الخلقية أمران:
الأول:
يوجه فيه الرسول ﷺ إلى فضيلة خلق حب العطاء لا سيما العطاء الذي يكون في محله،
والذي يبتغي به وجه الله تعالى وهو عطاء الصدقة، ولا سيما أيضًا العطاء الذي يكون
الإنسان معه شديد الحرص على ما يملك واسع الأمل بالحياة غير مرتقب الموت وغير يائس
من طول البقاء.
الثاني:
يوجه فيه الرسول ﷺ لخلق قوة الإرادة وخلق علو الهمة اللذين ينشأ عنهما الحزم
والعزم والمبادرة إلى فعل الخير دون تهاون أو إهمال أو توانٍ أو تقصير. فكثير من
الناس يريد الخير ولكن ينقصه الحزم والعزم، وعندئذ لا يجد أمامه إلا الوصية، فوصى
لفلان بكذا مع أن تركته صائرة حتمًا إلى غيره، وهذه صدقة تصدق الله بها عليه إذ
أذن له أن يوصي بثلث ماله لغير الوارثين(3).
العامل الرابع: التوبة بعد الطاعة «استئناف التوبة»
فاعلم الآن أن التوبة نهاية كل عارف وغاية كل
سالك، وكما أنها بداية فهي نهاية، والحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها
في البداية. فاسمع الآن ما خاطب الله به رسوله في آخر الأمر عند النهاية، وكيف كان
رسول الله ﷺ في آخر حياته أشد ما كان استغفارًا وأكثره، قال الله تعالى: ﴿لَّقَد
تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ
اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ
فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
(التوبة: 117).
فجعل الله سبحانه «التوبة عليهم» شكرانًا لما
تقدم من تلك الأعمال وذلك الجهاد. وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله: ﴿إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ
اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ
تَوَّابًا﴾ (سورة النصر). وفي الصحيح أنه ﷺ ما صلى صلاة بعد ما نزلت عليه هذه
السورة إلا قال فيها: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»(4).
وذلك في نهاية أمره صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا فهم منها علماء الصحابة - كعمر
بن الخطاب، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم- أنه أجل رسول الله صلى الله عليه
وسلم أعلمه الله إياه، فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر ما سمع من
كلامه عند قدومه على ربه «اللهم اغفر لي، وألحقني بالرفيق الأعلى»(5)،
وكان يختم كل عمل صالح بالاستغفار كالصوم والصلاة والحج والجهاد، فإنه كان إذا فرغ
منه وأشرف على المدينة قال «آيبون تائبون، لربنا حامدون»(6)، وشرع أن
يختم المجلس بالاستغفار وإن كان مجلس خير وطاعة، وشرع أن يختم المجلس بالاستغفار،
وشرع أن يختم العبد عمل يومه بالاستغفار فيقول عند النوم: «أستغفر الله الذي لا
إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه»(7)، وأن ينام على سيد
الاستغفار(8).
المراجع:
1. مقاصد المكلفين - د. عمر الأشقر ص 440.
2. ضوابط في العمل الإسلامي - ص 79 – الشيخ جاسم
مهلهل.
3. الأخلاق الإسلامية - عبد الرحمن حبنكة، ج2، ص 639.
4. رواه البخاري 4967.
5. رواه البخاري 4440.
6. رواه البخاري 1797.
7. ضعيف، رواه الترمذي 3399.
8. تهذيب مدارج السالكين - ج2، ص 1022.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل