العنوان من الحياة- الفرق العجيب
الكاتب أكرم رضا
تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006
مشاهدات 74
نشر في العدد 1685
نشر في الصفحة 59
السبت 21-يناير-2006
لا ينكر أحد أن العلاقة بين المرأة والرجل - كما خلقها الله تعالى - هي علاقة تجاذب، حيث يستشعر كل منهما نحو الآخر راحة ما عند اللقاء والنقاش والحوار والتقارب، وخاصة إذا ما كانت الظروف مهيأة والمناخ مناسبًا. ولذلك يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21)
وعندما نقف أمام كلمة «أزواج نستشعر الفرق العجيب بين كون العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة زوجية، وبين كونها علاقة بين رجل وامرأة.. ولذلك لا يصلح أن تستبدل كلمة أزواج هذه في الآية بنساء مثلًا أو رجال إذا كان الحديث موجهًا للمرأة.
وواضح أن النتيجة الأساسية لخلق الله تعالى الكون نساء أو رجالًا وهي السكن لن تحصل عليها من مجرد علاقة بين رجل وامرأة أيا كانت العلاقة، وإنما ستحصل على هذه النتيجة من علاقة واحدة بينهما وهي الزوجية، فلا تكون المرأة في قمة حالات العطاء من المودة والرحمة إلا إذا كانت زوجة، ولا يكون الرجل في حالة تودد وتراحم إلا إذا كان زوجا. وتسير الحياة الزوجية بين السكن والمودة والرحمة.. بأي درجة من درجاتها.
ولحظة الانفصال بين الزوجين هي لحظة الجفاف الفاصل للمودة والرحمة.. وإذا بحثت بكل الطرق عن أثر لهما في القلوب فلن تجده.
في هذه اللحظة يعود الزوجان مرة أخرى رجلًا وامرأة.
قال لي صاحبي الحزين ومن يكون السبب؟
قلت له: إن الله تعالى بين أن الأمر متبادل.. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ «الروم: 21» فهي ليست مسؤولية أحد الطرفين، إنما هي ينبوع متدفق بين طرفين، إذا انقطع من مصدره جف من الناحية الأخرى، وإذا انسد من الطرف الآخر انفجر عند المنبع ولم يجر.
قال لي صاحبي وهو يعلق عينيه في لا شيء وأين الحب؟
قلت له: الحب فعل.. تصرف. عشرة كما يقولون.. الحب الذي تنسجه الروايات والأغاني مجرد غلالة رقيقة تكشف السوءات، ولكن الحب الذي ذكر في الآية حب ينمو مع الأيام ويضرب بجذوره في أرض الحياة.. ويسقى بالمودة والرحمة انتبه صاحبي فجأة وقال: تقول الحب ذكر في الآية.. أين هو؟ قلت له وأنا أبتسم منتشيًا: إنه المسافة بين المودة والرحمة.
إن البيوت في حالة الحب تجد المودة سائل الحياة يجري فيها.. وتكون ترجمة هذه المودة لينًا ومؤانسة وتباسطًا.. وانجذابًا... وشوقًا.. ونشوة، وهذه أعلى درجات الحب.. «المودة» ومن أجل هذا فإن الله تعالى سمى نفسه من أجلنا الودود وعندما يقل الحب لسبب ما فمن أجل ألا تنقطع في البيوت، ومن أجل أن نستمر زوجين فإن الله تعالى جعل لنا الرحمة صمام أمان وقاعدة انطلاق قد ينمو الحب في تربتها الخصبة مرة أخرى لنقطف مرة أخرى ثمار المودة.
وتتعدد ملامح الرحمة.. فهي تسامح وتغافر وسعة صدر.. وهي احتواء وصبر وكظم غيظ. هي تلمس المواطن الضعف عند الطرف الآخر ومسامحته من أجلها... وهل يرحمنا الله إلا من أجل ضعفنا؟ قال لي صاحبي وهو يخرج من تفكير عميق وعندما تنتهي الرحمة بين الزوجين يتحولان إلى رجل وامرأة قلت له مبتسمًا، وأي رجل وأي امرأة!! إن مخزون الألم عندما تجف الرحمة بين الزوجين يكون انفجارًا مدويًا.
ومن أجل هذا نقول لكل رجل وامرأة في البيت تعاملا على أنكما زوجان تدور حياتكما في مساحة المودة والرحمة.. ولا تتعاملا على أنكما جنسان يتحول بيتكما إلى حلبة صراع بين رجل وامرأة.
اتسعت ابتسامة صاحبي وهو يقول: نعم إنه فرق عجيب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ «الروم: 21»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل