العنوان سابقة عربية فريدة: مؤسسة رسمية أردنية تكشف التعذيب في سجن الجويدة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2004
مشاهدات 53
نشر في العدد 1621
نشر في الصفحة 36
السبت 02-أكتوبر-2004
المركز الوطني لحقوق الإنسان يعلن وفاة معتقل وجرح (۸) آخرين جراء ضرب شديد بالجنازير والأسلاك الكهربائية والركل بالأرجل.
المركز: ثبت لنا أن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها السجناء في السجن المذكور على درجة كبيرة من الخطورة، وتشكل مساسًا مباشرًا بطائفة من حقوقهم.
أن تتحدث المعارضة عن وجود تعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان في السجون العربية ليس بالأمر المستغرب، فهذا يحدث في غالبية الدول العربية، وأن تتحدث عن ذلك منظمات حقوق إنسان محلية ودولية، فذلك أمر ليس بالمستهجن كذلك، فتقارير تلك المنظمات تتضمن سنويًا مساحات واسعة للحديث عن القمع ومصادرة الحريات وانتهاكات حقوق المعتقلين في العالم العربي.
لكن المثير إلى حد الدهشة أن تصدر الانتقادات لما يحدث داخل السجون العربية عن جهة رسمية داخل البلد. وهذا ما حدث في الأردن في حالة نادرة تشكل سابقة في الواقع العربي.
فالتقرير الذي أصدره المركز الوطني لحقوق الإنسان (حكومي) حول انتهاكات لحقوق السجناء حدثت قبل أسابيع في سجن الجويدة من قبل ضباط وأفراد إدارة السجن أثار جدلًا واسعًا في الساحة الأردنية قد لا يتوقف خلال وقت قصير، نظرًا لطبيعة الممارسات التي تعرض لها المعتقلون وأدت إلى وفاة أحدهم وإلحاق الإصابات بثمانية آخرين.
المركز والرئيس:
وكان المركز أنشئ قبل عامين بإرادة ملكية بموجب قانون خاص ينظم عمله يحمل الرقم (٧٥) لسنة ۲۰۰۲م والذي منح المركز العديد من الصلاحيات، من بينها زيارة السجون الأردنية، والاطلاع على سير الأوضاع فيها.
أما رئيس مجلس أمناء المركز فهو المحامي أحمد عبيدات الذي شغل موقع رئيس الوزراء في الثمانينيات وتسجل له الأوساط السياسية الأردنية تعاطيه المنفتح مع المعارضة ومع قضايا الحريات، على الرغم من تسلمه مهام منصبه خلال حقبة الأحكام العرفية وقانون الدفاع، وهي التسمية المرادفة لقانون الطوارئ الذي لا يزال معمولًا به بصورة فعلية أو عملية في كثير من الدول العربية.
وأهم ما ميز فترة رئاسة عبيدات للحكومة سعيه لسن تشريع أطلق عليه اسم قانون «من أين لك هذا»؟ الذي يفرض رقابة على أموال جميع من يضطلعون بالمسؤولية الرسمية، وأثار مشروع القانون في حينه حفيظة كثير من المتنفذين الذين تخوفوا من تبعاته عليهم، وترى أوساط سياسية أردنية أن القانون ربما كان السبب الأبرز وراء إقصاء عبيدات عن منصبه، غير أنه أكسبه في الوقت ذاته احترامًا واسعًا لدى القوى السياسية، وعلى الصعيد الشعبي، وهو ما دفع صاحب القرار السياسي إلى تعيينه بعد إلغاء حالة الطوارئ رئيسًا للجنة أوكل إليها وضع ميثاق وطني، وتشكلت من كل الأطياف الفكرية والسياسية، وتمكنت اللجنة في حينه من وضع ميثاق اعتبر وثيقة مهمة ومتقدمة من حيث ضمانها لمستوى متميز من الحريات، غير أنه لم يتم تفعيلها في الحياة العامة، وبقيت حبرًا على ورق.
وحين انطلقت مسيرة التسوية مع الكيان الصهيوني، ووقع الأردن معاهدة وادي عربة مع (إسرائيل) عام ١٩٩٤م، وقف عبيدات في الصف المتقدم لمعارضيها، وقدم مرافعة قوية ضدها في مجلس الأعيان الذي فقد عضويته فيه بسبب موقفه ذاك لينزوي عن ساحة العمل، إلى أن تم تعيينه قبل عامين رئيسـًا لمجلس أمناء المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يعد تقريره حول أحداث سجن الجويدة الأشهر، وسلط عليه كثيرًا من الأضواء.
الحكومة محرجة
وكان يمكن للحكومة الأردنية بحسب بعض الأوساط أن تحقق مكاسب سياسية مهمة من وراء تقرير المركز لو أنها تعاملت معه بصورة ذكية، وخصوصًا أنه صدر دون رغبة منها، وبات أمرًا واقعًا فقد كان بوسعها تأكيد أن الحالة التي حصلت في سجن الجويدة لا تعبر عن نهج معتمد داخل السجون الأردنية، وإنما عن حالة فردية، وأن تركّز على أن التقرير الذي كشف الخلل في السجن صدر عن مؤسسة رسمية لا عن جهة معارضة، وأن ذلك يعبر عن جرأة وشجاعة وعن حرص رسمي على الشفافية والمصداقية، لكن الحكومة تعاملت بارتباك وحرج شديدين مع تداعيات الحادثة، ولجأت إلى التشكيك في مصداقية التقرير، ووجهت انتقادات لاذعة له، وقررت تشكيل لجنتين: الأولى للوقوف على حقيقة ما جرى في السجن، والثانية للرد على تقرير المجلس وتفنيد مضامينه.
وربما فاقم من حجم التوتر والحرج الذي أصاب الحكومة أن التقرير جاء بعد أسابيع قليلة من الإضراب الشامل للأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية احتجاجًا على سوء الأوضاع وعلى طريقة التعامل اللاإنسانية لإدارة السجون بحق المعتقلين، وجاء كذلك بعد أشهر على فضائح التعذيب في السجون الأمريكية في العراق وأفغانستان وجوانتانامو.
الحكومة الأردنية شككت في صحة وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في السجون الأردنية، وأشاد وزراؤها الذين سارعوا لزيارة سجن الجويدة بمستوى المعاملة والخدمات التي تقدم في السجن، لكنهم اعترفوا بوجود مشكلة ازدحام في السجن الذي تبلغ طاقة استيعابه القصوى نحو (۱۰۰۰) نزيل، في حين وجد فيه أثناء زيارة وفد المركز أكثر من (1600) معتقل من بينهم (۳۸۰) موقوفًا إداريًا مضى على توقيف العشرات منهم أكثر من أربعة أشهر دون محاكمة.
التقرير القنبلة: وفد المركز قال إنه زار السجن في 8/9 بعد تقديم عدة شكاوى بوجود تجاوزات واعتداءات من إدارة سجن الجويدة بحق المعتقلين، وبعد مناشدة ذوي المواطن عبد الله المشاقبة المركز بالتحقيق في أسباب وفاته، وقال المركز إن وفده استمع إلى شهادة (٤٠٠) معتقل أكدوا أن وفاة المشاقبة وإصابة الجرحى الآخرين تمت نتيجة تعرضهم للضرب الشديد بالجنازير والكابلات الكهربائية على مدار ساعات من يوم الأربعاء 1/٩/2004 وعلى مرأى ومسمع من السجناء الآخرين».
وأضاف التقرير أن ضرب المعتقلين من قبل ضباط وأفراد إدارة السجن استمر حتى تمزقت أجسادهم، وقد عرضوا على طبيب السجن لإجراء العلاجات اللازمة، وبعد ذلك تم اقتيادهم مرة أخرى إلى الساحة حيث تم رشقهم بالماء المملح، والتعدي عليهم بالضرب من جديد، مما أدى إلى تفتق الجروح والإغماءات، وعلى إثر ذلك تم نقل اثنين منهم إلى المستشفى، أحدهم المرحوم بإذن الله -عبد الله المشاقبة. وخلص التقرير الذي وقع بمثابة القنبلة على الحكومة، إلى القول: «ثبت لنا أن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها السجناء في السجن المذكور على درجة كبيرة من الخطورة، وتشكل مساسًا مباشرًا بطائفة من حقوقهم.
سجن مثير للجدل
ويكاد سجن الجويدة يكون أكثر السجون الأردنية إثارة للانتقادات، فقد تكررت الشكاوى خلال السنوات الماضية بوجود انتهاكات ترتكب داخل أسواره بحق المعتقلين من قبل الإدارة ومع أن غالبية نزلاء السجن من المعتقلين الجنائيين، إلا أنه في الوقت ذاته مقر للمعتقلين السياسيين والأمنيين خاصة من التنظيمات الإسلامية.
إلى جانب الجويدة فثمة سجن آخر مثير للجدل في الأردن، ولكن من زاوية مختلفة هو سجن الجفر الصحراوي؛ فقد نشرت منظمات حقوقية وصحف أمريكية قبل أشهر تقارير عن وجود سجن للمخابرات الأمريكية في الأردن تحتفظ فيه بمعتقلين من تنظيمات إسلامية منها تنظيم القاعدة، ونفت الحكومة بشدة صحة تلك التقارير، لكنها لم تستجب حتى الآن لمطالب نيابية بتنظيم زيارة إلى السجن للتأكد من حقيقة الأمر.