; أزمة ثقافة.. مثقفين.. وزير؟ | مجلة المجتمع

العنوان أزمة ثقافة.. مثقفين.. وزير؟

الكاتب عصام أبو إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001

مشاهدات 59

نشر في العدد 1436

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 30-يناير-2001

تجددت المشاهد التي عاشتها مصر في الصيف الماضي إبان أزمة «وليمة لأعشاب البحر» مما يعني أن المعالجة التي تمت قبل ستة شهور لم تحقق علاجًا يذكر للأزمة السابقة، بل إن الخلل مازال قائمًا، وستتجدد المشكلات ما بقيت الأسباب.

الجديد هذه المرة هو تغير المواقع خاصة بالنسبة لوزير الثقافة المصري فاروق حسني الذي تحول بزاوية قدرها (١٨٠) بصورة مفاجئة أدهشت المراقبين، فانقلب على زمرة المثقفين اليساريين الذين تسببوا في أزمة الوليمة، ثم استمرأوا الهدوء في أعقاب الأحداث الدامية، وتصوروا أن الحكومة والوزير أعطوهما ضوءًا أخضر على الدوام لفعل ما يريدون فإذا بهم يفاجؤون بموقف الوزير الذي اتهمهم صراحة بالتآمر ضده شخصيًا، فضلًا عن اتهامهم بالدفاع عن الإباحية والجنس المفضوح وترويج كتابات البورنو.

والجديد أيضًا مورد الفعل المفاجئ والسريع للحكومة بالتحقيق المباشر مع قيادات هيئة قصور الثقافة ومؤسسة النشر داخل وزارة الثقافة، ثم إقالة وكيل الوزارة المسؤول واثنين معه مسؤولين عن الإصدار الذي تم، ثم تداعت الأحداث باستقالات جماعية لمسؤولين آخرين متضامنين مع زملائهم، ثم انتقل الجدل إلى صفحات الصحف، والمجلات، والإذاعات والفضائيات، بل إلى التلفاز المصري الذي أتاح للوزير مساحات واسعة للدفاع عن وجهة نظره؛ مما جعل الرأي العام المصري مدهوشًا نظرًا لتبني الوزير الدفاع عن الأخلاق والفضيلة، بل إن إحدى الصحف المستقلة صورته بلحية مرتديًا زيًا أزهريًا، ويعتمر عمامة على رأسه.

خفايا الأزمة: بدأت الأزمة حين نشرت سلسلة «أصوات أدبية» ثلاث روايات في سبتمبر، وأكتوبر، وديسمبر ٢٠٠٠م هي: «أبناء الخطأ الرومانسي» لياسر شعبان «أحلام محرمة» لمحمود حامد «وقبل وبعد» لتوفيق عبد الرحمن.

وكانت أول التداعيات ما أثاره الشاعر الشعبي عبد الرحمن الأبنودي حول أنه هو المقصود بإحدى الشخصيات في رواية «قبل وبعد» التي تحكي عن شاعر ارتمي في أحضان السلطة، وتخلى عن معارضته لها، قدم الأبنودي شكوى للوزارة، كما تحدث بعض الصحف عن تقارير أمنية تشير إلى خروج الروايات الثلاث عن حدود الأدب والإبداع مما ينذر بتكرار أزمة الوليمة.

ثم جاء طلب الإحاطة العاجل الذي قدمه نائب الإخوان أ.د محمد جمال حشمت في أول يناير كباكورة لنشاطه النيابي ضمن طلبات أخرى بعد أن اشتكى له بعض الشباب في دائرته من هذا الإسفاف وبعد قراءته للروايات والمقاطع المسفة فيها، كان هذا الطلب بمثابة الحجر الذي ألقى في البحيرة فحرك المياه الراكدة، وسرعان ما تواصلت تداعيات الأزمة التي افتعلها بعض المثقفين اليساريين، ولكن هذه المرة انقلب السحر على الساحر فإذا بالاتهامات المتبادلة والتراشق العنيف يتم بين الوزير وخلصائه وحلفائه السابقين. ويردد البعض أن السبب الرئيس هو خوف الوزير على مقعد الوزارة إذا تكررت الأزمة الشعبية خاصة مع قياس الرأي العام الذي مازال مستغربًا من النتائج التي وصلت إليها أزمة الوليمة وشذوذها البالغ.

فالأزهر والمساجد والأغلبية الكاسحة من الشعب رفضت الإسفاف الذي حوله رواية «وليمة لأعشاب البحر» ومع ذلك كانت النتيجة هي:

  • تجميد حزب العمل الذي تبنت صحيفته إثارة القضية ومنع صحيفة الشعب من الصدور.

  • اعتقال العشرات وإصابة الكثيرين من المحتجين ضد الرواية رغم إدانة الأزهر ولجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب لها ولوزارة الثقافة.

  • بقاء الوزير في موقعه، بل استمرار قيادات الوزارة كافة في مواقعهم مع استمرار سياسة النشر كما هي بدليل الإصدارات الجديدة وإن قال الوزير إنه أمر بضرورة المراجعة الكاملة لمنع المساس بالأديان أو الأخلاق.

ويقول البعض الآخر إن الوزير يريد التخلص من أعوان د. جابر عصفور أبرز القيادات الثقافية التي تنافس الوزير على مقعد الوزارة إذا حدث تغيير ما، خاصة وقد تم تعيين عصفور في المجلس القومي للمرأة الذي تشرف عليه السيدة حرم الرئيس، وأصبح في الدائرة القريبة من صناع القرار.

عناوين مثيرة للأزمة:

 يكفي إلقاء نظرات على عناوين ما ينشر في صحف والمجلات المصرية لمعرفة أبعاد الأزمة المتجددة:

  • هل أصبح وزير الثقافة ضد فاروق حسني؟

  • علي أبو شادي يؤكد اختلافه مع الروايات الثلاث ويقول: الوزير فتح أبواب جهنم.

  • محمد البساطي المسؤول عن أصوات الأزمة: الوزير يحب كرسي الوزارة أكثر من الحرية.

  • محمود حامد صاحب الأحلام المحرمة: انتصرت قوى الظلام.

  • توفيق عبد الرحمن صاحب قبل وبعده: أرفع قبعتي للوزير إن كان قرأ الرواية.

  • مسؤولا النشر في الهيئة: هذه سياسة حرق الأراضي المزروعة.

  • عبد الرحمن الأبنودي: أنا سعيد بما حدث لإنقاذ الثقافة من الصغار.

  • وزير الثقافة لا يتوقع هدوءًا: هذا أدب «بورنو» لن تنشره الدولة.

  • فاروق حسني: نشر الروايات الفاضحة مؤامرة ضدي.

  • على أبو شادي: لسنا عصابة ضد الوزير.

  • الوزير يصرح:

    كان لا بد أن أضع احتمال سوء نية المسؤولين عن النشر والتصرف على أساسه.

    ليس عيبًا أن آخذ بوجهة نظر الإخوان إذا ثبت أنها صحيحة.

    في أزمة الوليمة، هناك من أثار الأزهر ضدي، وهذه المرة يريدون أن يثيروا المجتمع كله.

    المتطرفون كانوا يتمنون أن نتمادى في الخطأ، لكن أضعت عليهم الفرصة.

    علي أبو شادي: إذا كنا عصابة من المستنيرين فالوزير زعيمنا.

    أبو شادي والوزير: أيهما في أزمة؟

    هذه نماذج قليلة من عناوين للأزمة سواء كانت أزمة الثقافة، أم أزمة الوزير، أم أزمة المثقفين.

 والسؤال هو: هل ستكون توبة الوزير حقيقة؟ وهل ستشهد إصدارات وزارة الثقافة مراجعة جدية بعد تعيين محمد غنيم وكيل الوزارة مسؤولًا جديدًا عنها وبعد تصريحاته القوية حول عهد جديد؟ 

وهل سيبقى الوزير في موقعه عند حدوث أول تغيير وزاري مقبل؟ 

وهل سيأتي جابر عصفور وزيرًا للثقافة ليشعل الأزمات في المجتمع من جديد؟ 

والأهم هل مصلحة مصر تعادل الدفاع عن حفنة من اليساريين الذين يصفون حساباتهم مع بعضهم البعض من جهة ومع المجتمع الذي رفضهم تمامًا من جهة أخرى، فيريدون إشعال الحرائق في المجتمع، ويبحثون عن الشهرة ولو على حساب الدين والأخلاق والفضيلة؟

 إنها أزمة اليسار المصري وأزمة الثقافة المصرية التي وقعت في يد أولئك فشوهوا صورة مصر.

وهي أيضًا أزمة الوزير الذي رفضته جموع المثقفين بالإجماع عندما هبط عليهم بالباراشوت من روما منذ (١٣) عامًا، وأشعل الأزمات تلو الأزمات، والدولة تحميه وتدافع عنه.

وذلك كله في ظل غياب الحريات العامة التي تتيح لكل صور الإبداع الحقيقي أن تتنفس وفي ظل قانون طوارئ يلاحق المتدينين، وفي ظل خنق مستمر للحياة السياسية والثقافية واحتكار مستمر للإعلام ومؤسسات الثقافة في المجتمع.

في النهاية لا بد أن نتوجه بالشكر للأخ النائب محمد جمال حشمت على طلب الإحاطة الذي حرك الأحداث.

وشكراً للوزير الذي انتقل إلى موقف الدفاع عن الفضيلة والأخلاق، ويريد حماية المجتمع، ونقول أفلح إن صدق، وشكرًا للمثقفين الذين ساهموا في فضح مؤامرات بعضهم البعض حتى تتضح حقيقتهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1405

67

الثلاثاء 20-يونيو-2000

معركة الرواية البذيئة

نشر في العدد 1434

98

الثلاثاء 16-يناير-2001

للقضية.. أوجه أخرى

نشر في العدد 1871

59

السبت 03-أكتوبر-2009

صفر اليونسكو.. وعار الحظيرة!