العنوان «شاخت».. نجح في ألمانيا وفشل في إندونيسيا.. لماذا؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1973
مشاهدات 87
نشر في العدد 147
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 24-أبريل-1973
«شاخت».. نجح في ألمانيا وفشل في إندونيسيا.. لماذا؟
دور «الإرادة الإنسانية» في التنمية الاقتصادية
مالك بن نبي.. يرسم الدور الاقتصادي للإنسان المسلم
الغريب أن «شاخت» العالم...ي الاقتصادي الكبير... نجح في إنقاذ ألمانيا بعد سقوطها المدمر في الحرب العالمية الثانية، بينما فشل شاخت نفسه، فشلًا ذريعًا أن يرتفع بالمستوى الاقتصادي لإندونيسيا.. مع الشبه الكبير بين وضعية إندونيسيا، ووضعية ألمانيا في الحرب... فما السر في ذلك؟
إن «مالك بن نبي» يتصدى للإجابة على هذا السؤال المحير، الذي تمثل الإجابة عنه حجر الزاوية بالنسبة لعلاقة العالم الإسلامي.
ويرى مالك بن نبي «أن السلطات الاقتصادية، تتضمن شرطًا ضمنيًا مهمًا ليس من اختصاص واضعيها الالتفات إليه، فالدكتور شاخت، كان بلا جدال، أجدر من يضع مخططًا اقتصاديًا مثل الذي وضعه لبلاده قبيل الحرب، ولكنه خطط لإندونيسيا، فوضع ضمنًا خطته على قاعدة معادلة اجتماعية خاصة بالشعب الألماني وأجنبية عن الشعب الإندونيسي» «أن مبدا اقتصاديًا لا يمكن أن يكون له أثره، ومقدرته التامة على التأثير إلا في الظروف التي يتفق فيها مع تجربة اجتماعية معينة».
فما هي المعادلة الاجتماعية بالنسبة للشعوب الإسلامية؟ أن من المفروغ منه أن هذه الشعوب تعيش مرحلة خضوع للمؤتمرات الاستعمارية الثقافية والنفسية، «ولقد نمي الاستعمار في نفسيتها خوف الجوع الذي يظهر في جميع طبقات المجتمع الإسلامي لقد خلق منها الرجل الذي يخاف دائمًا من الجوع، وهذه الصورة قد حطمت عندها أمكانية التكيف مع التكوينات والأوضاع الاقتصادية في القرن العشرين» ... فالوسيلة المادية ليست وحدها التي تفتقدها شعوب العالم الإسلامي لصناعة «إبرة الحياكة»، بل أنها تفتقد أيضًا الاستعداد العقلي الذي يبلغها هذه الغاية!!
إنه -في الحقيقة- لا يوجد أي سبب عقلي ظاهر، يجعل من المحتوم على الإنسان أن يبيع «الحلفا» الجزائرية -وهي مادة أولية- أقل ثلاثين أو أربعين مرة من سعر منتجاتها «منتجات الحلفا من الورق والسليلوز» المصنوعة في إنجلترا...!! اللهم إلا أن يكون ثمة عجز في البناء العقلي والنفسي لهذا الإنسان.
أنه لابد من ثورة ثقافية اجتماعية، في العالم الإسلامي قبل القيام بعملية ثورة اقتصادية يكون من جرائمها أن يجد الإنسان المسلم له مكانًا في «عالم الاقتصاد»... «أننا نرى أن المجتمع الإسلامي في اللحظة الراهنة، يقوم بتضحيات وجهود لإيجاد أطر أو ملاكات صناعية فنية ضرورية ها هنا وهناك، ولزيادة جهد النهوض الاقتصادي، بيد أن عالمًا اجتماعيًا إيرانيًا يبين لنا في بحث رعته هيئة الأمم المتحدة عظم هجرة أدمغة العالم الإسلامي إلى البلدان المتقدمة... أن «الدماغ العربي » المثقف -أمام موقف بعض البلدان العربية المنتجة- كبلاد النفط- يبحث فيجد خير منتفع بكفاءته ومقدرته في مواطن أخرى غير إسلامية وغير عربية.
ثم في المقابل.. تذهب البلاد العربية المنتجة إلى استيراد عقول أجنبية تشعر أليست هذه معادلة مهيئة !!مذلة؟
لقد واجهت الصين شيئًا من هذا، بل كل هذا، لكنها انتصرت عليه انتصارًا كاسحًا بالثورة الثقافية التي قامت بها، وينبغي للبلدان الأخرى في العالم الثالث، أن تقوم هي أيضًا بثورتها الثقافية، حتى تذلل المصاعب، ولا سيما العقد النفسية والاجتماعية التي تعوق سبيل تنميتها الاقتصادية.
لقد وقع الفكر الإسلامي الحديث في خطأ فاحش، كان سببًا في تعثر حركات نهوضه كلها، لا سيما في مواجهة المشكلات الاقتصادية أنه يضيق على نفسه مجال اجتهاده، بمقتضى مسلمات ضمنية، ويحصر نفسه في زاويتين خطيرتين:
أولًا: إنه يفكر على أساس أن الموجود من المناهج الاقتصادية هو ما يمكن إيجاده «الاشتراكية أو- الرأسمالية» بنظمهما وفروعهما المختلفة.
ثانيًا: إن يفكر كذلك أن النشاط الاقتصادي لا يمكن من دون تدخل المال «كعنصر أقوى».
ولعل الانطلاق الصحيح أو البداية الصحيحة للعالم الإسلامي تتوقف على اجتيازه هاتين المشكلتين وعلى بدايته- من فقهه الإسلامي الاقتصادي الذي يجب أن تفتح فيه كل منافذ الاجتهاد.
ما هي شروط الانطلاق بالنسبة للعالم الإسلامي- في ضوء ما قدمنا من تحليل-؟
إنه لا بد من البدء بالقول بأن الأقدار لم تظلم أحدًا، وإنما تقوم الأمور على سنن لا تغيير لها، بحيث تربط المسببات بأسبابها، سنة الله في خلقه، ولغيرنا أن يسميها قوانين، فلا يضيرنا المهم أن هناك سننًا- ليست الاتكالية من بينها- لا بد لنا من أن نعيها وهل يمكن أن تكون أمرًا اعتباطيًا لا يقوم على أسباب مهمة أن يكون محور «طنجة- جاكرتا» الممتد من أقصى الغرب في القارة الأفريقية إلى أقصى الجنوب في القارة الآسيوية والذي يضم العالم الإسلامي تقريبًا- هو المحور الفقير، بينما محور موسكو- واشنطن- الذي يضم أوروبا واليابان والقارة الأسترالية، هو المحور القوي؟
وعند وعينا للسنن الكونية، وربطنا الأسباب بالمسببات سوف يبقى أمامنا الوعي بالأسس الحضارية اللازمة للانطلاق.
* فلا بد من تغيير الإرادة بتغيير القيم والأذواق والأخلاق ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتىٰ يغيروا ما بأنفسهم ۗ﴾ (الرعد: 11)
* والاقتصاد مهما كانت نوعيته المذهبية، هو تجسيم لحضارة، على شرط أن نحددها كمجموعة الشروط المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يقدم جميع الضمانات الاجتماعية لكل فرد يعيش فيه.
وبما أن الحضارة لها جانبان المادي والمعنوي فمن المحتم علاج هذين الجانبين معًا منذ اللحظة الأولى للانطلاق.
* والمال مهما يكن نوعه- ذهبًا أو فضة- هو الوسيلة لاختزان العمل حتى يعود لصاحبه في الأوقات الصعبة، ولكنه مع ذلك ليس «رأسمال» وحيد في المجال، ومن البديهي القول بأن ألمانيا واليابان قد بدأتا بعد الحرب الثانية، ورصيدهما من المال هزيل، لكنهما خلال جيل واحد أصبحتا في المركز المالي الأول في العالم، وبالتالي لا يجب المبالغة في الدور الذي يمكن أن يلعبه المال لكن مع ذلك لا يمكن تجاهل دوره في عملية الانطلاق.
* وفي عملية الانطلاق لا بد لنا من ديناميكا اقتصادية واضحة مستقلة، وإذا كان الشيوعيون قد رفعوا شعار «من كل بحسب طاقته، ولكل بحسب حاجته» فإننا يمكن أن ننطلق من مسلمتين:
١- لقمة العيش حق لكل فم.
٢- العمل واجب على كل ساعد.
* ويجدر بنا أن نلاحظ الترابط بين القيم الأخلاقية والاقتصادية هذا الترابط الذي أهملته الرأسمالية في نظرتها إلى الاقتصاد.
* وعلى أية حال فمتى تكونت لدى العالم الإسلامي إرادة واضحة للتخلص من التخلف، سيجد أولًا أن اختياره ليس محددًا بالرأسمالية أو الماركسية، وأنه بالتالي يستطيع التعويض للاستثمار المالي المفقود لديه بالاستثمار الاجتماعي على أساس المسلمتين اللتين ذكرناهما.
وإذا كان لنا درس نستخلصه من تجربة الصين، فإنما هو أن المعارك الاقتصادية عندما تدور رحاها فهي تدور حول قطب القيم الأخلاقية، وأن وسعنا المصطلح قلنا: حول القيم الثقافية.
والعالم الإسلامي أجدر من يحقق للإنسانية التجربة التي تعيد إلى عالم الاقتصاد أخلاقيته ويتلافى بذلك الانحرافات الإباحية التي تورطت فيها الرأسمالية، كما ينجو من ورطة الماركسية المادية التي سلبت الإنسان ما يميزه عن الآلات والأشياء.
الرابط المختصر :