العنوان قضايا تربوية - مداخل الشيطان
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980
مشاهدات 93
نشر في العدد 466
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 22-يناير-1980
وسوسة الشيطان تعمل في النفوس المريضة وتخنس أمام ذكر الله
تزيين الشيطان الأصغر:
وتزيين الشيء، أي تغييره في صورته الحقيقية إلى صورة أخرى بإضافة بعض الأشياء إلى الصور الحقيقية، فتزيين الشيطان للباطل يتم بإضافة الشهوات ليبدو الباطل بصورة جميلة غير صورته الحقيقية، وذلك ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، «حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات»(1).
«فكأنه قال: لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المشقات المعبر عنها بالمكروهات، ولا إلى النار إلا بتعاطي الشهوات وهما محجوبتان فمن هتك الحجاب اقتُحِم»(2) والشهوات هنا هي الزينة التي يستخدمها إبليس ليصطاد بها بني آدم ليهتكوا الحجاب فَيَهْوُون في النار.
وتزيين الشيطان الأصغر هو الذي يطبِّقُه على فرد أو مجموعة في أماكن وأزمنة مختلفة، ويزيد هذا التزيين وينقص من فرد لآخر ومن مجموعة لأخرى وأكثر من زين عليه الشيطان سوء عمله من الأفراد، كما يذكر القرآن هو فرعون، إذ لم يُجَرِّئ مخلوقًا قبله أن يقول ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ (النازعات:24)(3).
وكذلك السامري الذي صنع لبني إسرائيل من حُلِيِّهم عجلًا له خوار يعبدونه من دون الله.
وأبو جهل الذي عاش يحارب الإسلام ونبيَّه حتى آخر قطرة من دمه وماركس مؤسس الشيوعية، المبدأ القائم على إنكار وجود الله والذي ما يزال ينتشر وباؤُه في أقطار العالم أجمع، ولينين وهتلر وكمال أتاتورك وغيرهم كثير..
والعلَّة في هذا المدخل هي أن الشيطان يُرِي هذه الجماعة أو هذا الفرد أن عمله هو الصحيح وأعمال الآخرين خاطئة أو أن يُرِيه أن رأيه هو الصواب وآراء الآخرين غير صائبة مما يجعله يعمل بالذي يراه صحيحًا، فيقع في الخطأ... كأن يرى ماركس أن فكرة وجود الله فكرة خاطئة ذلك لأنه يخدر الشعوب ويمنعها من التقدم، فينفي فكرة وجود الله..
«ولقد تدفع الحماسة أصحاب الدعوات بعد الرسل والرغبة المُلِحَّة في انتشار الدعوات وانتصارها إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإصغاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلًا فيها ومجاراتهم في بعض أمورهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصموها ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة ولا مع منهج الدعوة المستقيم وذلك حرصًا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها واجتهادًا في تحقیق (مصلحة الدعوة)(4).
ويتضح هنا تزيين الشيطان لهذه الفئة للوسائل التي يستخدمونها وهي لا تستقيم مع منهج هذا الدين في سبيل ما يلقي الشيطان في نفوسهم «مصلحة الدعوة» فيقعون بالخطأ ويقع الهدم أكثر من الإصلاح فيتم للشيطان ما يريد.
تزيين الشيطان الأكبر:
تزيين الشيطان الأكبر هو ما يتم لأمة كاملة..
إن في سنة الله في خلقه أن يفتنهم بالخوف والبلايا والشدائد والأمراض والأوجاع والجوع لكي يرجعوا إليه عند رؤيتهم ذلك ويستغفروه على ما كانوا يفعلون. ولكن نادرًا ما يتعظ الخلق بذلك والسبب قسوة القلب ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾(5) (البقرة:74)
ويزين الشيطان أعمالهم فيرونها حسنة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (6) (الأنعام:42-43) وقال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (7) (النمل:63).
أمم كاملة تصدُّ عن الحق وتجري لقطف تلك الزهور الجميلة المتفتحة العطرة ولا تدري أن تحتها أشواكا..
أمم كاملة زين لهم الشيطان حبَّ أنفسهم والاعتزاز بجنسهم واحتقار الأجناس الأخرى..
أمم كاملة تحركها أصوات المغنيين والمغنيات ولا تحركها أصوات الجهاد
وما النتيجة في هذا التزيين وغيره؟؟
أمراض نفسية معقدة لم يرَ الإنسان مثلها من قبل- ضياع كامل وقلق وحيرة- والهرج(8) الذي حدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يزداد يومًا بعد يوم مشيرًا إلى قرب الساعة- حروب متواصلة بين أمم تجمعهم شريعة الله ولغة القرآن والعادات والتاريخ- وفقر ملصق بالتراب وغيرها كثير مما لا يحصى عدده.
وعدو الله يدفعهم دائمًا لتبرير ما يحدث وتعليل هذه المصائب بأسباب سياسية أو اقتصادية أو علمية أو غيرها.. إنه دائمًا يُلبس قلوبهم أقنعة سوداء لتحجبها عن الرؤية، فتحليلًا دائمًا تكون النتيجة رؤية أعينهم وليست رؤية قلوبهم، لأنها ما زالت مقنَّعة..
هذه الأمم زين لها الشيطان، لا تحب أن يماط اللثام في وجه الحقيقة والواقع الذي هم فيه- فهي تعتقد أن هذا هو الصواب وغيره باطل ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (9) (البقرة:11-12)
لا يشعرون ولا يريدون أحدًا أن يشعر بذلك، ولئن حاول أحدٌ كشف الحقيقة أو بعضها- اتهموه بكل شيء واستخدموا كل ما يملكون من الوسائل المعنوية والمادية لدحض ما كشف- وأحد الدلائل على ذلك عندما سافر الأستاذ سيد قطب رحمه الله إلى أمريكا ورأى الضياع والحيرة والقلق والتفرقة العنصرية والفقر والحضارة المزيفة- فكتب كتابًا كشف فيه عن الواقع الذي تعيشه أمريكا وأسماه (أمريكا الذي رأيت) وكان أن اختفى ذلك الكتاب ولم يُطبع بعد ذلك..
وما زالت الإشارات الحمراء تضيء للبشرية محذرة لهم مما هم مُقْدِمون عليه ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (الأنعام:42) ولكن أبَوْا إلا قسوة القلب واتِّباع ذلك التزيين.
الاستفزاز:
معركة هائلة والغبار متطاير والرؤية تكاد تكون معدومة وأصوات الشياطين في كل مكان تنادي للباطل وتدعو إليه.
أصوات كثيرة لا حصر لها من تشكيك في القرآن وأفكار مستوردة ضالة وآراء شاذة ودعوات للإباحية وأغانٍ هابطة.
نعيق مزعج في كل مكان من هذا الكوكب (القضاء القضاء على الحق) ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ (10) (الإسراء:64)
وخيول في كل مكان من أرض المعركة- خيول الباطل تملأ الساحة تقدح الأرض بسنابكها وتعدو وتضجٍّ في صهيل عالٍ للقضاء على الحق..
خيول مختلفة الأشكال والألوان من كُتب وأفلام وخمور وميسر ومجلات وصحف.. ورجال باعوا أنفسهم في سبيل الباطل وعقدوا البيعة مع الشيطان على أن ينتصر الباطل أو يموتون دونه رافعين أسلحتهم وواضعين أصابعهم على الأزندة موجهين إياها للحق يريدون القضاء عليه ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (11) (الإسراء:64)
هذه هي معركة الحق والباطل على مدار الزمان و«هو تجسيم لوسائل الغواية والإحاطة والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول فهي المعركة الصاخبة تستخدم فيها الأصوات والخيل والرَّجِل على طريقة المعارك والمبارزات يرسل فيها الصوت فينزعج الخصوم ويخرجهم من مراكزهم الحصينة أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة فإذا استُدرجوا إلى العراء أخذتهم الخيل وأحاطت بهم الرجال»(12)
ولقد أثرت قنابل هذه المعركة فشوَّهت وجوهًا وأماتت نفوسًا وأحيت نفوسًا، ومن آثار هذا التشويه، مشاركة الباطل في الأموال والأولاد والتنازل عن بعض المبادئ تأثُّرًا بجوِّ المعركة المخيف الذي لا يثبت فيه إلا الرجال.
المشاركة:
وفي هذا المدخل يأمر الشيطان الناس بالإنفاق في معصية الخالق فكل ما ينفق على الميسر والخمر والبغي والكتب الضالة أو إعانة العدو للقضاء على المسلمين والرِّبا والغش وغيره، يعتبر مشاركة للشيطان في الأموال.
ويسعى عدو الله للمشاركة بالأولاد بأن يجعلهم يسمون أولادهم بما لا يُرضي الله كعبد العزَّى وعبد اللات بالماضي والآن عبد الحسن وعبد الحسين وعبد عليّ وعبد محمد إلى آخر هذه الأسماء أو أن يجعلهم يُدخلون أبناءهم بغير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو قتله أو وأْدِه.
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لو إن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه أن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا»(13) (متفق عليه واللفظ لمسلم) «كتاب النكاح».
أما المؤمن فيرفض ابتداءً أن يشارك الشيطان في كل شيء فهو يعلن المفاصلة في كل صلاة عندما يطلب من الله ألَّا يجعله من المغضوب عليهم ولا الضالين، ويعلنها قبل أن يأوي إلى فراشه في صلاة الوتر عندما يقرأ سورة الكافرون، ذلك- ذلك لأنهم لا تصِلُهم سهام إبليس وهم في حصون الله المنيعة.. ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾(14) (الإسراء:64-65)
والمشاركة هي بداية، ثم يعقبها الاستيلاء الكامل على الأموال والأولاد فتكون كلها في سبيل الطاغوت والأولاد يتحولون إلى شياطين الإنس، ومن ثَمَّ يستخدم هؤلاء الشياطين في نشر ما يريد به أن يضل بني آدم ليوقعهم في جهنم وبئس المصير.
أبو بلال
الهوامش:
- متفق عليه- كتاب صفة الجنة.
- الفتح الباري مجلد ۱۱ ص 320.
- النازعات: 24.
- طريق الدعوة في ظلال القرآن صـ۱۸۰.
- البقرة: 74.
- الأنعام: 43.
- النمل: 63.
- القتل.
- البقرة: 12.
- الإسراء: 64.
- الإسراء: 64.
- في ظلال القرآن ج ٤ صـ٢٢٣٩- طبعة الشروق-.
- متفق عليه واللفظ لمسلم (كتاب النكاح).
- الإسراء: 64.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل