; فتاوى المجتمع- العدد 605 | مجلة المجتمع

العنوان فتاوى المجتمع- العدد 605

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983

مشاهدات 56

نشر في العدد 605

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 25-يناير-1983

سنة قيام الليل:

نرى كثيرًا من الشباب المسلم يحيي سنة قيام الليل، ويصلونها في جماعة، ويجهرون بها، فهل ورد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه صلها جماعة وجهر بها؟

أبو هدوان – الكويت

***

وقد أجاب على السؤال فضيلة الشيخ عبد الفتاح عثمان إبراهيم بما يلي:

نقول وبالله التوفيق، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، إن هذا الاستفسار ورد من شباب نشأ في عبادة ربه، هدى الله قلبه، ونور دربه، وشرح صدره، فيا رعى الله شبابًا تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا (سورة الكهف الآيات: ١٣-١٤).

وقيام الليل يبدأ وقته بعد صلاة العشاء، فقد روى أحمد والبخاري والنسائي عن أنس -رضي الله عنه- في وصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما كنا نشاء أن نراه من الليل مصليًا إلا رأيناه، وكان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئًا، ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئًا، «قال الحافظ: لم يكن لتهجده -صلاة الله عليه وسلم- وقت معين، بل يحسب ما يتيسر له القيام.

أفضل أوقاته:

وأفضل أوقات قيام الليل الثلث الأخير منه، فقد روى الجماعة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «ينزل ربنا -عز وجل- كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له».

وعن عمر بن عبسة قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» رواه الحاكم، وقال: على شرط مسلم، والترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أيضًا النسائي وابن خزيمة.

وصلاة التطوع مثنى مثنى، فقد روى الخمسة عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». وقد صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيام الليل جماعة، فقد روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فقمت عن يساره، فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه» وفي رواية عن أنس أنه قال: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمي وأم سليم خلفنا» وهذا يدل على أن صلاة الشباب جماعة في المسجد أو غيره في قيام الليل جائزة بدليل هذا الحديث وبدليل ما ورد في الصحيح من صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراويح جماعة في المسجد في رمضان.

ولكن الأفضل فيما سوى صلاة التراويح من النوافل أن تصلى في البيت، فقد روى الجماعة عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وفي رواية «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة». 

وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يسر ويجهر في صلاة الليل، فقد روى الخمسة وصححه الترمذي عن عائشة أنها سئلت: «كيف كانت قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالليل؟ فقالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما أسر، وربما جهر» والمستحب في قراءة صلاة الليل التوسط بين الجهر والإسرار، فقد روى الترمذي وأبو داود عن أبي قتادة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي بكر: «مررت بك وأنت تقرأ، وأنت تخفض صوتك فقال: إني سمعت من ناجيت قال -النبي صلى الله عليه وسلم- ارفع قليلًا، وقال العمر مررت بك وأنت تقرأ، وأنت ترفع صوتك، فقال: إني أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان، قال: اخفض قليلًا» وروى أبو داود عن ابن عباس قال: «كانت قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت»، وفي قيام الليل يجهر الإمام، وينصت المأموم لقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا (سورة الأعراف: ٢٠٤). وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» رواه الخمسة إلا الترمذي، وقال مسلم: هو صحيح بارك الله في شبابنا، وتقبل قرباته، وزاد في حسناته وجميع العاملين.

الأدوية المقوية للجنس:

• شدتني صفحة الأسئلة الفقهية في مجلتنا الحبيبة «المجتمع»، وأود أن أطرح سؤالًا منطلقًا فيه من قاعدة لا حياء في الدين، راجيًا الإجابة الوافية عليه.

والسؤال هو: هل يجوز للمسلم العاجز جنسيًا أن يتعاطى أدوية وعقاقير طبية تمكنه من القيام بالعمل الجنسي (الحلال)، كما هل يجوز للمسلم القادر على الأداء أن يتعاطى هذه الأدوية المقوية للشهوة استجلابًا منه للمزيد منها؟

• ولدى عرض السؤال على الأستاذ الدكتور محمد عبد القادر محمد أجاب بهذه الإجابة الوافية:

عبد الله الباكستان

• حينما عرف الفقهاء الزواج قالوا في التعريف هو عقد يحل المتعة، وما المتعة إلا الصلة الجنسية بين الزوجين.

وبناء على هذا التعريف تعتبر تلك الصلة من المقاصد الأصلية لعقد الزواج؛ لأن بها يتحقق الإعفاف، كما أن من مقاصده الأولى الإنجاب؛ لأن به يتحقق بقاء النوع الإنساني، بل ليست الصلة بين الزوجين إلا الوسيلة النظيفة الشريفة في الإسلام لبقاء النوع النظيف الطاهر الشريف.

وارتفع الإسلام بهذه الصلة عن مستويات الماديين الهابطين، فقرر لها ضربًا من المثوبة، واعتبرها من الأعمال الصالحة، التي يستقر بها الفرد، وتستقيم الجماعة، ففي الصحيح من المرويات، قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك لو وضعها في حلال كان له فيها أجر».

واعتبرها الإسلام أيضًا من حقوق الزوجية، ولكل من الزوجين على الآخر أن يمسه بما يعفه، ولا يصح في نظر الإسلام أن يشغل أحد الزوجين شاغل عن هذا الحق الزوجي، ولو كان من العبادات.

وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الطويل، لما تشكته زوجته إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكثرة عبادته، صومًا، وصلاة، أنه قال له: «أما لك برسول الله أسوة حسنة؟ فإني أنا رسول الله: أصوم، وأفطر، وأصلي في الليل، وأنام، وأتزوج النساء، وأكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني يا عبد الله بن عمرو، إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه»، أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، وتكلم الفقهاء في هذا الحق، وفي تحديده:

  1. فمذهب الحنفية أنه يسقط بأدائه مرة واحدة بعد الزواج.

  2. ومذهب المالكية وجوبه على الزوج ما لم یكن به عذر.

  3. ومذهب الشافعية عدم الوجوب، وإنما هو من حسن التبعل.

  4. مذهب الإمام أحمد وجوبه في كل أربعة أشهر، كما في حال الحلف إيلاء، وربما كان هذا التقدير أقصى مدة يستحق طلب التفريق بعدها.

  5. وفي مذهب آخرين تقدير العلاقة الجنسية في كل أربعة أيام مرة.

ومن طريف ما يرويه الحنبلية في كتبهم أن كعب بن سور كان جالسًا عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- ذات يوم، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائمًا، ويظل نهاره صائمًا، فاستغفر لها عمر، وأثنى عليها، واستحيت أن تذكر شكواها، وقامت راجعة.

فقال كعب يا أمير المؤمنين، إن هذه المرأة تشكو زوجها في عدم قربانها.

فقال عمر: اقض يا كعب بينهما، فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهمه.

فقال كعب: عليَّ بزوجها، فأتي به، فقال له كعب: إن امرأتك تشكوك، فقال الرجل: أفي طعام، أم في شراب؟ قال: لا، ولكنها تشكوك لعدم قربانها.

ثم قال له كعب: إن الله قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهن، تعبد فيهن ربك، ولها يوم وليلة.

فأعجب عمر بقضاء كعب هذا، وقال له: والله ما رأيك الأول بأعجب إليَّ من الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة.

ومع أن قدامة الحنبلي -رحمه الله- قرر الإجماع على هذا الحكم بهذه القضية، لأنها انتشرت فلم تنكر، إلا أن الفقهاء لم يجمعوا، بل لم يقولوا بهذا التحديد، وذلك:

  1. لأن إجماع السلف والخلف من أهل الدين والعلم ومن العامة على عدم التزامه عملًا بدون إنكار.

  2. لأن أهل العلم والفقه قرروا أن هذا متروك إلى ما يتعارفه الزوجان بناء على قدرتهما، ويعتادان ما يؤدي إلى المودة والإعفاف اللذين هما مناط الأدمة بينهما.

فإذا بدا فتور أو قصور في الرغبة الجنسية عند الزوج مثلًا، جاز له شرعًا أن يتخذ من العقاقير الطبية، ما ينشط ويقوي عنده الرغبة، أو يردها عليه إن فقدت بشرط أن لا يكون العلاج محرمًا شرعًا؛ لأنه لا يجوز التداوي بالمحرم، ولا بشيء فيه محرم، ويتأكد هذا الجواز عندما تتهدد الحياة الزوجية بالانفصال، في حال العجز التام عن ممارسة الصلة الجنسية ابتداء. فمن المقرر في الفقه الإسلامي أن للزوجة حق طلب فسخ عقد الزواج بينها وبين زوجها أمام القضاء الذي يمهله مدة كافية للتعرف على حقيقة عجزه، وهل هو تام مطبق، أم من الجائز التغلب عليه بالتطبيب، ولهذا إذا مضت سنة، ولم يستطع الاتصال بزوجته، فرق القاضي بينهما.

والسنة بفصولها الأربعة، بحيث يمكن أن يشفى خلالها المريض جنسيًا، نظرًا إلى تعاقب الفصول، ولا يتأتى لمرض ما أن يحتجب خلال سنة كاملة ثم يبدو، ولا يختلف فقهاء المذاهب الأربعة في حق الزوجة في طلب التفريق للعجز الجنسي ابتداء، ولا في استجابة القضاء لها بعد مضي سنة.

وإنما يختلفون فيما إذا عرض العجز في حال البقاء، وجمهورهم لا يرون لها الحق في طلب الطلاق في العجز الطارئ، ووجد منهم من أجاز لها ذلك، وأجاز للقاضي التفريق، وهذا رأي أبي ثور من مجتهدي الشافعية، الذي يرى أن العنة اللاحقة تبيح طلب الفسخ كالعنة السابقة، وهذا ما أخذ به مشروع قانون الأحوال الشخصية الكويتي (المادة ۱۳٨)؛ وذلك صونًا للمرأة، ورفعًا للحرج عنها.

وإذًا يمكن القول: إن جواز التطبيب بمباح يتأكد شرعًا، لإزالة العجز عن الاتصال الجنسي، في أول الزواج، وكذا في حال طرده على الحياة الزوجية.

أما إذا كان الاتصال الجنسي في وضع سليم لكن الزوج أراد التطبب، واتخاذ العقاقير لزيادة قوته وقدرته على ممارسة العملية الجنسية فيقال فيه:

١- إذا كان غرضه من التطبب في هذه الحال، إطفاء شهوة عارمة عند الزوجة، أو إعفاف نفسه عن اختلاس النظر إلى الأجنبيات، فلا بأس بذلك، لأن الإعفاف غرض صحيح، ومطلب شرعي شريف «والأعمال بالنيات»، كما يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-، بل كان بعض السلف من الأئمة يقول في دعائه: «اللهم أعني على إعفاف أهلي، فإن به صلاحهم وصلاحي».

٢- وإذا كان الغرض من التطبب زيادة التلذذ وفرط الاستمتاع الجنسي، فإن هذا لا يعتبر مطلبًا حميدًا مشروعًا، والزواج مشروع لإرواء الغريزة الجنسية، لا لإثارتها، والتوفر على بواعثها، بل ليست ملابسات الجنس مما يقصد لذاته في الشرع، بل هو مطلب مقصود لغيره، وهو الإنجاب وبقاء النسل، والمطلوب أن يتوفر الإنسان المسلم على خدمة النسل ورعاية النشء، لا أن يشتغل بوسائل اللحم والدم عن مقاصد الزوجية الأولى، وأهدافها السامية.

وإن من شغلته المقاصد عن الوسائل فهو معذور، ومن شغلته الوسائل عن المقاصد فهو مغرور.

وإن من المحفوظ من الحديث ما يرويه سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ربه -عز وجل- أنه يقول:

«ابن آدم، خلقت الدنيا كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشغل بما خلق لك، عما خلقت له»، أو كما ورد في الحديث القدسي الشريف.

أ.د. محمد عبد القادر محمد

الكويت 8 من ربيع الآخر

22 – ۱ – 1983

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 73

110

الثلاثاء 17-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 73)

نشر في العدد 82

138

الثلاثاء 19-أكتوبر-1971

في ظلال شهر الصوم

نشر في العدد 247

101

الثلاثاء 29-أبريل-1975

ألا سَحقاً للمثبطين