; أبي.. كما عرفته ..رجل بسبعة (٣) | مجلة المجتمع

العنوان أبي.. كما عرفته ..رجل بسبعة (٣)

الكاتب شيخة عبدالله المطوع

تاريخ النشر السبت 23-ديسمبر-2006

مشاهدات 60

نشر في العدد 1732

نشر في الصفحة 45

السبت 23-ديسمبر-2006

 عبد الرحمن المطوع- شيخة المطوع

وعن أَبي هريرة -  t- عن النبيِّ - r - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَاّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأ في عِبادة الله تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللهِ اجتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ، فَقَالَ: إنّي أخافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفقٌ عَلَيْهِ.

رجل قلبه معلق في المساجد

إذا يممت وجهك نحو الكويت وقصدت زيارتها، فعرج إلى ضاحية من ضواحيها تسمى "المنصورية"، واسأل عن مسجد فيها يسمى "خالد بن الوليد"، وأغلب الظن أنهم لن يدلوك على مقصدك ويرشدوك إلى وجهتك إلا إذا أخبرتهم أنك تقصد مسجد عبد الله المطوع، لأن هذا الاسم هو الذي اشتهر به المسجد وشاع بين الناس.. فإذا وجدته فادخله وحيه بصلاتك ركعتين فيه، ثم تجول في أرجائه، وقلب ناظريك في أنحائه، فلعلك تسمع نحيب أرضه، أو ترى دموع سمائه لفقدها رجلا من أحب روادها، وحزنها على فراق من شهد الصلاة فيها وعمرها بالذكر الطيب والعمل الخير، والاجتماع على طاعة الرحمن.. قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29].

 أتى ابن عباس رضي الله عنهما رجل فقال يا أبا العباس أرأيت قول الله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29] فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء ينزل منه رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله U فيها بكت عليه (۱).

وقال الحافظ ابن حجر: معلق في المساجد، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنَ التَّعْلِيقِ، كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالشَّىءِ الْمُعَلَّقِ فِى الْمَسْجِدِ كَالْقِنْدِيلِ مَثَلًا، إِشَارَةً إِلَى طُولِ الْمُلَازَمَةِ بِقَلْبِهِ وَإِنْ كَانَ جَسَدُهُ خَارِجًا عَنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْجَوْزَقِى كَأَنَّمَا قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في الْمَسْجِدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَلَاقَةِ وَهِى شِدَّةُ الْحُبِّ (٢). أيا كان المعنى، فوالدي يرحمه الله كان له مع المسجد علاقة وطيدة ومحبة وثيقة، وصداقة قاربت السبعين عامًا لم يتخلف عن صلاة الجماعة إلا لعذر قاهر، أو سفر طارئ، أو المرض مانع، وكم كابد المشاق، وتغلب على الصعاب حتى يكون ممن لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة...

يحكي عن نفسه قائلًا: "لا أعلم أني قد فوت فريضة أو ضيعت مكتوبة منذ أن كنت في السابعة من عمري".

 وكان -يرحمه الله- يحفظ مواقيت صلاته ومواعيد إقامتها كحفظه أسماء أبنائه وبناته، بل أشد. 

كان لا يتخلف عن إقامتها في المسجد حتى في عمله، فكان يترك كل انشغالاته وأعماله ويذهب ليقيمها في المسجد القريب من عمله ولعله يتأخر عنها قليلًا، فينصحه من بصحبته أن يقيمها في مكتبه فلعلهم انتهوا من أدائها فيقول: إن لم نلحق على الجماعة الأولى فالثانية، وإن لم نتدارك الثانية فنقيم نحن جماعة ثالثة.

 وكم شهد مسجد "خالد بن الوليد" صلواته، وكم حضرت الملائكة وسجلت عدد خطواته في ذهابه وإيابه، كان يحرص أشد الحرص على أداء صلاة الفجر في المسجد، ويقوم قبل الصلاة ويشرع في إيقاظ إخوتي ليصطحبهم معه إلى الصلاة وذلك بقرع الأبواب، وبنثر الماء حتى إنه لم يتخلف عن عادته هذه حتى في يومه الذي وافاه فيه الموت، فكان آخر لقاء له بإخوتي أنه أيقظهم للصلاة واصطحبهم معه، وجلس بعد الفجر كعادته اليومية يقرأ القرآن ويذكر الله ويوزع الصدقات حتى طلع الفجر، وكم فرح في ذلك اليوم أنه استطاع أن يقرأ القرآن من غير نظارة، لأنه في سنواته الأخيرة كان يشكو ضعف بصره واستبشر خيرًا ولم يعلم أنها صحوة الموت. يرحمه الله رحمة واسعة. 

وكان حرصه على الصلاة يحيرنا أحيانًا ويبهرنا أحيانًا أخرى.. كان يعود من مكتبه ظهرًا، وقد أنهك وأجهد إجهادًا شديدًا، وكنت ترى الإعياء باديًا على محياه، ولا يلبث أن يأكل لقمته، ويسرع لأخذ غفوته التي كانت لا تتجاوز نصف الساعة في أغلب الأوقات، وكان يوصي والدتي وإخوتي وأحيانًا كل من في المنزل أن يوقظوه لأداء صلاة العصر في المسجد، وإذا أيقظته نهض سريعًا وبادر للوضوء، وأسرع للصلاة، وأحيانًا أخرى كان يقول حين يرى أنه تأخر في موعد النوم: اتركوني لأنام خمس دقائق ثم أقوم، وتحدثك نفسك بأنه لن يقوم وإذا به يسبقك إلى المسجد.

وحدثتني والدتي أنه في الأشهر القليلة الماضية كان متعبًا وأخبرها أنه لن يقدر على تأدية صلاة العصر في المسجد، فقامت بدورها وأخبرت سائقه الخاص أن يذهب للصلاة لأن والدي لن يذهب ففوجئت به يقوم من نومه ويتوضأ ويذهب للصلاة مشيًا على الأقدام وهو في الثمانين من عمره.

ولم يقتصر حبه للمساجد على أداء الصلاة فيها، بل قام ببناء عشرات المساجد من أمواله الخاصة، ومن ثلث والدته وجدته ووالده حتى إن أخي حدثني أنه التقى شخصًا أخبره أنه زار قيرغيزيا - إحدى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية - في الثمانينيات، وكان يظن أنه أول من وصل هناك لصعوبة الرحلة وكثرة المشقة، وإذا به يفاجأ بأن هناك مسجدًا، وعندما سأل عنه أشاروا له إلى صورتين لشخصين كريمين قاما ببنائه فإذا هما أبي -يرحمه الله- وعمي عبد العزيز: 

فعلم محدثنا هذا أن خير أبي وعمي سبقاه إلى هناك حتى قبل أن ينتشر الإسلام في تلك المنطقة. 

أبتاه.. أسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَ منْ نسلك من أحفادك وأسباطك من يعمر مساجد الله كما عمرتها أنت بالذكر الطيب والعمل الصالح يرحمك الله رحمة واسعة، ونسأله أن ينير قبرك كما نورت المساجد بذكره سبحانه.

الهوامش

(1) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس موقوفًا مختصر تفسير ابن كثير، لمحمد الصابوني (3/303)، ط دار القرآن الكريم.

(۲) فتح الباري (2/170) ط: مكتبة العبيكان.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

118

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الوحدة وصلاة الجماعة في المدارس

نشر في العدد 98

137

الثلاثاء 02-مايو-1972

بريد القراء (98)

نشر في العدد 59

138

الثلاثاء 11-مايو-1971

حوار مع الشيطان