العنوان العولمة والتجربة التاريخية للرأسمالية
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
مشاهدات 64
نشر في العدد 1326
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
تعامل البعض مع العولمة باعتبارها نتاج الثورات العلمية والتقنية، وبخاصة الثورة في مجال الاتصالات والمعلوماتية، وتجاهلوا تمامًا أن الشركات المالية العملاقة التي راحت تركب موجة العولمة هي استمرار- ولو على مستوى أعلى- للشركات التي عرفتها الرأسمالية العالمية في مرحلة تشكل الكارتيلات أو ما عرف بالرأسمالية- المالية، وراح البعض يتصور أن ما يجري الآن من اندماج ما بين شركات عملاقة متعددة الجنسية كأنه حدث جديد تمامًا، ويكفي لمن يقرأ كتاب لينين «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» أن يجد نماذج كثيرة من مثل هذا الاندماج، وإذا حاول البعض أن يقارن اليوم بين رأسمال بعض الشركات المدمجة الكبيرة اليوم وموازنات بعض الدول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فسيجد أن مقارنة مشابهة كان يمكن أن تعقد بصورة أبلغ مع ما تشكل منذ بدايات هذا القرن من بيوتات مالية وكارتيلات.
ليس المقصود من هذه الإشارة التقليل من الحالة الجديدة أو تقزيمها إلى اعتبارها مجرد نسخة جديدة من تلك لا أكثر، فإلى جانب اعتبار ما يجري يمثل انتقالة إلى مستوى أعلى إلا أن ذلك لا يختلف من حيث طبيعته عن المستوى السابق أو المستوى الأسبق، بل هو خطوة تصعيدية في الاتجاه نفسه، الأمر الذي يتطلب أن تعامل العولمة من خلال فهم معمق للتجربة التاريخية للرأسمالية الغربية، وعلى التحديد الرأسمالية الأمريكية.
ولعل أول ما يجب أن تعلمه تلك التجربة أن الرأسمالية في كل مراحلها لم تستقر من غير مقاومة وتعديل وإعادة تأقلم، فهي لم تترك يومًا لتعمل بحرية مطلقة، كما يتصور الذين روجوا للعولمة باعتبارها قدرًا محتومًا، ونصحوا دولنا أن نتكيف معها والقبول بكل شروطها دون سؤال ولا حتى مراعاة لمصالحها، ومصالح شعوبها، فقد توهم هؤلاء أن ما تتبناه أمريكا لقيام نظام اقتصادي على أساس العولمة التي تريدها سيتحقق حتمًا، وليس هنالك من خيار غير الإسراع للتكيف وترتيب الأوضاع على هذا الأساس فهؤلاء يكررون الآن ما قالوه عن الشرق أوسطية حين تبنتها أمريكا وراحت تهيئ لها من خلال المؤتمرات الاقتصادية العالمية التي ابتدأت في خريف عام ١٩٩٤م في الدار البيضاء، فتحت راية التقاط المتغيرات الجديدة إقليميًا وعالميًا، وتحت غلالة الأكاديمية التي تتوقع الاتجاهات المستقبلية أكدوا حتمية قيام نظام شرق أوسطي وحددوه ضمن الرؤية الأمريكية- الإسرائيلية، لكن الوقائع جاءت لتنزل أشد العقاب بكل ذلك، أما السبب في هذا السوء لتقدير الوضع، والأسوأ فيما قدم من نصائح لدولنا، فيرجع إلى الخفة في التقاط ما يروج له في أمريكا، وعدم وضعه أمام التجربة التاريخية والأساسيات المتعلقة بالمصالح الدولية والإقليمية المتضاربة.
وعود إلى التجربة التاريخية للرأسمالية، سنجد أن كل مرحلة دخلتها حكمتها موازين القوى الدولية والصراعات الدولية، على مستوى الدول الكبرى كما على مستوى الشعوب والدول في العالم الثالث، بل حكمتها صراعات داخلية لعبت فيها النقابات والمطالب الاجتماعية المختلفة دورًا مهمًا مما أدخل في كل مرة سلسلة من الضوابط، بما في ذلك مثلًا صدور قوانين ضد الاحتكار، وأخرى قوانين حماية، ناهيك عن قوانين العمل والضمانات الاجتماعية والصحية وغير ذلك، ولو تركت الأمور لتفلت الرأسمالية من كل ضابط كما تسعى العولمة أن تفعل الآن لانفجرت على قاعدتها.
يكفي أن نلحظ الآن ما تواجهه العولمة من انتكاسات وانتقادات مع أزمة النمور الآسيوية والأزمة الروسية، وأزمة أمريكا اللاتينية والبورصات العالمية، إن أصوات التعديل وإقامة توازن جديد أصبحت على كل شفة ولسان، بل حتى صندوق النقد الدولي راح يراجع سياساته، ويقدم نوعًا من النقد الذاتي، فهل سيعتبر مزكو العولمية بلا حساب؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل