العنوان ضوابط في العمل الدعوي (۳) إبعاد العامة عن خلاف الفروع... وطريق النجاة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
مشاهدات 101
نشر في العدد 940
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
- لا بد من محادثة
الناس بقدر عقولهم وهو أمر يحدده النص.
- يجب ألا يُفاتح
عوام المسلمين بالفرعيات التي قد تسبب لديهم بعض الإشكال.
- الثقة
والاستفادة تتحصلان بالصدق والإخاء ويُبنى على ذلك التكافل بشقيه المادي
والمعنوي.
«العلم درع من تحصن به حُفظ ومن أخذ به حاز قصب السبق وارتفع» كان هذا هو
الضابط الأول الذي تحدث عنه فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين حفظه الله، ثم انتقل
إلى الحديث عن الضابط الثاني وهو «يحفظ العلم بتكريمه ووضعه في مكانه» وأكد أن
إعطاء العلم حقه يحفظ صاحبه من الانزلاق، وبعدها تحدث عن الضابط الثالث الذي كان
تحت عنوان «الإنصاف في التعبير يستلزم ذكره الأصول والفروع».
وفي هذا العدد يتابع الشيخ جاسم حديثه عن ضوابط العمل الدعوي فيحدثنا عن
ضابطين آخرين هما: «عامة المسلمين يدعون إلى أصول الدين ويبعدون عن خلاف الفروع»
و«الثقة والمحبة المتبادلة بين الشيخ والطالب والقيادة والجنود طريق الخير
والنجاة» حيث يؤكد شيخنا الفاضل بأنه ينبغي لأهل العلم أن يشغلوا عامة المسلمين
بالعمل بالأصول المتفق عليها ويُبعدوهم عن أمور الفروع المختلف فيها لأن الفرقة
والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه.
الضابط الرابع: عامة المسلمين يدعون إلى
أصول الدين ويُبعدون عن خلاف الفروع
إن ديننا عظيم وأصوله المتفق عليها كثيرة، ولم لا وهو دين الفطرة ﴿فِطْرَتَ
ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ
ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ (سورة الروم آية 30) وإشغال عامة المسلمين بالعمل
بالأصول المتفق عليها خير لهم ولدينهم من شحن قلوبهم وجرح نفوسهم بالأمور المختلف
فيها. وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال في مسألة رؤية الكفار
لربهم في الآخرة والاختلاف فيها: وهنا آداب يجب مراعاتها، منها: أن من سكت عن
الكلام في هذه المسألة «رؤية الكفار لربهم»، ولم يدعُ إلى شيء فإنه لا يَحِلُ
هجره، وإن كان يعتقد أحد الطرفين، فإن البدع التي هي أعظم منها لا يهجر فيها إلا
الداعية دون الساكت، فهذه أولى. ومن ذلك: أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه
المسألة محنة وشعارًا يُفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم فإن مثل هذا مما يكرهه
الله ورسوله. وكذلك: لا يُفاتحوا فيها عوام المسلمين الذين هم في عافية وسلام عن
الفتن. ولكن إذا سُئل الرجل عنها، أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك ألقى إليه مما
عنده من العلم ما يرجو النفع به، وهذا بخلاف الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم في
الآخرة، فإن الإيمان بذلك فرض واجب لما قد تواتر فيها عن النبي ﷺ وصحابته وسلف
الأمة (1).
وتحديث الناس بقدر عقولهم أمر تقتضيه الفطرة ويحدده النص، قال عبدالله بن
مسعود: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. (2) وهذا
هو الطريق الموصل إلى إنهاء الشقاق بين المسلمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله عند حديثه في مسألة خلق القرآن: والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص
والإجماع ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف. فإن
الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله. (3) ومراعاة ظروف الناس
وأحوالهم بما ليس فيه هتك للشرع أمر تقتضيه مصلحة جمع المسلمين. وقد وجدنا ذلك في
أدق أمر عند المسلمين وهي الصلاة فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء
رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل
فلان مما يطيل بنا فيها: قال: فما رأيت النبي ﷺ قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذ،
ثم قال يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم
الكبير والضعيف وذا الحاجة. (4)
الضابط الخامس: الثقة والمحبة المتبادلة
بين الشيخ والطالب، والقيادة والجنود طريق الخير والنجاة
الأصل في الانتماء حصول الفائدة والنفع لما فيه خير الدين والدنيا وهذا في
الغالب لا يتحقق ما لم يكن هناك ارتباط روحي عنوانه الثقة والمحبة، فانظر مثلًا
إلى قول ابن الجوزي عن أبي البركات عبد الوهاب البغدادي قال: كنت أقرأ عليه وهو
يبكي فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته، وكان على طريقة السلف انتفعت به ما
لم أنتفع بغيره. (5) والثقة والاستفادة إنما تتحصل بالصدق والإخاء يُبنى عليها
التكافل بشقيه المادي والمعنوي، وقمة الأمر تكون بتقديم الآخرين على النفس، وتتجلى
هذه الحقيقة بصور متعددة في حياة سلفنا رضوان الله عليهم فهذا عبد الله بن طالب
يشكو إليه رجل لا يجد لابنته جهازًا لزواجها، وكان لابن طالب ابنة تُخرج إليه، من
عيد إلى عيد. فقال لأمها: أحب أن تُزيني ابنتي وتُلبسيها ثيابها وحُليها. ففعلت.
وأُخرجت إليه فرحب بها، واستبشر، ثم قال لها ولأمها: إن فلانًا شكا إلي كذا، وأنا
أحب أن أدفع له جميع ما على ابنتي من حلي وثياب، يجهز به ابنته، وعلي أنا عوض
ابنتي منه بما هو أكثر. (6) والأخ وهو يقوم بحقوق ومستلزمات الأخوة يستشعر التقصير
ويسأل الله المغفرة، فهذا الإمام هشام بن مسروق التميمي من علماء القرن الثالث يقف
عند باب المكتب الذي يُعلم فيه القرآن ثم يقول للمؤدب: أخرج إلي من عندك من
الأيتام، فيشتري لهم الفاكهة، ويُطعمهم، ويُدهن رؤوسهم، ويُقبل بين أعينهم، ويقول:
ما عسى أن أصنع لكم؟ اللهم هذا الجهد مني! (7) هذه نماذج من التكافل المادي أما
المعنوي فالحاجة إليه بين القيادة والأفراد أكثر، لما له من أثر في رص الصفوف،
ودفع عجلة العمل وقطع السبيل على المرجفين المفرقين للصفوف الباذرين لحبوب الشقاق
في أرض الزارعين، فانظروا إلى الحس المرهف لشعور الآخرين في قول ابن عباس رضي الله
عنهما: لكل قادم دهشة فأبدؤوه بالسلام. (8) وهذا الإحساس دليل الحب والإشفاق من أن
يُصاب أحد من المسلمين بسوء ولدقة هذا الإحساس انظر إلى هذه القصة.. كان معاوية بن
الحارث عاملًا لعمر بن عبد العزيز على «غزاة» فبعث إليه رسولًا، فقال له عمر: هل
سلم المسلمون؟ قال: نعم قال: كلهم؟ قال: نعم إلا رجلًا واحدًا عَدَلَتْ به دابته
فساح في الثلج، قال: فصنع ماذا؟ قال: فهلك. فقال عمر بن عبد العزيز: لقد أطلقتها
غير مكترث. علي بفلان، كاتبه. فكتب إلى عامله معاوية إياك وغادات الشتاء، فوالله
لرجل من المسلمين أحب إلي من الروم وما حوت. (9) ومن التكافل المعنوي عدم سماع
الوشاة فيهم والانبراء للدفاع عن أعراضهم وأفكارهم، وقطع السبيل على أصحاب الفتن
كما أنشد بعضهم:
أولئكَ أصْحَابي فحَيَّ هَلا بهِمْ ☆☆ وحَيَّ هَلا بالطيِّبينَ وأنعِمُ
ويَا لائِمِي فِي حُبِّهُمْ وَوَلائِهمْ
☆☆ تأمَّلْ هَدَاكَ اللهُ
مَنْ هُوَ ألْوَمُ
(1) مجموع
الفتاوى 6/503-504
(2) تذكرة
الحفاظ 1/15 سيرة عبد الله بن مسعود
(3) الفتاوى
12/237
(4) فتح الباري
شرح البخاري 13/136 حديث رقم 7158
(5) تذكرة
الحفاظ 4/1284
(6) ترتيب
المدارك 2/199
(7) أدب
المعلمين لمحمد بن سحنون (ص 36)
(8) تذكرة
الحفاظ 4/1283
(9) فص الخواتيم
فيما قيل في الولائم لابن طولون (ص 73)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل