العنوان دروس دعوية من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية
الكاتب شوقي محمود الأسطل
تاريخ النشر
مشاهدات 72
نشر في الصفحة 53
يذخر تاريخنا بنماذج من الرجال الذين تشرف بهم الأجيال وإذا ما ذكرهم التاريخ جثا على ركبتيه رجال أنكروا ذواتهم وأعرضوا عن حظوظ أنفسهم من الدنيا إذ رزقوا هممًا سمت بهم نحو المعالي وجعلتهم يعانقون النجوم وتناطح هاماتهم السحاب، وإمامنا الذي سنلتقي به عبر هذه السطور من أولئك العمالقة الذين بشر بهم الذي لا ينطق عن الهوى في الحديث الذي رواه أبو داود «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». مع شيخ الإسلام ومفخرة الأنام الإمام الهمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، نقف لنتعلم دروسًا في الدعوة والعمل والإصلاح والثبات على الحق.
اهتمامه بقضايا الأمة وانشغاله بها
عندما وصل التتار إلى الشام عام ٦٩٩هـ وهزموا عساكر الناصر بن قلاوون ودب الوهن والهلع في النفوس والقلوب وفر كثير من العلماء والأعيان إلى مصر، كان للشيخ الموقف اللائق به والمنتظر منه فترك جميع ما كان يستحوذ على اهتمامه من المسائل العلمية والقضايا الخلافية وإقامة الحجة على خصوم الفكرة وأمسك بقلمه ليخط للأمة بيانًا دعويًّا جهاديًّا يدعو فيه إلى رص الصفوف وشحذ العزائم.
ومما جاء في ذلك البيان: «لهذا كان الجهاد سنام العمل، وانتظم سنام جميع الأعمال الشريفة، ففيه سنام المحبة كما في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (سورة المائدة: آية رقم54) وفيه سنام التوكل وسنام الصبر وسنام الهداية وسنام الزهد، ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ (سورة العنكبوت: آية رقم69) وفي الجهاد حقيقة الإخلاص، وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود. (۱)
ثم إنه كان يقوم بإرسال أناس من تلاميذه لحماية مداخل دمشق وحراستها ويركب هو إلى القاهرة لمقابلة السلطان الناصر ليصرخ في وجهه مؤنبًا: «إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن.. لو قدر أنكم لستم حكامه ولا ملوكه واستنصركم أهله لوجب عليكم، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم، فما كان من السلطان إلا أن خرج بجنده إلى الشام» «أنظر البداية والنهاية ج ١٤».
ويزين -رحمه الله- الأقوال بالأفعال فيمتطي صهوة جواده متقدمًا الصفوف موقنًا بالنصر مقسمًا على تحققه فيقول له بعضهم قل إن شاء الله فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، متأولًا في ذلك آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿ومن بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ (سورة الحج: آية رقم60)
يقول ابن عبد الهادي: ولقد أخبرني صاحب من الحجاب الشاميين قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصفر يا فلان أوقفني موقف الموت فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرك شفتيه طويلًا ثم انبعث وأقدم على القتال.. ثم حال القتال بيننا فما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر وانحاز التتار إلى جبل صغير وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان تحريضًا على القتال وتخويفًا للناس من الفرار فقلت له يا سيدي أبشر بالنصر، فحمد الله وأثنى عليه ودعا لي في ذلك الموطن دعاء وجدت بركته في ذلك الوقت وبعده «انظر العقود الدرية من 194».
هكذا فليكن علماء الأمة علمًا وعملًا وتضحية وجرأة وإقدامًا ليكونوا بحق في مقام القدوة والأسوة.
صبره واحتسابه
الابتلاء سنة من سنن الله في خلقه، قال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يصب منه» «رواه البخاري».
وإمامنا ليس بدعا من الدعاة والمصلحين الذين أغدق الله عليهم من هذا العطاء.. لقد ضاقت صدور أعدائه بسجاياه وعجزوا عن مقارعته في ميدان الحجة والبرهان، فلجأوا إلى الخسيس من الأساليب والحقير من الطرق مما هم أهله إذ قاموا يؤلبون عليه العوام ويحرضون ذوي السلطان مما ترتب عليه وقوع أكثر من محنة لشيخنا قابلها كلها حامدًا شاكرًا محتسبًا، فقد رمي بالزيغ في العقيدة من قبل نكرة هالك مبتدع من أعوان السلاطين الذين يأكلون بدينهم خبرًا ألا وهو ابن مخلوف.
نعم ابن تيمية الذي نذر حياته لتقرير صحيح الاعتقاد والتصدي لأهل الزيغ والابتداع والإلحاد يتهم في عقيدته! وما عليك يا سيدي فقد رمي علي -رضي الله عنه- بالكفر وما زال ببغاوات آخر الزمان من سفهاء الأحلام يلوكون نفس القرية في حق محبيك من أولياء الرحمن وجهابذة الزمان: ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾
(سورة الذاريات، آية: ٥٣)، ومن سجنه في الإسكندرية يكتب إلى تلاميذه فيقول بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (سورة الضحى: آية رقم11) والذي أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا وفي الآخرة وأتم عليهم نعمته، فإني والله الذي لا إله إلا هو في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله، وقد فتح سبحانه من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال ولا يدور في الخيال «انظر مجموع الفتاوى جـ ۲۸»، وعندما تطاول عليه بعض الأوباش بالضرب في القاهرة عام ٧١١هـ واجتمع أهل الحسينية للثأر له ردهم قائلًا: إما أن يكون الحق لي أو لكم. أو لله فإن كان لي فهم في حل مني، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فافعلوا ما شئتم وإن كان لله فالله يأخذ حقه إن شاء.
حرصه على وحده الأمة واجتماع كلمتها
في ذلك يقول لمن وجه إليه سؤالًا عن مسألة البسملة في الصلاة: إن التعصب لهذه المسائل ونحوها من شعائر الفرقة والاختلاف التي نهينا عنها إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة وإلا فهذه المسائل أخف مسائل الخلاف لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة، ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك مثل هذه المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا «مجموع الفتاوى جـ ٢٢ ص ٤٠٥».
ويقول في موضع أخر ردًّا على من اتهمه بالتشويش على العوام بقضية الصفات وعاب عليه إثارتها: «وأنا ما فاتحت عاميًّا في شيء من ذلك قط بل ما كتبت في ذلك شيئًا قط إلا أن يكون جواب استفتاء بعد إلحاح السائل واحتراقه وكثرة مراجعته ولا عادتي مخاطبة الناس في ذلك ابتداء». هذه الكلمات النورية الصادرة من هذا الإمام الملهم نهديها لفئة من الناس جعلوا من إثارة مسائل الخلاف لهم شعارًا عسى أن يعوها ويريحوا شباب الأمة من كثير من القلق والحيرة والاضطراب.
موقفه من العمل الجماعي
العمل الجماعي المنظم سنة الأنبياء والمرسلين والمصلحين على مر العصور قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (سورة آل عمران: أية رقم146). فأنبياء الله تعالى اختاروا القتال وسط أتباعهم فما بالك بغيرهم! لذا فإن مما يذكره ابن كثير أن الشيخ كان إذا خرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اصطحب معه تلاميذه ومحبيه وقد سئل مرة عن معنى كلمة الزعيم فقال: «وأما لفظ الزعيم فإنها مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين.. فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال هو زعيمهم وأما رئيس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم وما عليهم وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل حزبهم بالحق والباطل.. فهذا من التفرق الذي ذمه الله ورسوله» «مجموع الفتاوى جـ ۱۱ ص ۹۲».