العنوان الافتتاحية .. سقوط طاغية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1990
مشاهدات 78
نشر في العدد 948
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 02-يناير-1990
مهما
كانت التفسيرات مختلفة وكثيرة بشأن التغييرات السياسية التي عمت سائر دول حلف
وارسو الشيوعية، ومهما قيل عن ربط تلك التغييرات بالاتفاقات التي حصلت في شهر
نوفمبر الماضي في قمة مالطا بين بوش وغورباتشوف، فإن أي تغيير لا يمكن أن يتم لولا
توفر الأرض الخصبة التي تساعد على حصوله.
وإذا
تساءلنا: لماذا سقط شاوشيسكو؟ ولماذا سقط قبله هونيكر في ألمانيا الشرقية، وجيفكوف
في بلغاريا؟ بل لماذا سقطت سائر الزعامات الشيوعية في دول حلف وارسو؟ فإن الجواب
يكمن في عوامل عدة تعتمد على جوهر واحد هو الرغبة في إزاحة الطغيان والتخلص
من الطغاة سواء كانوا حزبًا أم أفرادًا.
ولقد
شهد العالم أجمع أن كافة الاحتياطات الأمنية والبوليسية التي أحاط الحكام
الشيوعيون في أوروبا الشرقية أنفسهم بها لم تنصفهم أو تحمِيهم من غضبة الجماهير
الناقمة على الطغيان بأشكاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على أننا إذا
عدنا إلى تاريخ الأمم السالفة لوجدنا أن مصير الطغاة واحد، ولعرفنا أيضًا أن
شاوشيسكو رومانيا ما هو إلا واحد من فراعنة هذا العصر الذين لا يخرجون في سياساتهم
ومواقفهم من شعوبهم عن طبيعة فرعون موسى عليه السلام، الذي كان يقول
لشعبه «أنا ربكم الأعلى»!
وإذا
كان فرعون موسى قد لقِي المصير الحتمي ولم ينجه منه أحد، فإن تواريخ الأمم كلها
تقدم مئات الأمثلة الواقعية على هذه الخاتمة السيئة للطاغين في الأرض، وإذا كان
طاغية رومانيا «شاوشيسكو» قد لقي الموت بلا شفقة من أحد.. فذلك
لأنه:
1-
حكم رومانيا بالحديد والنار، فكان صاحب سياسة القبضة الحديدية ضد كل من
يخالفه الرأي.
2-
ملأ السجون في رومانيا منذ أن تسلم الحكم بآلاف من المواطنين، وذلك
لأسباب بسيطة، بل تافهة جدًّا.
3-
كمم أفواه الأفراد والجماعات، ومنع الناس من التعبير عن آرائهم حتى فيما يخص
حياتهم الشخصية.
4-
استأثر بالوظائف العليا في أنحاء رومانيا لأفراد أسرته، وفرض للأقرباء الطاعة
العمياء على كافة أفراد الشعب وطبقاته.
5-
استولى على المال العام للدولة فأقام الشركات الخاصة به، وهرَّب أموال الشعب إلى
بنوك أوروبا ليستثمرها باسمه وباسم زوجته وأفراد أسرته.
6-
فرض على شعبه الطاعة العمياء على كافة المستويات «السياسية والاقتصادية
والدينية والتربوية والاجتماعية وغيرها».
وهكذا
تحققت الشخصية الفرعونية في حياة شاوشيسكو السياسية التي زخرت بالقهر لشعبه
والتخلف لدولته. ولكن.. تهاوى شاوشيسكو رغم كل ملامح الفرعونية في
شخصيته أمام هبة الشعب الذي قال أخيرًا في رومانيا وكافة دول أوروبا الشرقية لا
للطغيان، لا لحكم الطغاة، لا للشيوعية الفئوية الانتهازية الحاقدة.
على
أن سقوط الفرعون شاوشيسكو قتيلًا رغم كل إمكانات شرطته السرية يحمل درسًا بليغًا
لسائر طغاة العالم، وإذا كان الطغيان السياسي الذي يلبس البزة العسكرية في بعض
بلاد العرب والمسلمين لا يخرج عن نطاق الصفات الفرعونية التي كان يتمتع بها
الشيوعي شاوشيسكو، فإن الشعوب التي يُظَن أنها نائمة لن تظل ساكتة على الظلم
والطغيان سواء كانت أنظمة عسكرية أو ثورية أو أنظمة شيوعية واشتراكية في عالمنا
الإسلامي والعربي.
إن في
المصير الذي انتهى إليه فرعون رومانيا عظة بليغة ودرسًا نهائيًّا واضحًا لكل
الفراعنة في هذا العالم.
فالشعوب
في أي منطقة من مناطق العالم بما فيها منطقتنا العربية الإسلامية لن تظل ساكتة في
الوقت الذي يملأ فيه بعض الفراعنة والطغاة سجون بلادهم بالآلاف.. بل بعشرات
الآلاف من المواطنين الأبرياء، بل إن بعض تلك السجون السياسية المعروفة في بعض
دولنا تضم في زنازينها أكبر نسبة من النساء المسجونات بين سجون العالم؛ وذلك
لأسباب اتهامية ودعاوَى فارغة لا أصل لها في رصيد الواقع، بل إن كثيرًا من
سجون أولئك الفراعنة ومعتقلاتهم تحتجز الآلاف من المعتقلين دون أي
سبب سوى أنهم يمتّون بالقرابة لبعض المطلوبين السياسيين.
• فمتى كان الإنسان يؤخذ رهينة عن غيره؟
• ومتى كانت تحتجز النساء في السجون لأنهن زوجات
أو أخوات أو قريبات لبعض المعتقلين أو المطلوبين من الرجال؟
لقد
سبق فراعنة هذا العصر فرعون موسى في فنون الإجرام والقهر، فذلك الفرعون التاريخي
كان يقتل ويبطش ويضرب الأفراد، فجاء فراعنة العصر الحديث ليضيفوا إلى قاموس البطش
والتنكيل ممارسات شنيعة لم يرتكبها ولم يكن يعرفها فرعون موسى.
• فبعض فراعنة العصر الحديث أصدر قوانين
خاصة بإعدام كل إسلامي ينتمي إلى واحدة من المجموعات الإسلامية العاملة في
حقل الدعوة في بلده سواء كان كبيرًا أم صغيرًا، وسواء كان رجلًا أم امرأة. وإذا
كان هذا يقترب من فعل فرعون الذي قضى بقتل كل طفل يولد في إحدى السنوات المحددة،
فإن قرارات بعض فراعنة العصر الحديث تجاوزت ذلك حتى قتلت الطفل
وأبويه وإخوانه وأخواته معه، فهل فعل ذلك فرعون موسى؟
• وفراعنة العصر الحديث كما كشفت أحداث رومانيا
وألمانيا وغيرها استولوا على كافة مقدرات الشعب.
وصاروا
أباطرة المال في بلادهم، بل إن بعض الطغاة يعتبرون من أوائل الأغنياء في العالم
بحسب الحسابات التي أودعت بأسمائهم في بنوك أوروبا، حتى ضرب بعضهم المثل في
الغنى وشعبه جائع لا يجد سبيلًا إلى شراء المواد الغذائية الأساسية إلا بكميات
قليلة جدًّا وعبر طوابير طويلة وفي مناسبات خاصة، مع أن المثل في الغنى
يغرب بطواغيتهم، بينما كان المثل يضرب على الغِنى أيام فرعون بقارون
وليس بذلك الطاغية التاريخي المتألِّه!
نعم.. لقد
كشفت أحداث أوروبا الشرقية وغيرها أن فراعنة العصر الحديث سبقوا فراعنة
التاريخ كلهم بقهر شعوبهم ونهب أموال أممهم، وتأليه أنفسهم بفرض الشرائع التي
يريدون والقوانين التي يرغبون، وذلك لتحقيق مصالحهم ومصالح بطاناتهم دون النظر إلى
معاناة شعوبهم.
وإذا
كان شعب رومانيا قد أثبت الحقيقة التاريخية في إمكان انتصار الشعوب المظلومة
والمقهورة على طغاتها، فإننا نضع هذه الحقيقة أمام كل المتجبرين والمفسدين في
الأرض، بما في ذلك سائر الأنظمة الثورية والعسكرية والاشتراكية في عالمنا العربي
والإسلامي، فهل يكون في هذه الحقيقة عبرة؟ أم أن الطغيان أعمى وأصم أصحابه؟