; ماذا بعد خروج السوفيات من أفغانستان؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا بعد خروج السوفيات من أفغانستان؟

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989

مشاهدات 86

نشر في العدد 905

نشر في الصفحة 20

السبت 18-فبراير-1989

بعد تسعة أعوام وسبعة أسابيع من التدخل السوفياتي في أفغانستان، وقف قائد القوات السوفياتية في أفغانستان بعد عبوره جسر الصداقة الذي يربط حيرتان الأفغانية بمدينة ترمذ الواقعة في الجمهوريات الإسلامية المحتلة من قبل السوفيات، وذلك في الخامس عشر من فبراير الجاري، حيث ألقى كلمة استغرقت حسبما تناقلتها الأنباء دقيقة واحدة وسبع ثوان أعلن خلالها خروج آخر جندي سوفياتي من أفغانستان، وبذلك يكون السوفيات قد أعلنوا رسميًا أنهم تخلصوا من أكبر خطأ ارتكبته القيادة السوفياتية منذ نشأة دولتهم في عام 1917، ولكن رغم هذا الإعلان فهل خرج فعلًا جميع السوفيات من أفغانستان؟

● هل خرج السوفيات فعلًا من أفغانستان؟

لم يكن هناك من يراقب الخروج السوفياتي رسميًا ولا يتابعه بصفة المراقبة والحصر، لذلك فليست هناك أرقام دقيقة عن أعداد القوات السوفياتية التي كانت متواجدة في أفغانستان، ورغم أن الإعلان الرسمي قد أشار إلى أنها كانت 115 ألف جندي إلا أن بعض المصادر الغربية وبعض مصادر المجاهدين قالت إنها ربما كانت ضعف هذا العدد، ولم يتعرف أحد على أعداد الجنود السوفيات الذين غادروا أفغانستان منذ بداية خروجهم منها وحتى الخامس عشر من فبراير الجاري إلا من الإعلانات الرسمية للسوفيات أنفسهم، لذلك فإنه رغم تأكيد السوفيات على أنه لم يبق لهم جندي واحد في أفغانستان إلا أن بعض المصادر الغربية قد أكدت أنه ما زال هناك ما يزيد على عشرين ألفًا من الخبراء والمستشارين العسكريين السوفيات والجنود يتواجدون في بعض المناطق الهامة التي ستظل تخدم المصالح السوفياتية من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية.

أما رأي المجاهدين فيعبر عنه الأستاذ سياف الناطق الرسمي باسم المجاهدين في تصريح خاص للمجتمع فيقول «رغم إعلان السوفيات عن إتمام خروجهم من أفغانستان في الخامس عشر من فبراير الجاري، إلا أننا لم نتأكد من مصادرنا الخاصة بعد من صدق هذه الأخبار، وربما يكون هناك أعداد بقيت من السوفيات على أنهم مستشارون وقد يكونون بأعداد كبيرة ولن نستطيع أن نجزم بذلك إلا بعد التأكد من مصادرنا في الداخل، وعلى العموم فقد كان الانسحاب السوفياتي محورًا من ثلاثة محاور من جهادنا، الأول: هو إخراج الروس من أفغانستان وقد تحقق، والثاني هو إسقاط نظام كابل وهو على وشك التحقق -إن شاء الله- والثالث هو إقامة الحكم الإسلامي ورفع راية التوحيد وتكوين مجتمع إسلامي سليم يخضع لدين الله ونسأل الله أن يوفقنا فيه». انتهى كلام الأستاذ سياف.

ولكن مع هذه التوقعات وبعد الإعلان الرسمي عن إتمام السوفيات خروجهم من أفغانستان ما هو موقف السوفيات من نظام كابل؟

● موقف السوفيات

ظل السوفيات وما زالوا يؤكدون على استمرار دعمهم لنظام كابل وعدم تخليهم عنه وذلك على كافة المستويات وفي أوقات مختلفة ومتقاربة لعل أبرزها ما صرح به وزير الخارجية السوفياتي مؤخرًا وبعد خروج السوفيات وكرر قبل ذلك في كل المناسبات بأن السوفيات لن يتخلوا عن نظام كابل وسيستمرون في دعمه بكل ما يستطيعون، ولعل جولة شيفر ناذرة التي بدأت في الخامس عشر من فبراير الجاري إلى بعض الدول العربية يكمن الهدف الرئيسي من ورائها إلى محاولات السعي لاستبقاء نظام كابل فترة أطول أو السعي لدى المجاهدين كي يقبلوا بإشراك حزب نجيب في حكم البلاد، ففي مؤتمر صحفي عقده مؤخرًا في موسكو قال إن الاتحاد السوفياتي لن يبعد نفسه عن النزاع الأفغاني، وأن مسألة سحب قواته هي مجرد تنفيذ لما اتفق عليه في اتفاقيات جنيف، وقد نقلت بعض المصادر الغربية أن السوفيات يغيرون يوميًا على مواقع المجاهدين بعد خروجهم بأكثر من 100 غارة جوية تقلع من أراضيه، وقد أكدت بعض المصادر الغربية على أن الاتحاد السوفياتي قد أمد نظام نجيب وما زال يمده بكميات هائلة من الأسلحة والذخائر حتى يستطيع الصمود أكبر فترة ممكنة في وجه المجاهدين بعد أن أتم السوفيات انسحابهم وقد علق الأستاذ سياف على هذه المعلومات قائلًا «إنها معلومات أكيدة لكننا نسأل الله أن يجعل هذه الأسلحة والذخائر غنائم في أيدينا بعد فتح كابل إن شاء الله».

وقد سعى نظام كابل قبيل وبعد خروج السوفيات إلى عمل بعض الترتيبات التي يتسنى له بها البقاء بعد إتمام السوفيات لانسحابهم.

● نظام كابل ومحاولات البقاء:

ومع خروج السوفيات فإن نظام كابل يسعى بكافة الوسائل للحفاظ على نفسه من السقوط ومحاولة البقاء مدة أطول وقد تمثل هذا في صور عديدة منها:

1- ما تناقلته الأنباء ونشرته الديلي تلغراف في الأسبوع الماضي بأن المصادر الدبلوماسية الغربية قد أكدت بأن المكتب السياسي للحزب الحاكم في كابل يجتمع بصفة يومية لدراسة سبل مواجهة المستقبل الذي ينتظر الحكومة بعد الانسحاب السوفياتي، وهناك احتمال بأن يعلن قيام حكومة عسكرية بصفة رسمية لا سيما وأن الحكومة بدأت منذ مدة طويلة بوضع القوات التابعة لوزارة الداخلية وقوات جهاز الأمن والمخابرات تحت قيادة واحدة.

2- ما صرح به نجيب في عدة مؤثرات صحفية عقدها في الخامس عشر من فبراير وقبله من أن حكومته سوف تقاتل حتى النهاية واضاف قائلًا: «لسنا قلقين على المستقبل لأن أعضاء حزبنا لديهم قوة كافية وسوف نقاتل المعارضة حتى آخر لحظة من حياتنا».

3- ما أذاعه رادیو كابل من أن خروج السوفيات ليس له أي تأثير على النظام، وأنه قد جرى توزيع السلاح وزي موحد على 30 ألفًا من أعضاء الحزب الحاكم، وقد نقل الصحفيون والديبلوماسيون الغربيون أنه في الوقت الذي اختفت فيه تقريبًا سيارات الجيش السوفياتي المميزة بنجمتها الحمراء من شوارع كابل فإنه قد شوهدت كثافة لعسكريين جدد قيل إنهم دربوا تدريبًا كافيًا على أيدي خبراء عسكريين أجانب، وقد حضر نجيب عدة عروض عسكرية لقوات الحزب الحاكم وشن مؤخرًا هجمات على المجاهدين، وقال: «إنهم ليس لديهم القدرة على رسم برنامج سياسي لحكم البلاد»، كما خرجت بعض المظاهرات المسلحة من قبل أعضاء الحزب الحاكم ظهرت فيها بعض النساء وكانت تهتف بحياة نجيب والاستمرار في مواجهة المجاهدين.

ولكن مع حرص نظام كابل على البقاء هل يمكن أن يغير نجيب بانقلاب عسكري؟

● تكهنات بانقلاب عسكري:

زادت التكهنات بحدوث انقلاب عسكري ضد حكومة نجيب من أطراف متعددة خاصة بعدما أعلن جون غلاسمان القائم بالأعمال الأمريكي في كابل بعد مغادرته لها في أوائل فبراير بأن هناك انقلابًا ربما يقوم السوفيات بتدبيره ويأتون بعده بإحدی الشخصيات التي ربما تقبل من بعض جماعات المجاهدين ليكونوا على رأس السلطة وبالتالي تضمن قيام قتال وحرب بين المجاهدين إلا أن قائد القوات الروسية قد أكد لراديو طهران في الخامس من فبراير الماضي بأن أمر الانقلاب العسكري إشاعات لا أساس لها من الصحة، وقد أكد ذلك وزير الدفاع الأفغاني شاه نواز بعد عرض عسكري تم في العاصمة كابل قبيل خروج السوفيات إذ قال شاه نواز «إن هذه دعاية غربية ولن يحدث ذلك أبدًا»، وفي مؤتمر صحفي عقده نجيب أيضًا أكد أن القيادة المركزية للجيش بيده كما أنه أصبح يرى دائمًا بالسترة العسكرية التي لم يكن يرتديها من قبل.

ولكن مع ذلك ما هي أوضاع المدن الكبرى بعد خروج السوفيات.

● أوضاع المدن الكبرى:

نقلت المصادر الدبلوماسية الغربية والصحفيون أن كابل باتت عمليًا في ظل الأحكام العرفية بعد خروج السوفيات منها، وقال الدكتور إعجاز جيلاني مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في إسلام آباد في ندوة عقدها في الخامس عشر من فبراير الماضي «بعد خروج السوفيات من أفغانستان اليوم، فإن هناك 25 ولاية من 31 ولاية تقع تحت سيطرة الشيوعيين كل عواصمها ومدنها الكبيرة فقط محاصرة بما فيها كابل، وقال إن مصادر السوفيات قد أشارت بأن كابل محاصرة بأربعين ألف مجاهد، وأن الولايات التي تقع عواصمها بأيدي المجاهدين هي ولايات تخار وطالقان ونورستان وباكتيكا وباميان، وقال إن كابل بها ما يزيد على مليونين من السكان وقندهار بها 200 ألف وجلال آباد ما يزيد على 50 ألف ومزار شريف 50 ألف، وكل هذه المدن تقع تحت الحصار كما أن المجاهدين يقطعون الطرق ويقصفون المطارات.

● استراتيجية المجاهدين العسكرية بعد خروج السوفيات؟

يقول الأستاذ سياف في تصريح خاص للمجتمع إن استراتيجية المجاهدين بعد خروج السوفيات سوف تقوم بالدرجة الأولى على توحيد الصفوف وتأليف القلوب حتى تكون على قلب رجل واحد حينئذ فإن سقوط نظام كابل لا يكون أمرًا عسيرًا، وعن أوضاع المجاهدين حول كابل قال سياف: «إن المجاهدين يطوقون كابل الآن، أما عن خطتنا العسكرية فسوف نصرح بها في الوقت المناسب إلا إني أعتقد بأن كابل سوف تستسلم والأفضل لها أن تستسلم»، ويقول المهندس قلب الدين حكمتيار «إننا نريد أن تتم عملية الاستيلاء على كابل بأسهل ما يمكن ودون سفك دماء ولا نريد شن هجوم كبير على العاصمة حفاظًا على الأبرياء»، وأضاف حكمتيار قائلًا: إننا قمنا بترتيبات حتى نسقط كابل من الداخل ولن أزيد على ذلك... 

أما الأستاذ برهان الدين رباني فقد صرح قائلًا «إننا سنواصل حصارنا حول العاصمة بشكل لا يؤدي معه إلى مقتل الأبرياء»، أما الدكتور إعجاز جيلاني فيقول: «إن استراتيجية المجاهدين العسكرية بعد خروج السوفيات سوف ترتكز على تقليل الخسائر وتركيز الحصار حول المدن وزيادة كميات الذخيرة خاصة حول كابل قبيل الشروع في الهجوم الكبير»، ومن جهة أخرى فإن السوفيات قد أعلنوا أنهم لن يتخلوا عن نظام كابل ولن يلغوا أفغانستان من فكرهم إلا أن تجربتهم المريرة ستجعلهم يبحثون عن حيل أخرى يحاولون بها أن يأمنوا على حدودهم الجنوبية، كما أن الخامس عشر من فبراير ليس هو نهاية الطريق بالنسبة للمجاهدين الأفغان وإنما هو بداية لطريق طويل يأمل من ورائه كثير من أبناء الأمة آمالًا واسعة ويحتاج من المجاهدين الأفغان أن يبذلوا وأن يضحوا أكثر مما مضى.

الرابط المختصر :