العنوان رسائل الإخاء .. ميزان العمل.
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 77
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 09-مارس-1993
النهج
السديد في إصلاح المجتمعات هو أن يبدأ المصلحون في إصلاح النفوس بالإيمان الصادق
والعبادة الصحيحة، وتزكيتها بالأخلاق، وغرس معاني التقوى فيها، وتخليتها من فجورها
وانحرافها. فالرسول صلى الله عليه وسلم علل بعثته بتتميم مكارم الأخلاق، فهو أثقل
ما يوضع في الميزان وينقذ من النيران، ولا عجب أن يمدحه القرآن بقوله: ﴿وَإِنَّكَ
لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤). والطريق إلى تزكية النفس هو اعتياد الأفعال
الصادرة من النفوس الزاكية الكاملة «القدوة»، حتى إذا صار ذلك معتادًا بالتكرار مع
تقارب الزمان حدث منها هيئة للنفس راسخة، بحيث يصير له بالعادة كالطبع، فيخف عليه
ما كان يستثقله من الخير. فمن أراد أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف فعل
الجواد وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يتيسر عليه فيصير بنفسه جوادًا،
وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وغلب عليه التكبر فطريقه في المجاهدة أن
يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة دائمة على التكرار مع تقارب الأوقات. وكذا سائر
الأخلاق والأعمال.
وكما
أن عيار الدواء وكميته مأخوذ من مقدار العلة أو المرض، حتى إن الطبيب لا يعالج قبل
أن يعرف درجة الحرارة قوة وضعفًا، وأحوال البدن والوقت والجو حتى يضع الدواء في
موضعه، فكذلك المربون وأطباء النفوس لا يهجمون على تلاميذهم بالتكاليف دون معرفة
بما هم عليه من الخلق، وما هو الغالب عليهم من الخلق السيئ ومقداره، وملاحظة حالهم
وسنهم وما يحتمله كل واحد من المعالجة حتى يتسنى له العلاج. فمعيار العلاج مأخوذ
من مقدار الصفات والأخلاق، وهذه تختلف باختلاف الأشخاص، وتختلف في حق شخص واحد حسب
حاله وطبيعته. فمن رزق البصيرة تتبع العلة وعالجها بطريقتها الصحيحة. والنفس
الإنسانية من أعقد المخلوقات التي تحتاج إلى معرفتها والتغلغل في مسارها والتوصل
إلى ما يمكن من التأثير فيها وإصلاحها.
فالناس
أنواع من حيث أثر التربية السابقة التي تعرضوا لها، ومدة التأثير شدة وضعفًا
ودوامًا وتقطعًا وكثرة وقلة. ودور المربي في ذلك أن يوجد في تلميذه جودة الذهن
والتمييز بين الحق والباطل بغير روية ولا تعب، وحسن الخلق وهو إزالة جميع العادات
السيئة التي فصلها الشرع «التخلية»، وتعود جميع العادات الحسنة «التحلية» حتى
كأنها تصدر منه وهو في غفلته. ويساعده على ذلك الاستعداد الفطري الطبعي، وكثرة
الاعتياد، وكثافة التعليم.
فالناس
مثلًا منهم جاهل، غافل لا يعرف الحق من الباطل، ومنهم جاهل ضال عرف القبيح ولم
يتعود العمل الصالح بل زين له سوء عمله، فيجب تجاهه قلع ما رسخ في نفسه من كثرة
التعود للفساد وصرف النفس إلى ضده. ومنهم جاهل وضال وشرير، وهو من يعتقد أن
الأخلاق القبيحة مستحسنة وهي الواجبة الفعل وأنها حق، ثم تربى عليها حتى تضاعفت
عليه أسباب الضلال، فصار علاجه صعبًا وإقلاعه متعذرًا. ومنهم من ينشأ على الاعتقاد
الفاسد، ويتربى على العمل به، ويحسن في نظره ويتباهى به ويضحي من أجله، ويظن أن
ذلك يرفع من قدره، حتى يصير بذلك جاهلًا وضالًا وفاسقًا وشريرًا، نعوذ بالله من
الخذلان.
وحتى
يسهل فهم جوانب النفس الإنسانية، لابد من التعرف على أمهات الفضائل الإنسانية
وفروعها والتي يحسن بالمربين التركيز عليها:
فأمهات
الفضائل أربعة وهي: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة.
- فأما الحكمة:
فهي فضيلة القوة العقلية، وهي وسط بين الخداع والمكر من جهة، والبله والغفلة
وبطء الفهم وقلة الإحاطة بصواب الأفعال من جهة أخرى. ومن فروعها حسن التدبير
وجودة استنباط الأصلح والأفضل في تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وصواب الظن
والفراسة، والرجوع إلى الحق وجودة الذهن، والقدرة على صواب الحكم عند اشتباه
الآراء.
- وأما الشجاعة:
فهي فضيلة القوة الغضبية، وهي وسط بين التهور والجبن، ويندرج تحتها من
الفضائل: الكرم وهو الإنفاق على الأمور الجليلة، وسط بين البذخ والبخل.
والنجدة ثقة النفس عند إقبال الموت بين الجسارة والخذلان. وكبَر النفس علو
الهمة بين التكبر والمهانة. والاحتمال حبس النفس عن مسايرة الأذى بين الجسارة
والهلع. والحلم وقار النفس بين شدة الغضب وبطئه. والثبات شدة النفس وبعدها عن
الخور. والنبل سرور النفس بالأفعال العظيمة. والشهامة الحرص على الخير توقعًا
للأجر. والوقار تواضع النفس من موضع استحقاقها مع المعرفة بقدرها بين التكبر
والمهانة. ويندرج تحتها من الرذائل كذلك: البذخ وهو الإنفاق فيما لا يجب من
الزينة طلبًا للتكبر. والتكبر رفع النفس فوق قدرها والافتخار بالأشياء
الصغار. والبخل الإفراط في التقصير بالإنفاق خوفًا من الفاقة والفقر. والشح
بخل مع كره حسن حال الغير. والنكول الانقباض عما يجب الإقدام فيه خوفًا من
الهلاك. والتبجح تأهيل النفس للأمور الكبار من غير استحقاق. والهلع سوء
احتمال الآلام والمؤذيات. واللوم والخبث. والاستشاطة حدة الغضب. والخسة حط
النفس عن الكرامة والتواضع.
- والعفة:
هي فضيلة القوة الشهوانية، وهي وسط بين الشره والخمود، ويندرج تحتها من
الفضائل: الحياء حفظ النفس عن إتيان الرذائل بين الوقاحة والخنوثة. والهدوء
سكون النفس فيما تناله من اللذات الجميلة. والمسامحة التجافي عن بعض
الاستحقاق باختيار وطيب نفس بين المشاكسة والإهمال. والورع تحري الحلال
واجتناب ما يحرمه أو يكرهه الشرع. والسخاء سهولة الإنفاق وتجنب أن يكون في
غير وجهه بين التبذير والتقتير. الطلاقة المزاح بالأدب دون إفراط في جد أو
هزل مع الابتسام أمام الناس. الدماثة حسن المعشر. الظرف خفة الروح ومعرفة
طبقات الجلساء وإعطاء كل ذي حق حقه بين التجهم والهزل. حسن الهيئة محبة
الزينة الواجبة بلا رعونة. القناعة حسن تدبير المعيشة من غير طمع. حسن
التقدير الاعتدال في النفقات بين التقتير والتبذير. والنظام حسن التقدير
والمناسبة في الأوقات ووضع كل شيء في موضعه.
وأما
رذائل العفة فهي الشره، وكلال الشهوة وهو الإعراض عن المشتهيات مع العجز. والوقاحة
تعاطي القبيح دون احتراز من الذم. والتخنث التشبه بالنساء. والتبذير إفناء المال
فيما لا يجب وفي الوقت الذي لا يجب. والتهتك المجاهرة بالرذائل مع الإعراض عن
تزيين النفس بالفضائل. والإفراط في الجد والمجون الإفراط في الهزل. والعبث والملق
وما يلحقه من عار الاستخفاف. والحسد الاغتمام بالخير الواصل إلى مستحقه ممن يعرفه
الحاسد. والشماتة الفرح بالشر الواصل إلى غير المستحق ممن يعرفه الشامت.
- وأما العدالة:
فجامعة لجميع الفضائل والجور المقابل لها فجامع لجميع الرذائل.
وما
من خلق من هذه الأخلاق إلا وقد ورد في فضائله أخبار باعثة عليه، وفي رذائله زواجر
عنه، تطلب من كتب الآداب النبوية.
انتهى ملخصًا مع تصرف غير يسير من كتاب «ميزان العمل» للإمام الغزالي رحمه الله..
واقرأ أيضًا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل